تفسيـر سـورة الطـلاق:


29- {فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا}

لا يتقي الله إلا  أولو  الألباب

ثم بعد هذا يقف كتاب الله مع الناس مناديا {فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا}.

بعد هذا الحكم بالخسران على العُتاة يتوقَّف القرآن قليلا ليصدر هذا الأمر وهذا التوجيه الذي يخص الأمة الإسلامية فيقول: “اتقوا الله” أي إن المطلوب منكم أن تتقوا الله، وأفضل أوجه  تقوى الله هو التزام شرعه والتمسك به في كل موقف من المواقف، والموقف الذي تتحدث عنه السورة هنا هو موقف الزواج وموقف الطلاق والعدة والمتعة فيجب أن يُتَّقى الله في هذه المواقف، فاتقوا الله عموما وفي قضية الأسرة خصوصا لأن الحيز والمجال يتعلق بالحديث عن الأسرة وكيفية بنائها، وعن لحظة انفصال الزوجية.

“فاتقوا الله يا أولي الألباب” هذا خطاب يستحق منا أن نقف عنده، لأن الله عز وجل يخاطب عينة من الناس، ولاشك من أن المستفيدين من هذا الخطاب بالدرجة الأولى والمنتفعين به هم المؤمنون

معــاني ودلالات لفـظ العقـل واللـب والـنُّهَى والحِجْر :

1) معنى اللب:

فحين يقول تعالى “يا أولي الألباب” فإن النداء يتوجه لأصحاب الألباب وحينذاك فإن الخطاب يرتفع ويعلو عن أن يكون موجها للشهوانيين الذين يعطلون عقولهم، أو الذين ليست لهم عقول صحيحة فكل أولئك لا يمكنهم أن يستفيدوا من هذا التوجيه، فهاهنا خطاب لأصحاب الألباب خاصة، وواضح بأن الألباب هنا هي العقول، لكن التحقيق ينتهي بنا إلى القول بأن الألباب ليست هي العقول، إذ اللب هو نوع من العقل خاصٌّ وسامٍ، لأن اللب في الشيء هو الخالص فيه؛ فإن أنت فتحت نواة أو شيئا من اللوز فإن لبها هو تلك النواة التي توجد داخل القشر، فالقشر يطرح ويرمى لكن اللب هو الذي يستفاد منه وينتفع به. فإذن الألباب لن تكون مطلقا عقول وإنما ستكون نوعا من العقول.

2) دلالة العقل وأنواعه:

كتاب الله إذ يتحدث عن هذه الحقيقة (قضية العقل) يتحدث عن العقل بأسماء متعددة ويفيد في مسألة العقل إفادات متنوعة؛ فهناك أولا هذه القدرة الفطرية في الإنسان التي هي العقل ذاته، هاته الجوهرة التي سماها بعض العلماء الجوهرة التي منحها الإنسان ومنحه معها خاصية التفكير، وهناك عقل مطلق كحقيقة من حقائق الإنسان وكمكون من مكونات الإنسان عموما هذا الأمر تجريدي عام ، وهناك أيضا العقل الجزئي الذي لكل واحد منا منه حظ، وهذا العقل لا شك أنه مختلف ومتباين بأسباب مختلفة، فكلمة العقل تطلق بإزاء المعنى العام وتطلق والمراد بها هذا العقل الذي في كل واحد، هذا العقل له في فهم المسلمين وعلماء المسلمين درجتان ومظهران: هناك عقل فطري في الإنسان وهو العقل الذي مَنَح لهذا الإنسان هذه القوة ليفكر ولم تكن مُنحت للحيوانات والدواب لذلك هذه الحيوانات ليست مكلفة بشيء لأنها لا تمتلك هذا العقل فهذا العقل الفطري هو كائن في الإنسان من قبل أن يولد، فالعقل الفطري هو هذا العقل الذي منحه الله الإنسان وزَوَّدَهُ به؛ يأتي بعد ذلك العقل الآخر الذي يسميه الحكماء أو المسلمون والمفسرون : العقل المستفاد والعقل الكسبي، هذا العقل المكتسب المستفاد هو قابل لأن يتطور ويعلو ويسمو فكل إنسان يخرج إلى الوجود يحمل عقلاً بالقوة وقابليةً للتفكير فهذا هو عقله المطبوع لكنه حينما يتعلم التفكير ويجلس إلى العقلاء والفاهمين الأذكياء يتبلور ذلك العقل فينمو شيئا فشيئا إلى أن يبلغ درجة معينة فيصير ذلك العقل في تلك اللحظة عقلا مسموعا أو عقلا اكتسابيا أو عقلا مستفادا، فالعقل المطبوع كما هو بمثابة البصر في الذات بالنسبة لقضية الرؤيا، فالبصر عينٌ بصيرة لها استعداد لأن ترى الأشياء، فالعين مجهزة بهذه القدرة – قدرة الإبصار- لكنها وحدها لا تستطيع أن تبصر لابد لها من عامل خارجي هو وجود النور ووجود الضوء فإن انطفأ الضوء مثلا أو أغلق البصر فلا يمكن للبصر أن يرى شيئا، إذن فاجتماع هذين العاملين أي البصر والقدرة المبصرة الجارحة وظهور النور يجعلان الإنسان يميز الصور ويبصرها، كذلك العقل الفكري في الإنسان واكتساب الإنسان للمهارات والتعلم الإنساني وتفكره وتجوله في ملكوت الله يعطيه قدرة على  فحص الأشياء، وحينئذ يجتمع العاملان العقل المطبوع والعقل المسموع، ولا ينفع ولا يوجد مسموع إذا لم يكن قد سبقه عقل مطبوع هذا العقل له درجات كثيرة، وأولى هذه الدرجات أن يسمى عقلا؛ وهو عبارة عن جهاز أو قدرة على  تعقل الأشياء، من العقل بمعنى الضبط ومنه عِقال الناقة التي تضبط وتشد به الناقة فهو لجمع الأشياء والمعلومات،

3) دلالة لفظ النُّهَى :

ولكن هذا العقل قد يصير كذلك أبعد من هذه المرحلة فيصير نُهْية أو يصير باستعمال القرآن نُهى واختلف المفسرون في كلمة  نُهى هل هي جمع لكلمة نهية أم هي ذاتها مفرد على  هذا الوزن؟ والنهية هي حالة العقل الذي يستطيع أن يخرج من الحسي إلى المعقول أي العقل الذي يقف عند حدود الحسيات ويستشف من ورائها عبرا ودروسا فيكون قد انتهى إلى أكثر من  الحسي، وسمي نهية لأنه ينتهي إلى أكثر مما يرى بالحس، بمعنى أن هنالك عقولا تقف عند الحسيات، عند الأشياء المادية لا تتجاوزها ولا  تقدر على ذلك، فهذه عقول فقط لكن العقول التي تستطيع أن تخوض فيما وراء المادة فإنها حينئذ  تستطيع أن تستخلص الدروس والعبر تسمى حينذاك نهية ولا تبقى عند درجة العقل الدنيا، والله عز وجل حينما دعانا إلى التفكر وإلى التأمل وإلى ما خلق الله تعالى في الأرض من أزواج من نبات شتى {كُلُوا وارْعَوا أنْعَامَكُم إن في ذلك لآياتٍ لأولي النهى}(سورة طه) إن في ذلك لآيات أي علامات وعبرا لأصحاب النهى ولم يقل لأصحاب العقول لأن العقل هنا يخرج من دراسة الكون وما أعد الله فيه من خيرات للإنسان، يخرج بعد هذا إلى صورة أخرى من أن الله لطيف بهذا العبد رحيم به وبأنه متفضل عليه كان بإمكانه أن يخلق هذا الكون ولا يخلق فيه للإنسان طعاما ولا شرابا ويموت هذا الإنسان، ولا يمكنه أن يفعل شيئا لكن الله تعالى إذْ خلق الإنسان أعد له ما يصلح معدنه، وجعل بينه وبين الكون الخارجي تجاوبا، وأعد له ومهد له في الكون كل شيء هو في حاجة إليه، إذن فالإنسان مُتفضَّل عليه والذي يُتفضَّل عليه لا يملك إلا أن يواجه الذي تفضل عليه بالشكر بالعبادة التي يستحقها، لكن من يستطيع أن يصل إلى هذا؟ إن الإنسان العالم المفكر التجريبي ربما يقف عند حدود المادة لا يتجاوزها إنه ينظر في مختبره إلى أشياء بعيون باردة بليدة  ينظر إلى المادة ويرصدها ولا يستطيع أن يتجاوز ذلك، فهذا الصنف يظل من العقلاء وليس من أولي الألباب،  لكن العقل الذي يكون قد انتقل إلى درجة نُهْية يخوض فيما وراء المادة ويكتشف ما وراء المادة  فينتهي إلى أن الله تعالى متفضل على هذا العبد، يصير صاحبه من أهل النهى فيستحي الإنسان صاحب النهى أن يواجه ربه بالمعصية.

4) دلالة لفظ الحجر :

ثم هناك من أسماء العقل ومن حالته الحجر ويسمى العقل حجرا لأنه يحجر الإنسان ويكفه ويوقفه عن ما لا يليق {هَلْ فِي ذَلِك قَسَمٌ لِذِي حِجر}(سورة الفجر) أي لذي عقل يحجر ويوقف ويحد، إن العقل في مرحلة من مراحله يصير عقلا مميزا عقلا يستطيع أن يغالب الشهوة وأن يقول الكلمة الحقة في الموقف الحاسم، فالعقل النظيف الناضج الذي له مستوى سام ليس ككل العقول المادية التي ترتاع حيث  شاءت إنه عقل يحرم على صاحبه ويكفه عن ما لا يليق بصاحبه لذلك هو عقل رصين لا يتابع الشهوة ولا يخضع لها.

5) دلالة لفظ الحجا :

ومن أسماء العقل وحالاته أن يكون كذلك حجا  والحجا من حجوت الشيء قطعته بمعنى أنه يقطع الطريق على النفس التي تريد أن تورط صاحبها.

6) دلالة لفظ اللب :

ومن حالاته أخيرا أن يكون لبا، واللب من كل شيء هو الخالص فيه ومعنى ذلك أن يكون هذا العقل قد ابتعد عن الشهوات وارتفع عنها وسما فوْقَها وصار يفكر تفكيرا حقيقا ليس متأثراً بالشهوة، وهذا نوع عالٍ وسامٍ من العقول فلننظر كم من العقول التي توجد، إنها عقول كثيرة وأنواع وأصناف لا يمكن أن يقع هذا الخلط بينها وبين الأصناف المذكورة من الألباب والنهى والحِجْر والحِجا، فكتاب الله تعالى يفعل كل هذا التفضيل لوجود التفاضل.

فأنت ترى الأوربي اللامع الذكي والمفكر الفيلسوف الذي يأتي بالعجب العجاب ويبتكر أدق الآلات فتجده عاقلا لكنك تجده عبدًا لشهوته متورطا فيها فلذلك نجده في حالات أخرى نازلاً ساقطا هابطا كأدنى ما يكون السقوط حينما يقبل هذا الإنسان هذا الظلم الموجود في الأرض، هذا الظلم الذي يجتمع فيه الكبار بمرأى الشاشة التي تصور هؤلاء الكبار الذين يقررون مصير شعب أعزل، شعب يُمْحق صباح مساء فتُدمّر عليه البيوت يرى الناس على شاشات التلفزيون في كل مكان النساء يبكين أزواجهم الذين ذهبوا، ويُعدمون جماعيا كلّ يوم مسلمين، بل يقتلُون قتلا جماعيا، ويبطش بهم،  وتُفْتَضُّ النساء بوحشية لم تأت بها الأزمنة الغابرة.

وهذه الأمم المتحدة التي تدافع عن الشعوب وفيها خبرة العقلاء والأذكياء والفاهمين والذين يفهمون بواطن الأشياء ويفهمون كل شيء ويتصرفون في مصير العالم أيُّ عقل يتحدثون عنه؟ هل هو هذا العقل الذي نحترمه ونجله أم هو عقل آخر؟

إذن فهناك عقول هذا العقل المتعدي لا يزيد عن عقل البهائم أبدا إن كان للبهائم عقول، إن هذه العقول عقول مكبّلة بالشهوة، عقول تحكمها العصبية الصليبية، ويحكمها الحقد على الإسلام، وتحكمها الرغبة في إنهاء وجود الإسلام لذلك فهي تستسهل كل شيء وتقبل كل المظالم والشرور التي لا يقبلها ذوي الألباب والنهى والحجا والحجر..

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *