أحب أيام الله


الناس تتفاضل بقدر ما بينهم من تفاوت في رجاحة العقل وسعة الأفق وعمق التفكير وصلة بالخالق عز وجل، وبما أفاء الله عليهم من نعم كانوا بها من عباد الله المصطفين الأخيار وفي هذا يقص القرآن الكريم {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين} ويقول الحق جل جلاله {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس}.

وكذلك تتفاضل الأمْكنة بقدر ما كان فيها من أحداث خلدتها كتفضيل مكة المكرمة لأن بها أول بيت وضع للناس وفيها ولد رسول الله  وبعث رحمة مهداة ونعمة مسداة، والمدينة المنورة حيث قال فيها سيد الأولين والآخرين >المدينة قبة الاسلام ودار الإيمان، وأرض الهجرة ومثوى الحلال والحرام<.

وكذلك الله تبارك وتعالى فضل بعض الأزمنة على بعض حتى يعرف الناس أن لهذه الأزمنة مكانا ساميا ومرموقا عنده سبحانه فيتسابقون في الخيرات وفعل الطاعات وعمل الصالحات.. ومن رحمة الله سبحانه عز وجل بالانسانية أن جعل لهم العمل الصالح في الأيام العشر من ذي الحجة أحب إلى الله تبارك وتعالى من بقية العام وذلك لتنزل الرحمات على عباده.. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  : >ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام… يعني أيام العشر قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء<(رواه البخاري).

فالعمل الصالح في هذه الأيام أفضل الأعمال.. والحسنة بعشر أمثالها وقد تزيد إلى سبعين أو سبعمائة وعند الله مغانم كثيرة، ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وذلك لأن فيها يوم عرفة الذي يتجلى الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة، يوم عرفة يوحي بالذكريات الكريمة التي خلقت من المجتمع الاسلامي مجتمعا إنسانيا تسوده الفضيلة وتحكمه المثل وتُهيمن عليه القِيم وهو بحق أشرف أيام الدنيا وأفضل يوم خلقه الله عزوجل فيه خير كثير ونفع جليل وفيه تنقية الروح وصفاء النفس وطهارة البدن يتقبل الله في هذا اليوم الدعوات ويزيد من الأجر والثواب ويكفر خطاياهم ويحط عنهم ذنوبهم.. وهو اليوم المجيد الذي استقبل فيه رسول الله  بشارة الدين وكماله بعد جهاد طويل مرير استمر ثلاثا  وعشرين سنة ظل فيها رسول الله  يصل الأرض بالسماء فما لانت قناته وما وهن عزمه بل صبر وصابر واحتمل وجاهد وهذا اليوم الأغر الذي يباهي فيه الله ملائكته بعباده الذين اجتَمعوا فيه يرجون رحمته ويطلبون إحسانه فيقول الله تعالى >ياملائكتي وسكان سماواتي أما ترون أن عبادي أتوني من كل فج عميق شعثا غبرا قد أنفقوا الأموال واتعبوا الأبدان.. فوعزتي وجلالي وكرمي لأهيننّ مسيئهم بمحسنهم ولأخرجنهم من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم..< نعم إن هذا اليوم العظيم يذكرنا بنعمة الإسلامعلينا فلقد توجه الرسول  إلى عرفة ونظر إلى الحجيج فاطمأنت نفسه لتبليغه الرسالة فخطب خطبة ودع فيها المسلمين أبان فيها الدين كله وقدم لهم ما يشبه العزاء فقال  : >أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا… أيها الناس إن دماءكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا فإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها< وبعد انتهاء اليوم وراح المسلمون يتمون نسكهم وقد تعلقت أبصارهم بنبيهم  وهو راكب ناقتة تأخذ بزمامها امرأة مسلمة من فضليات الأنصار كانت تخدم النبي  يقال لها أسماء بنت يزيد بن السكن… وإذا رسول الله  فوقها قد غطى وجهه ورحم الناقة فنزل عنها. إنه في تلك اللحظة يتلقى صلوات الله وسلامه عليه وحي السماء من سيدنا جبريل وبلغه ربه بالقول الثقيل وما هي إلا لحظات حتى سرى عن رسول الله  ومسح عن وجهه حبات العرق ثم تلا على الناس ما أنزل عليه حتى بلغ قوله تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}. فما سمعها عمر بن الخطاب ] حتى ألقي في روعه أنه يسمع وحيا فيه نعي المصطفى  ثم بكى رضوان الله عليه ورأى رسول الله دمعه يسيل على خديه، فسأله، ما يبكيك؟ فقال:  >أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص< فقال  صدقت.. والفاروق عمر رضوان الله عليه يقصد من هذه العبارة التي قالها نقصان أهل الدين ولذلك قال  : >بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء< ولكن ظل هذا الموقف عالقا بقلب عمر ] فلا يزال ينظر إليه حتى كان يوم أن صار خليفة للمسلمين فإذا كعب الأحبار وكان لم يزل على يهوديته وظل عليه وقال  بحضرته لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه فقال الفاروق عمر قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيدا.

وواجبنا أن نكثر في هذه الأيام من العمل الصالح والتكبير والتهليل والتحميد، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي  قال : >ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه منهن من العمل من هذه الأيام العشر فأكثروا فيها من التكبير والتحميد والتهليل<، وروي مسلم عن أبي قتادة ] قال : >سئل رسول الله  عن صوم يوم عرفة فقال يكفر السنة الماضية والباقية<.

فعلينا أحبتي في الله أن نسرع في هذه الأيام المعدودات لنستدرك ما فاتنا وندرك آمالنا من تكفير السيئات وتكثير الحسنات ورفع الدرجات وهو التواب وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون.

وما أجدرنا أن ندعو الله وأن نقف بين يدي ملك الملوك صاحب القوة والجبروت صاغرين لله داعين خير الدعاء >دعاء عرفة<.

فاطنة حداوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *