أولئك الذين كادوا أن يكونوا رسلا


1- حركة لكل “المحتقرين أو المحكورين” :

سلام الإياب.. سلام المحبة والوفاء وإن طال الغياب..

سلام جراح الوطن والأمة الذي لم يزدني البعد عنكم أحبتي القراء إلا قربا من أتونها اللاهبة، لأنكم كنتم دوما رفقتي، وكلما رأيت عجبا من حكايات الرداءة، ذكرتكم في نفسي، وقلت بغصة : هذه الحكاية أوتلك لا يليق بها إلا أن أحفظها في تجاويف الذاكرة حتى أطلع قرائي عليها لنقتسم تفاصيلها ومراراتها معا.

وإذ أسرد بعضا من يوميات الرحيل في علات الوطن، فلكي نتجاوز حائط المبكى العربي بعد تفريغ شحنات كبواتنا عند أعتابه، ثم ننتقل إلى المحطة الثانية الضرورية، مرحلة صلب القامة والتطلع إلى الأعالي.. فوحدها البهائم لا يستهويها النظر إلى السماء ورب السماء الذي يخرج الحي من الميت ويحيي الأرض بعد موتها.

ولأن في الحركة بركة، فإن صلب القامة من شأنه لا محالة، أن يوحد بين كل القامات المنكسرة المهيظة المستسلمة للحكرة، ولا تني في تصريفها بكل أشكال التطرف المضحكة والمبكية، بعيدا عن مسببي عاهاتها المستديمة.

ألا يقول الأصوليون أن “الكثرة حجة” فمن يسوس هذه الكثرة الشائهة  لإخراجها من حالة الغثائية إلى حالة الشموخ والعزة؟

وبعد، تعالوا  أبْسُطْ بين أيديكم إخوتي القراء شذرات من مرارات أيام الغياب، فلعل الذكرى تنفع القراء المتدبرين، وسأكتفي فيها على امتداد ثلاث حلقات بالحديث عن بضع من عاهات الحرم الجامعي، على أن أفصل بحول الله  في علات أخرى، صادفتها صيفا، ونسأل الله المعافاة العاجلة منها.

2- الفتوات الذين  كادوا أن يكونوا رسلا!

كان من المفروض أن أزف إليكم إخوتي، خبر حصولي على إجازة في الدراسات الإسلامية، بعد إجازتي الأولى في العلوم السياسية، والبهجة تغمرني..

لكن ما عاينته لمدة ثلاث سنوات من الدراسة الجامعية، قتل بصدق،  فرحتي الصغيرة، وجعلني مرات كثيرة أعيد طرح السؤال المكرور على نفسي :

هل تختزن الطليعة داخل الجامعات بذور قيادة قـاطرة الإصلاح؟؟ إن بعض الأساتذة -ياسحرة- مولعون بسحق الطاقات الهشة وصناعة العبيد المكعبين، ديدنهم الفرعونية الحالقة : لا أريكم إلا ما أرى..

قاعة المحاضرة في حضرتهم محراب للتهجد والتبتل في شخوصهم،  ودروسهم نصوص مقدسة لا تقبل ردا ولا استئنافا، والطلبة في اعتقادهم المحنط، مجرد بهلوانات بئيسة خلقت للجرجرة المهينة  من طرف  المعلم المنقذ.

أما قاعة الامتحان فهي محطة تألقهم الهستيري بامتياز، إذ تتقمصهم عفاريت كوانتنامو، فتستحيل قاعة الامتحانات في وجودهم إلى سلخانة، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود!! وليس للناظر ساعة الامتحان إلا أن يتفحص وجوه الطلبة الجيرية الشبيهة بسحنات الموتى، ليدرك أن ساعة الحشر أزفت، وأن قيامة الطلبة قامت قبل أوانها!!.

أساتذة،، مغرمون بالنقر على حاسوب الانترنيت لاستخراج عشرات البحوث السمينة وبيعها للطلبة، راجمات تلو راجمات، دون شرحها، أو توضيحها لعصر جيوب الطلبة المثقوبة لشرائها قبل أن يرتد إليهم طرفهم!!

وينام مضيعو الأمانة من الذين كادوا أن يكونوا رسلا ملء جفونهم ويتركون للطلبة الوعيد المغلظ بجحيم الخروج من الجنة!! إن لم يأكلوا أطنان الكلمات “سرطا بلا مضغ” وبلْعها بدون هضم.

أساتذة لا تنقصهم إلا القبة ليصبحوا أولياء، وتغدو مقاعدهم الجامعية مزارات  تذبح على أعتابها الذبائح، وتقام على جنباتها شطحات الوله والغرام بالشيخ الكامل!!.. ولا أشد إضحاكا بل إيلاما من رؤية الطلبة المتيمين وهم يركضون وراء شيوخهم، أينما حلوا، يقدمون فروض الولاء بحمل كتبهم وحقائبهم، وحتى حوائج سياراتهم وبيوتهم مهرولين، مكبين على وجوههم، وأفئدتهم هواء، فهل بعد هذا الشرك من شرك؟؟؟

ومع أن هؤلاء الأساتذة الجامدين ذهنيا وقلبيا ليسوا الوحيدين في قيادة السفينة الطلابية  بل  يشاركهم قيادتها لحسن الحظ، أساتذة عظام، قامتهم العلمية والأخلاقية تطاول السماء، فإن السؤال يظل منتصبا حارقا :

هل ينمو في حضن هذه المشاتل  المليئة بالشوك، غير الصبار، والنبتات اليابسة؟!

لاشك أن الله سبحانه يخرج الحي من الميت وهوعلى كل شيء قدير لكن دعوني قرائي أحدثكم في حلقة قادمة بحول الله عن تلك النبتات اليابسة، قبل أن أحدثكم في حلقة أخرى، عن قامة علمية لطالما أحيت الرميم الهاجع بداخل الطلبة، وأحالت قاعة الدراسة إلى دار الأرقم ابن الأرقم..قامة أستاذ سكنه هَمُّ الأمانة بعمق، فانخرط في صنع سفينة الخلاص، ولا يزال حتى لحظة كتابة هذه السطور مرابطا في كرسيه الرسالي بالجامعة، وسط القاعدين من زملائه يرتق الثقوب وإن اتسعت عليه، شعاره، دعاء رسول الله  : >اللهم اغفر لقومي فإنهم  لا يعلمون<.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *