التصميم المنهجي للدرس الوعظي دلالة الحدث، موضوع للواعظ، فكرةُ للمتلقي


اقتضت سنة الله سبحانه في الحياة، أن يكون لكل حدث دلالة ومعنى، دلالة تتبع ومعنى يفهم.

وقد شاء الله أن تتنوع الحياة الدنيا بأحداث ووقائع شتى، تختلف من حيث تكونها ووقوعها بل حتى من ناحية ظهورها للوجود وبروزها له، ولكن تتفق من ناحية الدلالة المرجوة منها، والمعنى الذي تحمله، وهو أنها على الرغم من طريقة تكونها ووقوعها وظهورها، تعتبر دليلا واضحا جليا على وجود خالق عظيم قدير يُصرِّف الأمر كيف يشاء. تلك الدلالة التي يعتبرها علماؤنا الكرام الآية الإلهية :

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه الواحد

ولا شك أن الذين يشككون في الآية الإلهية في النفس البشرية وغيرها من المخلوقات، أو ينكرونها في كثير من الأحيان، يعتبرون فئة من مغيبي الحجة والبرهان في التفكير العقلي للأحداث الجارية أمام العيان، إذ الحجة واضحة والبرهان جلي.

وتشكيكهم وإنكارهم ذلك، إنما هو ردة فعل يحوانية تقوم على نزعات غلبة الشهوة والغريزة، أو كما يحلو لبعضهم أن يسميه بـ : >إلحاد بطن وفرج لا إلحاد عقل وفكر< يعني أنهم ينْحَلُّون أولا ثم يلحدون ثانيا، وبتعبير علماء النفس : إن الإلحاد والإنكار عندهم ضرب من الحيل اللاشعورية لجأوا إليه لتبرير انحرافهم والدفاع عن سقوطهم وسوء سلوكهم، وتغطية ضعفهم أمام الشهوات والملذات.

لعل القارئ لهذه الأسطر ليتساءل عن نوعية علاقتها بعنوان البحث، إذ من النظرة السيميائية أو السيميولوجية يظهر فرق شاسع بينهما ولا سبيل للربط، ولكن من النظرة الدلالية لمحتوى الخطاب المنهجي أو التصميم المنهجي تظهر العلاقة الرابطة بشكل جلي.

فاستنباط الدلالة من الأحداث الواقعة في الحياة البشرية تقوم على مقوم التفكر الذي أُمِرَ به الإنسان في جلي الخطاب القرآني له، ومن ثم استنباط المعنى وتوفيق الفكرة وترتيبها لنثرها للعيان حسب مقومات التكوين الفكري والعقلي لهم.

وهنا تظهر العلاقة الرابطة بشكل واضح، وهي نوعية المنهج المتخذ في قراءة دلالة الحدث وإيصالها للمتلقي. فهذه الفكرة، وهذا المتلقي، وحدتان تشكلان المعتمد الرئيسي في الدرس الوعظي :

الفكرة       الخطيب أو الواعظ         المتلقي

وهناك الواعظ أو الخطيب يجلس بينهما، والذي يشكل الشريان الواصل بينهما، يفكر في طريقة متبعة لإيصال الفكرة إلى المتلقي بشكل يدفع عنه النزوح لأفكار تشتت فكره، ويكون في غنى عنها، ومن ثم انقطاع إشارات التواصل بين الفكرة والمتلقي عبر سلك الوصل الذي يمثله الواعظ أو الخطيب كما سبق.

ومن هناك نعلم أن المشكلة ليست في نوعية الفكرة وحجمها أو قوة تأثيرها، وكذلك ليست في جنس المتلقي أو سنه أو مستواه الدراسي، وإنما المشكلة في المنهج المتبع في إيصال الفكرة للمتلقي، فالمنهج هو جوهر مشكلة الأمة ولو استقام لاستقام كل شيء، وقد أشار المؤرخ الإسلامي ابن خلدون في مقدمته لهذه القضية في قوله : >اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في التعاليم وتعدد طرقها، ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك وحينئذ يُسَلّم له منصب  التحصيل فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور ولابد دون رتبة التحصيل<(ص : 448).

فهذه الفكرة فيما حُصّل وألف وكُتب، وهذا المتلقي طالب العلم، ولكن المشكلة في طريقة الربط بينهما، وبعدها أشار المؤرخ إلى نوعية المناهج المتخذة : >اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا فشيئا وقليلا قليلا، يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرب له شرحها على سبيل الإجمال، ويرعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يَرِدُ عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن… وكذلك ينبغي لك أن لا تطيل على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس وتقطيع ما بينهما، لأنه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض فيعسر حصول الملكة بتفريقها… ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يخلط على المتعلم علمان معا<(ص : 449- 450).

قلنا أن المشكلة ليست في الفكرة، إذ هي منذ خلق الإنسان إلى يومنا هذا حاضرة جلية ومتوفرة بشكل كبير، فمن السهل رُقوب الفكرة وحصرها.

وقلنا أن المشكلة ليست في المتلقي، فإن لم يكن لك أناس فلك أبناء.

ولكن المشكلة في المنهج المرسوم لتوصيل الفكرة للمتلقي، لذلك فالعالم ليس هو الذي يحمل في رأسه ما في الخزائن والمكتبات، ولكنه الذي يعرف كيفية توظيف ما في رأسه، وإلا كان كالمكتبة تحمل الكتب ولا تستفيد.

وذلك الذي أشار إليه الرسول  : >رب حامل للقرآن والقرآن يلعنه<.

إذا فطريقة توظيف المعلومات هي الأساس في العملية التعليمية في كل مستوياتها إضافة إلى الحفظ بطبيعة الحال، أو ما يسمى بالوعاء والوعي الفكري، وهو الاسم الذي أطلقه رسول الله  على الحافظ للقرآن العامل به، حينما قال : >إن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن<.

وعى من الوعاء، أن تجعل قلبك وعاءا للقرآن.

وعى من الوعي، أن تعي ما تحفظ.

فتتشاكل لذى العالم القضية تحت قاعدتين اثنتين:

الوعاء الفكري

الوعي الفكري

الوعاء الفكري : الحفظ، الفكرة، المعلومة، الكتب، الأقوال، التصنيفات…

الوعي الفكري : كيفية توظيف المعلومات، المنهج، الطريقة، الأسلوب…

بذلك تتكامل الرؤية، وتنسجم الأفكار، وتتعاون العناصر، وتصفوا اللغة من أجل الوصول  إلى نتيجة حاسمة خادمة لمقتضى الدرس، وهي الإيمان بالفكرة المطروحة في الدرس الوعظي ومن ثم العمل بها.

ذ. امحمد رحماني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *