منهج القرآن في التربية على شروط النهوض الحضاري: المبحث الثاني : رسالة القرآن وشرط تأثيرها في النهوض الحضاري


د. محمد ناصري – دار الحديث الحسنية –

أهم معالم هذا المنهج:

> أولا : الإيمان بأهمية الإمامة في العلم والتقوى:

أما التقوى فمعلومة، وأما العلم فإنما نقصد به هنا علم الكتاب والسنة، أما غير ذلك فهو تبع، و العلوم الأخرى مطلوبة بالجبلة لمن سلمت فطرتهم، واستقامت عقولهم، وما يمكن حصوله من تقصير فيعود إلى فساد الطبع، لكن الإمامة في العلوم الأخرى إنما تكون تبعا لرسالة  الأمة، فإن لم تكن لها رسالة قابلة للعرض والمنافسة، فلن تحلم بإمامة الأمم إلا ما يكون من الأفراد.

فإذا تقرر هذا فإن الإمامة في علم الكتاب والسنة هي المدخل لأية إمامة في العلوم الأخرى بالنسبة للأمم الإسلامية ما دامت تقر بهذه الصفة، ومن الصعب التنكر لها. وأرى هذا أيضا بالنسبة للأمم المتخلفة اليوم حضاريا إذا لم تكن لشعوبها موانع في استنباط رسالتها من الإسلام…

والإيمان بأهمية الإمامة في العلم والتقوى من صفات عباد الرحمن قال تعالى واصفا عباد الرحمن،  {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}(الفرقان : 74). فهي صفة مميزة، لأن الإمامة تكون بقدر زائد من العمل، وفي ذلك يتنافس الناس؛ ولم يكن المدح بهذه الصفة إلا لأجل تحقيق الشهادة المطلوبة من أمة الإسلام، ولا تخفى أهمية ماذكر قبلها، لكن كل ذلك وارد في معرض الصفات القاصرة، التي لا تتحقق إلا باستجابة الشخص ذاته، بخلاف هذه الأخيرة، فإن نفعها متعد لأن تحقيقها مستلزم لغيره الذي به تحصل الجماعة ويكون بها إماما، ولاتحقق لذلك إلا بالائتمام به من قبل غيره.

وقد رأينا في دعاء  عباد الرحمان-الذي هو دعوة لتحقيقه- أن المنطلق هو الأسرة وتحقيق الاستمرارية في الولد.

ولقد وردت هذه الصفة محققة في إسوة أمة الإسلام إبراهيم عليه السلام، فقد قال له الله تعالى ممتنا عليه حين ابتلاه بتجربة شروط صلاح الجماعة الإنسانية(1)، ونجح فيها : {إني جاعلك للناس إماما}(البقرة : 124) فقال إبراهيم:  {ومن ذريتي} فبين الله تعالى له من يكون له هذا الطلب فنفاه عن الظالمين.

وكان إبراهيم عليه السلام يريد أن يبقى الجميع أئمة ودعاة وقدوة، فظهر بذلك اهتمام إبراهيم عليه السلام بهذا الشأن في الحال والمآل، وهو ما يفيد حرصه على نقل أمانة الرسالة ولوازمها إلى الأجيال وقد طلب ذلك صراحة من ربه حين قال : {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} إلى أن قال تعالى: {وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(البقرة : 132).

فبهذا تنبعث الهمم من البيوت وتتربى الأجيال المقبلة التي يجب أن يسبق إليها الخير فقد قال تعالى عندما ذكر المصطفين: {ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم}(آل عمران : 24). فهذا الانشغال داخل الأسرة والمشاركة كتفا بكتف هو أول عامل تنبعث به الهمم والأمم قال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}(البقرة  :  128).

> ثانيا: التلقين المباشر لمبادئ أمانة الدين.

وهو أمر لازم في رسالة القرآن، لاتقوم إلا به، ولا عبرة بما يشاع من أن أسلوب التلقين غير نافع، فإن الاعتبارات مختلفة، والمراحل كلا يتطلب أسلوبا، وأيضا أفراد العلم تختلف بحسب ما يعمل به يوميا وما ليس كذلك، وبحسب الغاية منه فإن الأحكام العملية اليومية إذا لقنت منذ الصغر تصير عادة وجزءا من السلوك اليومي الذي لاتقوم حياة الفرد إلا به، مما يجعل هذا السلوك عادة اجتماعية، فلا يبقى إلا التذكير من حين لآخر لكي لاتفقد الصفة العبادية.

فهذا لقمان الحكيم  عليه السلام يوجه ابنه حاملا إليه الأمانة ومبلغا له {يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يابني  إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير، يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، ولا تصاعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}(لقمان : 13- 19)…

فهذه أسرة تحملت مهمة الحفاظ على الرسالة، وما يضمن استمرارية عطائها واستجابة الناس لها، بالحفاظ على التصور والمبادئ الثابتة التي تميز كيان الجماعة المتدنية بها، والتي عنها تصدر في التقويم والتشخيص ومنها تستمد العلاج والتخطيط، والتنظير للمستقبل. فالأب بعدما لقن لابنه أصول العلم جعل يلقنه المبادئ الثابتة وأصول رسالة القرآن -لأنه مهيمن على الكتاب كله- ونلاحظ أنه اعتنى بالتفصيل، بل نبهه إلى تفاصيل لأمور لازمة كما ينتج عن الأمر والنهي، وهذا محل لم يشبهه غيره في التوجيه الأبوي في القرآن من حيث التفصيل، فإبراهيم اكتفى بالتنصيص على أن الله اصطفى لهم الدين وعليهم التمسك به وأن يمسكوا به. وهو اعتقاد من هؤلاء أن الإمامة لاتكون إلا بهذا الأسلوب من التربية والتعليم.

وجانب الخلل هنا يكمن في أن الأب نجده قد توجه إلى العلوم الشرعية ولا يأخذ منه أبناؤه جميعا شيئا مما هو فيه وربما وجههم خارج المنظومة التي نحن بصددها مع أن الجمع ممكن بقدر من الصبر والمجاهدة ؛ وكأنه يوحي إلى أبنائه وإلى من حوله بقلة جدوى ما هو فيه ولست أنفي قيمة العلوم الأخرى التي أؤكد إمكانية الجمع بين الحسنيين وقد وصار ظاهرة  والحمد لله.

وهذه امرأة عمران تنذر ما في بطنها للرسالة الإلهية  قبل خروجه إلى الدنيا.

والخلاصة أن الاهتمام بتنشئة الفئة الوارثة علم النبوة، المتمكنة من رسالة القرآن لا انطلاق له إلا من الأسرة التي أقرت بهذا، لأن واجبات الإنسان توزعت على قدر عمره والإخلال بعنصر الزمن ينتج عنه خلل بوجه ما.

> ثالثا: البحث عن الخلف لإعداده.

فقد يتعذر وجود من يحمل هذه المهمة أو من يعين عليها، فيلزم البحث في القرابة، والعمل على ما يوصل إلى النتيجة.

فهذا زكريا الشيخ الكبير يريد أن تبقى الإمامة قائمة حتى تستمر العبودية ولوازمها، فلم يجد بدا من التضرع إلى الخالق ليهبه وارثا قال تعالى: {قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا}(مريم : 4- 6).

وعلمنا أن الأنبياء لا يورثون إلا العلم والعلماء هم ورثة الأنبياء، فكان البحث المضني أن قاد إلى من يكون قريبا إليه يسهل بهذه القرابة أمر الإرث.

وموسى عليه السلام يستعين بأخيه، وإبراهيم يسنده ابنه وحفدته. وكل واحد يأخذ ممن قرب منه.

> رابعا: الاهتمام بتكوين الأقوياء الأمناء من الناشئة.

من السنن الربانية في الخلق المكلف باعتبار الأمانة التي كلفوا بها أنهم عندما يطول عليهم الأمد ويبتعدون عن آثار النبوة ومهد الرسالة زمانا ومكانا يحل الفتور بهم، فيبدأ الاختلاف في مراتب الأعمال والتكاليف من حيث القوة, ومن حيث ترتيبها في التنزيل وكلما طال الزمان اتسعت رقعة الاختلاف حتى يدب الهوى، وهذا الأمر سبب رئيس في الاختلاف في تقدير الحسنات والسيئات، وخصوصا في الجانب السياسي وهذا أيضا سببه تناقص آثار النبوة وكلما ازداد النقص ازدادت المسائل المختلفة ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة.

وقد دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبعث رسولا تاليا للكتاب ومعلما ثم مزكيا.ولكن الله تعالى استجاب وقدم التزكية على التلاوة والعلم. والتزكية ضامن لاستمرار العلم بالكتاب.

ولذلك فإذا وقع الاختلال بطول الأمد أو بحصول الفترة بعد الشرة(2)، فإن التجديد والتبديل من اللوازم لأن المتعلم الجديد يأخذ الكتاب بقوة ، وهاهو ذا زكريا عليه السلام يطلب ذلك لأجل ولده فخاطبه الله تعالى “خذ الكتاب بقوة” وكذا رسولنا  أشار إلى هذا بحديث من يجدد الدين، وإني أرى أن هذا التجديد هو من جنس أخذ الكتاب بقوة لأن به تحصل التزكية المطلوبة التي تترتب عليها الاستجابة التلقائية من الفئة التي تدين بما جاء به القرآن.

وأصل التبديل قوله تعالى : {وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}. وقوله تعالى {من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم}(المائدة : 54). وقد جاء هذا في سياق الزجر عن التردد بين الولاء لرسالة القرآن ومبادئه ورسالات الأمم الأخرى(3). لأن هذا مما يضعف المردودية، وكمال الشخصية.

والخلاصة أن رسالة القرآن اشتملت على مثل عليا لا نهاية لدرجاتها، ولاينازع أهل العقل في أهميتها للحياة، وتمتاز بالقدرة على ربط المؤمنين بالآخرة، مما يغني عن التفكير في إحداث قضية جديدة تسوغ رسالة لتسويقها.

وقد اشتملت على ما يحكم النظام، ويعزز قيمة الوقت وتقديره حق قدره إذا مكنت فئة العلماء من القيام بمهمتها.

——-

1- وهي الأوامر والنواهي قال السعدي:” إن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات أي بأوامر ونواهي كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده ليبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق الذي ترتفع درجته ويزيد قدره..”  تيسير الكريم الرحمن 1/102.

فكان بهذا النجاح العالم بالكتاب الإمام بذلك العلم والامتثال قال تعالى: “إني جاعلك للناس إماما”

2- بتشديد الراء وهي الإقبال على الأمر بحزم وشدة قال  :”إن للكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كان غير ذلك فقد هلك “44 والشرة  القوة في الشيء  والفترة ماتستحيل إليه تلك القوة الزائدة من الضعف.

3- وهذا في سياق خطاب الفئة الخاصة التي نحن بصددها وقد أعرضت عن سوى هذه الآيات لأنها في سياق إثبات العظمة والقوة والقدرة على البعث.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *