كيف يتغذى الإرهاب الحقيقي على خلافاتنا


شدتني في بحر هذا الأسبوع، ندوة عامرة، بإحدى قنوات دولة عربية  وكانت تتعلق بالأمن الاجتماعي  على صعيد دول  العالم عموما، والعالم العربي الإسلامي على وجه الخصوص..

لن أعقب على الجلسة بما دار فيها من تحليق في صلب الموضوع أو حواليه، إلا لأقول بنفس مهيضة  محبطة أن الجانب النسائي كان محدودا حضورا ومداخلات، فيما رأيت وفيما تابعت، وأنا أعلم علم اليقين أن المرأة  في هذه الدولة العربية، ذات حضور ثقافي وفكري وازن، فما لها في هذه الجلسة تبدو أشبه بالحلزون المتمترس بمحارته؟

وأدرت المؤشر، في اتجاه قناة شرقية أخرى فاستوقفني عالم مفوه يجهد حلقه في حديث مشحون بالعتاب للمرأة الخائنة لدورها الرسالي المفتتنة بالأدوار النسائية الغربية، التي تنكرت لفطرتها وغدت آلة جبروت ضد الرجل حينا، وسلعة لتفريغ كل شحنات شذوذ الذكر الغربي فيها من قتل واغتصاب الخ، حينا آخر..

وتوقف الشيخ الداعية عند مظاهر تكريم الإسلام للمرأة مما يجري ذكره حد السأم في الكثير من الفضائيات، دون أن يعي البعض من دعاتنا أن ماء كثيرا  عبر تحت الجسر، وأن أيام العز تلك خلت، ولأصحابها الأماجد كما قال سبحانه ما كسبوا ولنا ما كسبنا ولا نسأل عما كانوا يعملون، بل عما عملناه نحن لتكريم المرأة المسلمة، و لتستمر حياة العز والكرامة البشرية التي غدونا نفيق كل صباح على اقتطاع جزء منها إنسانيا وسياسيا وجغرافيا واقتصاديا، ولازلنا نتكئ على عكازة المرأة لطمر خيباتنا الجماعية نساء ورجالا!!..

وقد يسر لي الخالق سبحانه لسنوات مضت قراءة مجموعة من الدراسات التي تتعلق بالمرأة الغربية بأقلام نسائية ورجالية غربية منصفة، حيث دقوا جميعا ناقوس الإنذار وقالوا بصيغ متعددة وتصور واحد : أن المرأة الغربية لبست البنطلون الرجالي وتخلصت من التنورة والكعب العالي وامتشقتسيف التسلط ضد الرجل، فخرجت هي للفضاء العام، وقعد هو في البيت لإرضاع الطفل وتغيير حفاظاته وكي الملابس إلى غير ذلك من الأشغال المنزلية، فاستعذب هذا الدور الجديد، فأطال شعره وصبغ أظافره وشفتيه، بل سكنتْه رقة الأنوثة وتغـنجها فصار مثليا يطلب الرجال، وتركها للعنوسة والعلاقات العابرة والعنف والاغتصاب والوحدة القاتلة.

وركض بها زمن النشوة من انتصار إلى انتصار، وفي عز انشغالها بوظيفتها الجديدة، لم تفطن إلى أن ما حسبته حرية كان مجرد وهم، وأفاقت على وضعها التحرري الجديد لتجد نفسها مستعبدة بالخارج، ومنهكة بالداخل.

إذ سرعان ما  زهد الرجل في مهمة الحاضنة، وأخذ ركنه المريح أمام التلفاز وصحبة الجريدة، وترك المرأة للضنك المتواصل ليل نهار بالداخل والخارج، ووقفت هي أمام المرآة باحثة منقِّبة عن معالم أنوثة شوهها  بكورها الصباحي المتكرر، والقهوة المرة العجولة، وصفير المترو، ونفير السيارة، و ضجيج مستقلي الحافلة  وسندوتشات الهمبورغر السريعة، و رزنامة المواعيد المتلاحقة وأسفار العمل النائية، فتغضن وجهها وغارت عيناها، ونحل جسمها حتى أصبحت كقضيب الخبز الباريسي  (سوط عليها تطير)!! نعم غارت  الأنوثة البضة الآسرة، وأعقبتها علل بلا حدود، أحالتها على كراسي التنويم المغناطيسي لتبكي بحرقة بين يدي طبيبها النفساني، و تحكي له بلوعة الإحساس بالفقد، قصة تهريب  شبابها من طرف متطرفي الحداثة، الذين أعطوها الحرية وسرقوا منها الحياة!!..

هذه قصة المرأة الغربية التي شغلها معسول دجالي ومشعوذي الحرية الملغومة عن فطرتها، الربانية الخلق، الحكيمة الصنع..

ونحن الذين يستهوينا كالأسطوانات المحفرة ترديد هذه القصة الدرامية في مواعظنا ودروسنا، ننسى حدبتنا، والأفدحُ من ذلك -قارئي اللبيب- أننا كما أسلفت، نعبر الآن، نفس اللجج الشيطانية  التي عبروها، و دليل ذلك،أن من ينظر مليا في وجه موظفاتنا وعاملاتنا ستؤلمه ولا شك سحنات نسائنا الحزينة المتعبة الكابية، وعيونهن المطفأة، ومن كان في وسطه العائلي، عينة من طابور الإماء الجديدات من نسائنا، فلينصت إلى بعض من شكاويهن الصحية، وسيلاحظ أن تشخيصهن  لآلامهن الجسدية، دون عيادة للطبيب، سيملأ قائمة من الأمراض المزمنة (وما خفي أعظم)!! بدءا بداء السكري والأمعاء وروماتيزم الركب والقلب وبصيغة أوضح : خردة والسلام..

ولا عجب فنساؤنا بهائم ناعورة، لا تتوقف عن الدوران!!

وإذا عرف السبب بطل العجب فمن جهة عملت الدوائر الحداثية المتطرفة على شحن مخيلات نسائنا بالخطاب التحرري وركزت في أذهانهن أسطورة جبروت الرجل الظالم المستبد وجيشتهن لحرب عالمية ضد الرجال.

ومن جهة أخرى ألح  بعض الفقهاء، بنية حسنة ولا شك، من خلال  منابرهم الوعظية داخل المساجد، ردا على موجة تغريب المرأة المسلمة على العودة بالمرأة إلى سيرة سلفنا الصالح، واستفاضوا في الحديث عن الصحابيات الماجدات وبرهن بأزواجهن، وتضحياتهن العظيمة لإسعادهم والحفاظ على بيوتهن.

و يلاحظ المتابع لمضمون هذه الخطب والدروس ضمورا واضحا على صعيد الخطاب الموجه للرجال بخصوص حسن التعامل مع الزوجة، فإذا جرى الحديث العابر عن حسن التبعل تجاههـا، اكتفى  الواعظ بالوقوف عند حقوق الكسوة والنفقة والإطعام، كما لوكانت الزوجة مجرد قطة أليفة فحسب!!

وقد ساقني حب الاستطلاع إلى فضائيات عربية ذات خطاب إسلامي فوجدتها تخصص حصصا معتبرة للمرأة،، حيث وقفت إحدى الخبيرات في فنون إرضاء الزوج، أمام عدسة الكاميرا لتفصل في عدد كبير من الزيوت العطرية التي يجب وضعها في قمصان الرجل وشرابه وجواربه وحذائه ووسادته ودولاب ملابسه، وكنت رأيت برامج أخرى حول الوسائل النسائية الأكثر نجاحا لجلب الرجل مرورا بالمطبخ ووقوفا عند الزيوت والعطور وانتهاء بكريمات التدليك الصينية الخ، مما سيخرب ولاشك ميزانية العائلة!!!!!، ناهيك عن وصفات الصبر حد الاستشهاد في حالة الرجل العنيف والسكير والفاسق..

وإذا كنت لا أنكر هذه البهلوانية النسائية (مع بعض التحفظ) لإسثتارة الأزواج وحفظ  نساء الداخل لهم، من الغارات المكثفة لنساء الخارج، فإني أرى والله أعلم أن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده.

فأمهات المؤمنين رضي الله عنهن والصحابيات الجليلات لم يكن غواني في بيوتهن ولا عارضات أزياء  حـد الهوس، وما كان الصحابة رضوان الله عليهم نسخة من روميو أو خوليو أو غيره من نجوم الستينات الذين كانت العذارى يسفحن الدموع الثقال أمام شرفات بيوتهم!..

وبالتالي فعلى خطى الحبيب ثم خطى صحابته يجب أن نؤسس بيوتنا فتكون خلايا مودة ورحمة وتعاون وتكارم وتجمل وتهادي ثنائي، وتفكير للأمة وانخراط رسالي في أوراش نهضتها، لا خلايا إرهابية تستعمل فيها كل أنواع الأسلحة المحظورة إنسانيا  من ضرب وكي وخنق وذبح وشعوذة وخيانة، وخيانة مضادة، ولا خلايا توب موديل، تفيق فيها المرأة على المرآة ودولاب الزينة وتبيت عليها، مجرد دمية مهووسة بهيكلها اللحمي والشحمي، ولاهية عن هيكلها العظمي وكشف حسابه إذا أزفت الآزفة..

ولكي يتبلور هذا التفكير الرسالي في أدمغة نسائنا ورجالنا، يجب أن ينخرط وعاظنا وخطباؤنا في عملية إعادة هيكلة الأنفس والعمل بنفس الهمة على الذهنية الذكورية لتخرج من الفكر الحريمي الإسترقاقي للمرأة باسم حسن التبعل إلى فكر الإكرام المتبادل.

وإنها لصرخة أخوية من امرأة سبرت نبضات النساء المجروحات، وتعلم إلى أي حد أن الأمن الاجتماعي الذي تحدثنا عنه آنفا، سيظل أعرج، مادام هناك رجال يضعون ريشة على رؤوسهم، ويقولون لمن حاجهم : (اللي بغا العسل يصبر لقريص النحل).

وقد زاحمت المرأة الرجل في دواليب القرار بالداخل والخارج فلتتحمل نتائج اختياراتها كما يردد البعض منهم، بغير قليل من التشفي!..

ولأن الحديث يطول ونحن في وقت عصيب، يتداعى الذئاب فيه على  أعشاشنا، ويخطفون كل يوم ديكا من أجمل ديوكنا ويُيَتِّمُون دجاجاتنا وأفراخنا باسم الحرب على الإرهاب، وباسم الحفاظ على السلم والأمن الاجتماعي،فإن علينا أن نرمم تصدعاتنا الداخلية ونعلن على بعضنا المحبة والوئام لنفرغ للإرهابيين المقنعين.. وتلك هي معركتنا الحقيقية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *