الرسالة السابعة:شروط الصلاة وحسن إقامتها


لو تصفحنا القرآن كاملا، لما وجدنا الحق تعالى وهو يتكلم عن الصلاة أنه قال لنا: صلوا!.. ليس هناك ذكر للصلاة بهذا الفعل المصدر.. ولكن الحقيقة التي تذكر بها الصلاة في القرآن الكريم هي “الإقامة” {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ}، {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}، {وَأَقِمْ الصَّلَاةَ}، {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}، {يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ}، {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}، {وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}… هكذا يذكر الله تعالى الصلاة في كتابه الحكيم.. ولذلك فالمطلوب منا ليس أن نصلي فحسب، بل أن نقيم الصلاة كما أمر ربنا وخالقنا تبارك وتعالى!!

ولذلك يقال: إن المصلين كثير.. ومقيمي الصلاة قليل!

والله تعالى وصف المؤمنين بإقام الصلاة فقال: {وَالْمُقِيمِ الصَّلَاةِ}(الحج 35)، ووصف المنافقين وسماهم مصلّين فقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ}(الماعون : 3-5).

والرسول  يبين حقيقة ما نقول بقوله: >إن الرجلين ليقومان في الصلاة، ركوعهما وسجودهما واحد، وإن ما بين صلاتهما كما بين السماء والأرض<!!

من أجل ذلك، فإن مسألة إتمام الصلاة من الأمور الهامة في الدين إن لم تكن الأهم على الإطلاق..

وانطلاقا من هذا فإنه يتوجب على المسلم أن يدرب نفسه على الخشوع في الصلاة وأن تكون صلاته حية غير ميتة! ويصارع هوى النفس واختلاس الشيطان وسرقته في الصلاة كي يبلغ مراتب الخاشعين لله تعالى حين وصفهم رب العزة قائلا: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}(المؤمنون :2)، ولذلك يقال: إنما سمِّي المحراب محرابا لأنه موضع الحرب، يعني يحارب الشيطان حتى لا يشغل قلبه..

ولو أردنا استقصاء حقيقة قبول الصلاة في القرآن الكريم لوجدنا أن الله تعالى جعلها أربعة شروط:

* الأول: إقامة الصلاة، والذي تحدثنا عنه سالفا، ولكن هنا نريد إضافة شيء، وهو أن إقامة الشيء تعني جعله في أحسن وضع، كقولنا ((نقيم عرسا)) أو ((نقيم حفلا)).. والمعنى أن تهيئ له من قبل وأثناءه وبعد انتهائه!  ونفس الشيء يقال عن الصلاة من جهة إقامتها وقبولها.. ذلك أن دليل قبولها هو ظهور آثارها على سلوك المصلي، وهذا معنى قوله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}(العنكبوت 45)، رسول الله  يؤكد ذلك بقوله:{من لن تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له}..

* الثاني: المحافظة على الصلاة: لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}(المؤمنون : 9) والمعنى هو المحافظة على طهارتها وآدابها وأوقاتها وركوعها وسجودها كما بين لنا الحبيب المصطفى  حيث قال: >صلوا كما رأيتموني أصلي<.. فالمحافظة تعني العناية، وهي مطلوبة في هذا الركن الركين من الدين..

* الثالث: المداومة على الصلاة: لقول الله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}(المؤمنون23) فهذا شرط أساسي كذلك في الصلاة، فلا صلاة لمن يصليها متقطعة، يصلي ويترك وفق ميزاجه وهواه!! أو من يصلي رمضان فقط ويترك الصلاة بقية العام! أو من يصلي الجمعة ويستريح بقية أيام الأسبوع! أم من جمع فأوعى واكتفى بصلاة العيدين!! وهذا موجود في مجتمعاتنا الموبوءة والتي فرخت أصناف من الناس الذي لسان حالهم يقول: { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}(البقرة : 14). فعبادة الله تعالى هي مدى الحياة، والصلاة تعبير عن ذلك {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}(الحج 99).

* الرابع: الخشوع في الصلاة: لقوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}(المؤمنون :2) فالخشوع روح الصلاة، وبدونه تصبح الصلاة جثة هامدة لا روح فيها ولا حياة..

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *