أهكذا يكون التعقل يا “عقلاء” العرب


…منذ سنوات خلت كان  إسحاق رابين (غير المؤسوف عليه) يقول : “أتمنى أن أصحوا يوما لأجد أن غزة قد غمرتها مياه البحر”. مضت السنوات مثقلة بالمجازر والحصار والدمار ولم تغمر مياه البحر غزة كما تمنى وأنما غمرها بحر الدماء والمذابح التي أقامها من جاء بعده، وغمرها أيضا الصمت العربي الرسمي واللامبالاة بالعالم الغربي “المتحضر” والذي ما فتئ يصم أذاننا بمواعظه عن حقوق الإنسان وحتى الحيوان.

واليوم وهو يرى ويُتابع حجم المجازر والدمار في غزة  تراه قد ابتلع لسانه الطويل وسكت عن الكلام المباح عن فتوحاته وأدبياته وسبقه في نشر ثقافة الحرية وحقوق الإنسان.. وقد نجد للقوم بعضا من الأعذار فهم على الأقل كانوا صادقين مع ما يعلنون ويفعلون مالا يقولون… خاصة إذا تعلق الأمر باسرائيل، فهم إزاءها يشعرون بالرهبة والخشوع فلا يملكون القدرة على إدانتها ولو بشق كلمة فبالأحرى توجيه اللوم لها أو معاقبتها على ما تقترفه اليوم وقبل اليوم في حق أطفال ونساء وشيوخ غزة الجائعين والمرضى والمشردين جراء ما يقارب من سنة من الحصار والتجويع المنظم… فالقوم صادقون على الأقل مع ما يعلنونه من مواقف في حملاتهم الانتخابية :

> ألم يقل أوباما بأن أمن اسرائيل هو من أمن أمريكا بل وقاد جل حملاته الانتخابية من داخل المعابد اليهودية.

> ألم يقل بوش وقبله كلنتون بأن حماية أمن إسرائيل واجب أخلاقي يحتمه التاريخ والعقيدة المشتركة..

> ألم يتعهد هؤلاء وغيرهم بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس…

ألم… ألم… كل هذه المواقف مفهومة ومعلومة. لكن ما لا يمكن فهمه ولا علمه هو مواقف “العقلاء” في أوطاننا، فمشكلتنا نحن العرب والمسلمين هي بالأساس مع هؤلاء “العقلاء” وذلك للأسباب التالية :

– إبان حصار غزة ارتأى هؤلاء “العقلاء” -لا فُضت عقولهم- أن ينفقوا ملايين الدولارات على نشر النص الكامل للمبادرة العربية على صفحات كبريات الصحف الاسرائيلية والأمريكية والغربية من أجل كسر حالة التعتيم التي تمارسها الحكومة الصهيونية وبعض قاداتها على هذه الوثيقة…

وقع ذلك قبيل المجزرة المقامة في قطاع غزة هذه الأيام… ترى ما رأي “عقلاء” العرب في نشرهم للوثيقة العربية وهم يرون اليوم كيف ينْشُر الصهاينة أطفال غزة ونساءها بأسلحتهم المدمرة…!!!

– ولما رمى الصحفي العراقي منتظر الزيدي الرئيس بوش بفردتي حذائه رماه هلاء “العقلاء” بالسفاهة والطيش وكل ألفاظ القدح وقالوا في حقه مالم يقله مالك في الخمر لأنه تجرأ على أكبر رئيس لأكبر دولة في العالم وألقى عليه كلتيْ فردتي حذائه بدل أن يلقي عليه أسئلة كباقي زملائه الصحفيين المتحضرين…!!

– ولما اندلعت حرب لبنان في صيف 2006 انبرى هؤلاء “العقلاء” لتحميل المقاومة الاسلامية في لبنان كل تبعات ماآلت إليه الأمور من دمار وخراب.. واتهموها “بالتهور” والاندفاع” و”التسرع”. كما أسروا إلى مشاييخهم وأصحاب الفتاوي الجاهزة عندهم باصدار فتاوى تحرم مناصرة المقاومة وعدم الدعاء لها… وانقضت أيام الحرب الثلاثة والثلاثون وخرجت المقاومة منتصرة وصدر تقرير “فينوغراد” الاسرائيلي ليثبت بالأدلة الدامغة فشل الجيش الاسرائيلي وهزيمته النكراء في هذه الحرب ومع ذلك لازال هؤلاء “العقلاء” على عقلهم ومُصرين على أن إسرائيل لم تُهزم..

– وأخيرا، وفي أتون حرب الابادة التي تشنها إسرائيل ضد أطفال ونساء وشيوخ غزة، لازال هؤلاء “العقلاء” يخرجون علينا بين الفينة والأخرى وبكل صفاقة وخسة وتشفٍّ ليحملوا حركة حماس تبعات كل هذه  المجازر وشلالات الدماء، فهي التي استفزت إسرائيل بصواريخها العبثية ولم تستمع لنصائحهم العجيبة و(دماغها ناشف) وبالتالي فهي تستحق بكل جدارة كل ما يحصل لها هذه الأيام… بل أكثر من ذلك، سمعنا من يبرر عدم فتح معبر رفح بمدى التزامه الأخلاقي لمتقتضيات اتفاقياته مع اسرائيل سنة 2005، والتي تنص على عدم فتح المعبر إلا بحضور مراقبين دوليين وممثلين عن السلطة الفلسطينية لمحمود عباس. قولوا لي بربكم أسمعتم اسفافا وسخافة أفظع من هذه؟! فعلى اعتبار أن ما قاله هذا “العاقل” صحيح، فمتى احترمت اسرائيل مواثيقها وعهودها الدولية، حتى نفرض على أنفسنا زورا وبهتانا احترامها حتى وإن أدت إلى قتل أهل غزة مرتين، مرة تحت القصف العشوائي البربري الاسرائيلي ومرة جرحى أمام بوابة المعبر حتى آخر قطرة دم لأن الذين بأيديهم مفاتيح هذا المعبر ليست لهم قطرة دم..

وأخيرا.. وحتى لا أختم مقالتي بهذه النظرة السوداوية فيتهمني “العقلاء” بالعدمية ومحاولة تيئيس الناس؛ ارتأيت أن أنقل لكم صرخة أمل نقلها الصحافي عبد الباري عطوان عن ابن أخيه المحاصر في غزة تحت نيران القصف الهمجي من خلال اتصال هاتفي.

يقول هذا الشاب : “يا عمي نموت واقفين دفاعا عن عروبتنا وكرامتنا برصاص الاسرائليين أو شظايا صواريخهم أشرف من أن نموت جوعا ومرضا” كلام تشم منه عبق العزة والكرامة والنخوة الاسلامية لشعب أبيّ شجاع استعصى على المساومة والإذلال فآمن بنصر ربه فلم تعد ترهبه لا مجازر الأعداء ولا صغائر “العقلاء”.

اللهم لا تواخذنا بما فعل “العقلاء” منا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *