أدبــاء بـلا أدب


عيسى ادريوشي
يختلف تعريف مفهوم الأدب بين الحضارات، ورغم أن الدلالة قد تتركز حول نقطة معينة..وهي أن الأدب هو الآثار المكتوبة فإن المنطلق الذي ينطلق منه الأدب الغربي ليس هو المنطلق الذي ينطلق منه الأدب العربي..

ومن ثم يخطئ كثيرون ابتداء في معرفة الفروق الدقيقة بين الحضارات لاعتبارهم أن الأدب مجرد لغو من الكلام..وهنا تظهر المفارقة… إن كثيرين من الأدباء يعتبرون الأدب لغوا من الكلام بتصرفاتهم لا بحديثهم، لأنهم يفصلون فصلا تاما بين الأديب وبين حياته وأخلاقه…

وإذا كان الأدب عند الأوربيين يعبر عن فكرة مادية بحتة هي فكرة الإنتاج ونسخ الواقع، فإن الأدب العربي ضارب بجذوره في تربة أخلاقية أبينا أم كرهنا… الأدب عند الأوربيين كتابة وإنتاج أما عندنا فهو تسديد وتقويم.

لم يكن الأدب قط مجرد نصوص تنشأ فتقرأ ولا مجرد مديح أو هجاء بل كان محملا بروح أخلاقية تظهر في اللغة وفي القدرة على الصياغة ..وفي الغرض..والموضوعات..

أما الآن فإن انطماس مفهوم الأدب في معانيه الروحية العميقة جعله مبتذلا وجعل كثيرين من الطفيليين يهجمون عليه فيفسدون أكثر مما يصلحون لأنهم لا يدخلون البيوت من أبوابها.

ماذا تنتفع أنت بأديب يزعم كاذبا أنه ينشئ أدبا وهو في حاجة إلى من يؤدبه؟

ماذا تتوقع أنت ممن ينكر أصله وفصله ويرمي بالحجارة تراث آبائه وأجداده ويرتمي في أوساخ حضارة لا تمت له بصلة؟

ماذا تتوقع ممن لا يفهم من الأدب إلا أنه مجال لتسلق مراتب شهرة يعجز أن يحققها بجهده، وسرقة أضواء بالباطل والزيف؟

ماذا تتوقع من أديب مصاب بعقدة تضخم الذات، فيشن حروبا وهمية لا معنى لها، لمجرد اختلاف الآخرين عنه في المذهب أو العقيدة أو التفكير أو الطريقة الأدبية، فتراه يكرههم ويحقد عليهم، ويحقد حتى كل المتفوقين لمجرد أنهم متفوقون أو يكره فلان العلاني لأنه فلان العلاني.

ماذا تتوقع من مريض سيكولوجي بالأوهام: أوهام التفوق والعظمة، ويرى نفسه هو وحده مركز الكون؟ هل تراه يفيد غيره وهو عاجز حتى عن مداواة أمراضه؟ هل تتوقع منه أن يقدم للآخرين وهو في حاجة إلى من يشفق عليه؟

ماذا تتوقع من أديب يظل رهين البارات والخمارات؟ ويكتب نصوصه في أماكن الرذيلة؟

وماذا تتوقع أخيرا من أي أديب لا يحيا حياته الخاصة كما يجب أن يعيشها بل يعيش مستلبا لنموذج ذهني يختلف عنه في كل الشروط الموضوعية، وفي المنطلقات، وفي صورة المثل الأعلى؟ فهو يثور لأنه يحب الثائر الفوضوي الفلاني؟ ولأنه مسكون بروح فلان الثوري حتى ولو كان هو غير ثوري في حياته؟ فهو ثوري في الأدب فقط! هو ثوري في الأدب يكتب منه بغير حساب ويهجم على كل شيء؟ ولكنه في حياته العامة يمشي مثل المسطرة ويتأدب أمام رؤسائه في العمل والوظيفة وغير ذلك ….فيمكنه مثلا أن يهاجم المقدسات الدينية بكل سهولة، ولكنه يعجز أن يرفع صوته ضد ظلم أو طغيان، أو يقف موقفا شجاعا ضد جريمة أو محنة؟ وما ذاك إلا لأنهم يزعمون الحداثة وهم أبعد الناس عنها، لا في فكرتها ولا في شروطها ولا في حقيقتها.

الأدب الحق فن يسمو بالإنسان، ويعلمه كيف يكون إنسانا حقا، وليس مجالا للعقد النفسية والحقد والإحن والغل والأمراض.

إن الأدب مجال للتواصل مع الآخرين، ولا تواصل إلا بالاحترام المتبادل، لا بالتوثب عند كل لقاء، وبالاستعداد للنيل من الآخرين لمجرد أنهم آخرون…مختلفون.

الأدب أخذ وعطاء واكتشاف للذات وإعادة لبنائها من جديد، وترقية لها باستمرار، بالنقد والنقد الذاتي والنقد البناء، وليس وسيلة لاستثمار الحسد والضغينة وسنِّ أشواك جارفة لا تبقي ولا تذر…فالأديب الحق يرضى بمن ينتقده ويكشف عيوبه (بالحق)، رضاه على من يمدحه. لكن بعض المشتغلين بالأدب (سامحهم الله) (معتبرين أنفسهم قد تحققوا بالكمال الإنساني والأدبي) لا يرضون إلا بمن ينفخهم حتى يصيروا فقاعات هوائية تطير في السماء، رغم أن حجمهم الحقيقي “الموضوعي” محدود في الزمان والمكان والتأثير…

الأدب طريق الإنسان ووسيلته لكي يتعلم كيف يكون حرا نبيلا متخلقا ودودا سامعا مستفيدا من غيره، محبا للمخلوقات الأرضية والسماوية على السواء، وليس هو خنجرا مسموما نلقيه في وجه الأحباء والأعداء… الأدب علم وحكمة، وتعلم… ولغة وطرائف، واستفادة من تجارب الآخرين، وليس ادعاء فارغا وتبجحا بامتلاك القدرة على رصف الكلمات….

والذي يعجز أن يكون أخلاقيا كذلك؛ فهو غير أديب حتى ولو كتب مئات المجلدات. إنه سيكون كاتبا أو شاعرا ولكن بمعنى الكتابة فقط، ولكنه -بالتأكيد ووفق سنة الله الكونية التي لا تحابي أحدا ولا تتخلف- لن ينجح إلا نجاحا عابرا كسحابة دخان، لأنه فاشل في الحياة، والذي يفشل في الحياة لنفسه، لا يمكن أن ينجح لغيره!!! والذي لا يقدم شيئا لنفسه ماذا تراه يقدم لغيره؟ والذي لا يريد من الآخرين سوى أن يكونوا ظلالا لذاته المريضة، لا يمكنه أبدا أن يعيش للآخرين لأنه محكوم بأن يظل في أسوار نفسه المريضة… إذ كيف ينفع غيره بتجربته وهو عاجز أن ينفع نفسه؟

ظاهرة خطيرة أصبحت تغزو أدبنا العربي، وجعلتنا أمام أدباء مرضى أي أدباء بلا أي “أدب”.

“أخلاق غائبة” تلك هي أزمة الأدب العربي اليوم، والرغبة في الإنتاج كيفما اتفق، والنشر من أجل النشر (أي اعتبار النشر قيمة مضافة)، (بكافة المعايب كالرداءة ونقصان الجودة والضعف الأدبي ونقص التجربة الإنسانية أيضا) هي الأمراض الخطيرة التي تنهش الأدب العربي (والأدب المغربي منه) فأصبح الأدب والشعر والبلاغة ميدانا لكل ناعق، وهكذا ضاع الأدب بأدبائه أو بأشباه أدبائه ممن لا يملكون أدبا. فكيف يكون لهؤلاء أدب يستجاد ولم يكن لأجدادهم من المحدثين..وكيف يُفيضون على الآخرين مما عندهم وهم لا يملكون سوى الأصفار المكبَّرة والثياب المرقعة….

نهمس لهم في مودة وإشفاق ونقول لهم: إن “فاقد الشيء لا يعطيه”.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *