المرأة ترشد الرجال


لقد جرت العادة أن الرجل هو واعظ النساء، ولكننا سنرى في هذه الإشراقة أن المرأة وعظت الرجال وحدثتهم، عن عبيد سنوطا قال : دخلنا على خولة بنت قيس رضي الله عنها فقلنا : يا أم محمد حدثينا، فال زوجها : يا أم محمد أنظري ما تحدثين فإن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير ثبت شديد، فقالت : بئس مالي أن أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ينفعكم فأكذب عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقو ل: ((الدنيا حلوة خضرة من يأخذ مالاً بحله يبارك له فيه، ورب متخوض في مال الله عز وجل ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما شاءت نفسه له النار يوم القيامة))(رواه أبو نعيم في حلية الأولياء).

ما كانت خولة رضي الله عنها لتكذب وحاشاها أن تتجرأ على ذلك كما تجرأ عليه كثير من الرجال، ولا جبلت النساء على شيء من ذلك عند التذكير والإرشاد بكلام خير العباد، يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى : ((لم يؤثر عن امرأة أنها كذبت في حديث)).

ولهذا كان خبرها لا يرد عند العلماء الراسخين، قال الشوكاني رحمه الله تعالى : لم ينقل عن أحد من العلماء بأنه رد خبر امرأة لكونها امرأة، فكم من سنة قد تلقتها الأمة بالقبول من امرأة واحدة من الصحابة، وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة”(أنظر نيل الأوطار).

ومثال ذلك ما رواه ابن أبي ليلى رضي الله عنه قال : ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هاني؟ قالت : ((إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات، فلم أر صلاة قط أخذ منها غير أنه يتم الركوع والسجود)). وجاء رجل ابن عباس رضي الله عنهما فسأل عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس : ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : من؟ قال  : عائشة..))(رواه الإمام مسلم).

لقد تفردت ا لمرأة بكثير من الرواية، وتفننت في الفقه والدراية حتى صارت ترشد الرجل فإذا به أمام قوة علمها وسداد إرشادها تلميذ يتعلم.

عن يوسف بن ماهك قال إني عند عائشة أم المومنين رضي الله عنها إذ جاءها عراقي فقال : أيُّ الكفن خير؟ قالت : ويحك وما يضرك -يعني أي كفن يجزئ- قال : يا أم المؤمنين أريني مصحفك، قالت : ولم؟ قال : لعلي أؤلف القرآن -أي أرتبه سورة بعد سورة- عليه فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت : وما يضرك أيُّه قرأت قبل؟ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس -أي رجع الناس- إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء ((ولا تشربوا الخمر)) لقالوا : لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل ((لا تزنوا)) لقالوا : لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده -أي نزل الترغيب والترهيب أولا ثم نزلت الأحكام بعد ذلك- قال : فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور))(رواه البخاري).

بهذا الفهم العميق والإرشاد الدقيق كانت ترشد المرأة الرجال، وقد جاءها رجل مرة فقال : يا أم المؤمنين : أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : ((ألست تقرأ القرآن؟ قال : بلى، قالت : فإن خلق نبي الله كان القرآن)). وكم صححت المرأة للرجال من فهوم خاطئة وتصورات فاسدة وتأويلات باطلة، فعن مسروق رضي الله عنه قال : كنت متكئا عند عائشة فقالت : يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قال : وما هي؟ قالت : من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الفرية، قال : وكنت متكئاً فجلست، فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل {ولقد رآه بالأفق المبين} {ولقد رآه نزلة أخرى} فقالت : أنا أول هذه الأمة تسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : إنما هو جبريل، لم أره على صو رته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض، قالت : ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الضربة، والله يقول : {يا أىها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}، قالت : ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية)).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *