التواصل الاجتماعي : شرط من شروط النهضة الحضارية


ذ. امحمد رحماني

يتسنى لكثير من الناس الحكم على أي مجتمع كان بالتطور والعمران أو بالتخلف والرجعان انطلاقا من تركيبته الاجتماعية، فهي القاعدة العامة التي من خلالها يبدو صلاح المجتمع من فساده على أساس التآلف والتواصل بين أفراده وفعالياته إذ غالبا ما يشبه علماء الاجتماع المجتمع بالجسد الواحد الذي تكون فيه كل الأدوات طوع الأوامر الصادرة عن العقل، فهو من وجهة نظر أخرى -بعيدة عن الأوامر التي يصدرها العقل للجوارح كلها والتي ربما يقف عندها سطحي التفكير- عبارة عن ترجمة لمدى الإتصال الوثيق بين الجوارح كلها من جهة ثم بين الجوارح والعقل من جهة أخرى. والذي يُعبر عن هذا الاتصال سرعة الاستجابة للطلبات في رمْشة عين فقط، ونجد أن المؤرخ الكبير عبد الرحمان بن خلدون قد أشار إلى هذه المسألة في مقدمته حينما يقول : >ولمّا كان العُدوان طبيعيّا في الحيوانِ جعل لكُلّ واحدٍ منها عُضْوا يخْتصًّ بمُدافعتِه ما يصِل إليه من عاديةِ غيْره وجعل للإنسان عِوضاً من ذلك كلِّه الفكْر واليد. فاليَد مهَيّأة للصّنائع بخِدمة الفِكر<(ص : 44).

إن هذه السرعة الظاهرة من خلال استجابة الجوارح للعقل لتُخْفِي وراءها رابطا مهما يمكن أن يفيدنا في قضيتنا هذه -التواصل الاجتماعي- والتي تظهر بشكل جلي أثناء لمس الإنسان لشيء ساخن فتراه يسحب يده بسرعة هائلة جدا إذا حُسِبت لربما وقف الانسان كالاًّّ ومشْدُوهاً منها، إذ لا يعدو أن تكون سرعته وهو يجري بأقصى طاقة 25 كلمترا في الساعة. فما بال يده قد حركها بسرعة كبيرة جدا ما استطاع أن يحرك قدمه بمثلها في الجري والعدو.

إن هذا الفارق ليوضح طبيعة عمل فعاليات المجتمع. فهناك فعاليات يجب عليها أن تتحرك بمثل سرعة اليد أثناء لمس الشيء الساخن لتفادي الاحتراق فكذلك هي تنقذ خليطها الاجتماعي من الانصهار والذوبان. وهناك فعاليات أخرى تتحرك بمثل سرعة القدم أثناء الجري لتتماشى مع باقي الميادين الاجتماعية الأخرى فالخيط الواهي إذا انضم إليه مثله أضحى حبلا متينا يجر الأثقال وإلا بقيت في طور التخلف والانكماش بعيدة عن ميادين التطور والازدهار.

من خلال هذا يتسنى للطبيب الحدق معرفة نسبة نشاط الإنسان عن طريق استجابة أعضائه لأوامر العقل، وكذلك يتسنى لكثير من الناس كما سبق الحكم على المجتمع بالتقدم أو التخلف انطلاقا من نسبة تواصل فعالياته.

يشير العديد من الأخصائيين في دراسة نمو وتطور المجتمعات إلى قاعدة تحتل من الأهمية بمكان والتي انطلاقا من مؤشراتها تعرف قوة البلد وتأثيره في الوسط الخارجي، هذه القاعدة هي : >لا حياة لمجتمع بدون صناعة ولا صناعة بدون تجارة ولا تجارة بدون فلاحة< أو كما يحلوا لبعضهم أن يسميها الثلاثي الاقتصادي >الصناعة -التجارة -الفلاحة<.

هؤلاء الأخصائيون مع تقدير واحترام لبحثهم ودراستهم جعلوا حياة المجتمع محصورة في صناعة وتجارة وفلاحة أي بمعنى آخر لا نحتاج للدين في نماء وتطور المجتمع، هذا هو لسان الحال من تلك القاعدة إذ يكفي شرطا لبقاء المجتمع أن يكون فيه صانع وتاجر وفلاح، أين الفقيه؟ وأين المربي؟

وحتى إن سرنا معهم واستخلصنا النتائج من قاعدتهم فإنها تجانب الصواب في كثير من الحالات فهذه نجيريا على سبيل المثال تطور منتوجها الفلاحي خلال سنة 2003 ما يقارب 5.150 مليون طن من الذرة فقط ومنتوجها الصناعي خلال سنة 2002 ما يقارب 5000 مليون طن مدخرات البترول فقط أما مدخرات الغاز الطبيعي فقد بلغت 4600 مليار مكعب. لكن وللأسف سكانها الذين يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم نسبتهم 7.20%.

إذا أين يكمن الخلل؟

إن المجتمع ليس بحاجة فقط إلى صانع وتاجر وفلاح بل يحتاج كذلك لمن يُبين للصانع أن لا وجود له بغير التاجر ويفهم التاجر بأن لا وجود له بغير الفلاح ويفهم الفلاح كذلك بأن لا وجود له بغير الدارس والمهندس والتقني والطبيب وغيرهم، يقول ابن خلدون : >ومَا لم يكُن هذا التّعاوُن فلا يحْصُل له قوتٌ ولا غِذَاءٌ ولا تَتِمُّ حياتُه لما رَكّبه الله تعالى عليه من الحاجَة إلى الغِذاء في حياتِه. و لا يحْصُل له أيضاً دفاعٌ عن نفْسه لفُقْدان السِّلاح فيكُون فريسةً للحيوانات ويعاجِلُه الهلاك عن مَدى حياتِه ويبْطُل نوعُ البشر، وإذا كان التّعاون حصَلَ القُوت للغِذاء والسّلاح للمُدافعَة وتمّت حكمة الله في بقائِه وحِفْظ نوْعه فإذا هذا الاجتماع ضروريّ للنّوع الإنسانيّ وإلا لم يكْمُل وجُودُهم<(المقدمة : 44- 45) هنا بضبط تظهر قيمة التواصل داخل المجتمع ذلك الشخص الذي يفهم الصانع والتاجر والفلاح هو بمثابة السيالة العصبية الرابطة بين الدماغ والأعضاء، أي أن الأعضاء في تواصل دائم مع الدماغ لكي يبقى الجسم في كامل النشاط والصحة، فكذلك يجب على الصانع والتاجر والفلاح والطبيب والمهندس والحاكم أن يبقوا على اتصال دائم لتحقيق تقدم المجتمع وازدهاره.

إذا لابد من اتصال بين ميادين المجتمع كلها لتضبط ثم بعدها تندرج وتتواصل مع الشرع لتضمن النجاح والفلاح وإلا فسنكون قد عدنا للقاعدة الأولى التي ستربطنا بالخميس الأسود دون ريب، وهذا هو الشيء الموزون في الإسلام كل شيء على صلة. هناك اتصال ما بين التجارة والدين حينما يقول رسول الله  : >إنّ التّجّار يُبعثُون يوم القيامة فُجّاراً إلا من اتّقَى الله وبرّ وصدَق<(رواه الترمذي) ويقول : >لا يحْتكِر إلا خاطئْ<(رواه مسلم) واتصال بين الفلاحة والدين حينما يقول رسول الله  : >ما مِن مُسلم يغْرس غرْساً أو يزّرع زرعاً فيأْكل منه طير أو إنسان أو بهِيمة إلا كان لهُ بِه صَدَقة<(رواه البخاري) واتصال بين الصناعة والدين حينما يقول  : >المعْدِن جُبارٌ<(رواه البخاري) وفي حادثة تأبير النخل وإن لم تكن وحيا إلا أن رسول الله أراد بذلك حقيقة التواصل بين أعلى سلطة في البلاد -رسول الله – وقطاع الفلاحة. وهذا عمر بن الخطاب أثناء خلافته قال لتاجر وهو في السوق : >إذا كان الثوب عاجزا فانشره وأنت جالس وإذا كان واسعا فانشره وأنت قائم< فقال التاجر  : الله الله يا عمر، فقال : >إنما هي السوق< ولما بلغ عتبة بن غزوان أن أهل البصرة قد اتخدوا الضياع وعمروا الأرضين كتب إليهم : >لا تنهكوا وجه الأرض فإن شحمتها في وجهها<(1).

ولذلك صح قول من قال إن الامبراطورية العثمانية سقطت من هذا الجانب قبل أن تسقط من جانب الأعداء بأكثر من خمسين سنة حيث لم يعد الفلاح يراجع المهندس في نوعية التربية ولم يعد الكساب يراجع الطبيب البيطري في الأمراض المستعصية ولم يعد الصانع يراجع التاجر في السلع النادرة فاختل ميزان الصحة وسوء التغدية والعرض والطلب فأصبح المجتمع العثماني آنذاك يفكر في بطنه أكثر من التفكير في عقله فسقط في فخ التخلف المجتمعي فأضحى كالرجل المريض تتناهشه الجراثيم.

كذلك إذا كان الخطيب لا يتواصل مع الطبيب لمعرفة الأمراض الجديدة فلن يحذر الناس منها ففاقد الشيء لا يعطيه، فرحم الله زمانا كان فيه المسجد يمثل الجامعة الشعبية فيه تجد الصناعة والفلاحة والتجارة و الصحة، أما اليوم فلا يعدو أن يكون مخدعا لفقهاء حيض ونفاس يقول الدكتور مصطفى بن حمزة : >لقَد لاحَظَ بعضُ الدّارسين كيف تُلقَى خُطب ومواعِيظُ رجالِ الكنِيسة في رتَابة مُمِلّة فلا تُثير فُضُول الحاضرين ولا تنال اهْتمامهم على حين يُلْقِي خُطباءُ الشوارع غير بعيد من تلك الكنائس خُطبهم في حديقة هايد بارك في لندن أو أمام مرّكز بومبد وبباريس فيسْتحْوذُون بتلْك الخُطب على النُفوس وتلاقِي تجاوُباً وإقْبالاً<(2).

وبذلك تعرف قيمة هذا النبي العظيم حينما يقول : >المُوْمن ألِفٌ مأْلُوف ولا خيْر فِيمن لا يأْلفُ ولا يُؤْلف<(الإمام أحمد) وحينما يقول : >منْ لم يهْتم بأمْر المُسلمين فليْس منهم<(ضعيف).

وعلى عجيب من الأمر أنك تجد أولئك الذين لا ينتمون لهذا الإسلام بصلة يطبقون هذه الأفكار ويجعلونها حلقة في آذانهم، توجد على هيئة الأمم المتحدة بنيويورك لوحة مكتوب عليها أبيات للشاعر الشيرازي وقد تمت ترجمتها إلى الانجليزية وهي تدعو إلى الإخاء والألفة والاتحاد، تقول هذه الأبيات :

قالَ ليَ المحْبوب لمّا زُرْته

مَنْ بِبَابي قلْت بالباب أنَا

قال لِي أخطأْت تعْريف الهَوى

حينَما فرّقت فيه بيْنَنَا

ومَضَى عامٌ فلمّا جِئْتُهُ

أطْرُقُ البَابَ عليه مُوهِنا

قال لي مَن أنْت قُلْت انظُر فَما

ثمّ إلاّ أنْتَ بالبَاب هُنا

قال لي أحْسَنْتَ تعْريفَ الهَوَى

وعرَفْتَ الحُبّ فادْخُلْ يا أنا(3)

ومن العجب كذلك أننا نحن الذين يجب أن ندرك هذه الأمور نبعد عنها بعد المشرق والمغرب فلا الجار يعرف جاره ولا الطارق إلا بابه.

ولله در من قال :

كأنّ الموْت يزّحفُ بيْنَهم

زَحْف الرّياح بيْن ودْيان الجِبال

وقال آخر :

فإنّك لا يضرّك بعد حوْل

أظَبْيٌ كان أمّك أم حِمار

فقَد لحِق الأسافِلُ بالأعَالي

ومَاجَ اللوْمُ واخْتلطَ النُّجارُ

وعادَ العَبْدُ مِثل أبي قُبَيس

وسِيقَ مع المُعَلْهَجة العِشَارُ

وكل يوم يمر إلا وهو أسود من أخيه.

قال الأحنف بن قيس :

وما مرّ يومٌ ارْتجِي فيه راحةً

فأَخْبُرَه إلاّ بكَيْتُ على أمْسِ

نمني أنفسنا بالموعود الفاني ولا نفكر بأن الله سبحانه ارتضى لنا رسولا قد بيّن لنا بكلامه هوذاالدرر الجمان كيف نحقق نماء المجتمع وتقدمه، قيل لعالم مسلم : هل قرأت أدب النفس لأرسطو؟ فقال : بل قرأت أدب النفس لمحمد .

ولكن هذا هو المجتمع ويجب من العمل على تقدمه وإزدهاره فعلى الرغم من ذلك فهو مجتمعنا أو كما يقول العرب >أنْفُك مِنك وإن ذَنَّ< أي سال.

—-

1- عيون الأخبار 361/1.

2- الخطيب وواقع الأمة : 23- 24.

3- لا تحزن لعائض القرني.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *