في العلم والإيمان 1


العلم والإيمان في المنظور الإسلامي وجهان لحقيقة واحدة، وهما في كثير من الأحيان يتداخلان بسبب من عمق الوشائج بينهما فيصيران وجها متوحدا يصعب القول على المتمعّنين في نسيجه بأن هذه المسالة تعالج قضية العلم وتلك تتعامل مع الإيمان.

حيثما أديرت الكاميرا في رحاب الكون الكبير .. تحت سماء الله الواسعة .. عبر أغوار النفس البشرية .. في مسارب الأرض والجبال والشلالات والأنهار .. جاءت (اللقطة) لكي تمنحنا منظراً مؤثراً .. أو حقيقة مدهشة .. أو كشفاً علميا، يزيدنا إيمانا على إيماننا .. ونحن نتذكر كيف أن هذا كله من عند الله جل في علاه، خلقا وإبداعا واتقانا وإحكاما وصيرورة وإمساكاً بالمصائر والمقدرات .. ونتذكر -مع هذا- وعد القرآن المؤكد بالتكشّف المتواصل لآيات الله في الأنفس والآفاق، وكيف أن مرور الزمن كفيل بتأويل ما لم يحط به الأوّلون علماً فكذبوا به .. والمرء -كما هو معروف- عدوّ ما جهل.

ومداخل العلم إلى الإيمان كثيرة، تماما كما أن دروب الإيمان إلى العلم لا تعدّ ولا تحصى ..

فثمة الخلق من العدم ابتداء، هذا الذي لم يتأتّ لأحد من العالمين وظل مفتاحه الوحيد، وسيظل بيد الله سبحانه، وقدرته اللا متناهية على الخلق والإيجاد : {قل : لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا}(الكهف : 109) {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله..}(لقمان : 27).

وثمة الإبداع والإتقان في الموجودات .. أشياء جامدة كانت أم حيوات {وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها..}(إبراهيم : 34) {وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم}(النحل : 18).

وثمة الإمساك المدهش والتحكم المعجز بالنسب والعلائق بين الأشياء والموجودات، وسوقها إلى مصائرها بتوافق عجيب حيث لا فوضى ولا تناقض ولا ارتطام : {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم . والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم . لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}(ياسين : 38- 40) {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم}(الحج : 65) {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن امسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا}(فاطر : 41) {والسماء بنيناها بأيد : وإنا لموسعون}(الذاريات : 47).

وثمة الإرهاصات والكشوف القرآنية عن منظومة الحقائق العلمية والمعرفية التي لم يكن بمقدور الجيل المتلّقي يومها أن يعرف عنها شيئاً، فضلاً عن إزاحة النقاب عن أسرارها، فيما حدثتنا عن بعض جوانبه دراسات ومؤلفات شتى ـ لا يتسع المجال للإشارة إليها.

والمؤمن الحق يجد نفسه دائما قبالة كتابين كبيرين : كتاب الكون المنظور وكتاب الله المقروء، وهو في الحالتين يتعامل مع مقدّرات الخلق الإلهي في حشود من المعطيات لا نفاد لها.

فيوما بعد يوم يتكشف كتاب الكون الكبير -بقوة العلم- عن جملة من الحقائق المذهلة في تركيبه ومساره..

ويوما بعد يوم يتكشف كتاب الله المعجز عن عجائب لا تنقضي، كما وصفه رسول الله .

وفي الحالتين.. في السياقين الكبيرين، يجيء الجهد العلمي طائعاً مختارا لكي يوظف نفسه لحقائق الإيمان، فيدعمها ويجلّيها ويزيدها تكشفّا وألقاً .. ويعجب المرء -والحالة هذه- كيف كان العلم يوما عدوّا للدين، وكيف كان الإيمان يسارع بنفي الكشف المعرفي قبل أن يتأكد لديه أنه -أي الكشف- إنما هو فرصة ممتازة لدعم الإيمان.

ولكن العجب يزول إذا تذكرنا كيف أن الالتواء الديني في تاريخ أوربا النصرانية قاد بالضرورة إلى الالتواء العقلي .. والخطأ لا يتمخض إلا عن الخطأ، والضلال يقود إلى المزيد من الضلالات..

في عقيدتنا ليس ثمة خصومة على الإطلاق بين القطبين.. على العكس تماماً.. أخذ أحدهما بيد الآخر ومضيا قدماً إلى الأمام لكي يصنعا حركة علمية قل نظيرها بين الحركات، وأعانا على قيام حضارة لم يكن ثمة قبلها أو بعدها أكثر منها استجابة لأشواق الإنسان وتوافقاً مع مطالبه!

ويتذكر المرء مقولة الباحث والفنان الإنكليزي المعاصر (روم لاندو)، فهي تضع النقاط على الحروف وتنهي كل جدل : “في الإسلام لم يول كل من الدين والعلم ظهره للآخر ويتخذ طريقاً معاكسة، لا، والواقع أن الأوّل كان باعثاً من البواعث الرئيسية للثاني.. العلم الإسلامي لم ينفصل عن الدين قط. والواقع أن الدين كان هو ملهمه وقوته الدافعة الرئيسية. ففي الإسلام ظهرت الفلسفة والعلم معاً إلى الوجود لا ليحلاّ محل ألوهية الدين ولكن لتفسيرها عقلياً، لإقامة الدليل عليها وتمجيدها.. إن المسلمين وفقوا، طوال خمسة قرون كاملة، إلى القيام بخطوات حاسمة في مختلف العلوم من غير أن يديروا ظهورهم للدين وحقائقه، وإنهم وجدوا في ذلك الانصهار عامل تسريع وإنجاح لا عامل تعويق وإحباط”(1).

ليس هذا فحسب، بل إن العلم والإيمان تجاوزا، بفعل المنظور الإسلامي، ثنائيتهما وتوحّدا .. أصبحا حالة واحدة وظاهرة متفردة يصير فيها الديني علميا والعلمي دينيا، وتغدو فيها تعاليم الله علماً يزجى للإنسان الضائع لكي يقوده إلى الفلاح، والكشف العلمي دينا يصلّي به صاحبه ويصوم ويتقرب إلى الله.

إن الحديث عن محاولة النقد الذاتي في الجهد الحركي الإسلامي، أو تعديل الوقفة، أو تقديم البدائل الأكثر فاعلية وجدوى، أو طرح مقترحات عمل .. إلى آخره .. لن تأخذ مسارها الصحيح بالضرب على غير هدى، ولابدّ -أوّلاً- من معرفة طبقات أو محاور الجهد الإسلامي وهي، إذا أردنا أن نبدأ بالأكثر عمومية، تأخذ الترتيب التالي :

1- المستوى الحضاري : الأمة والعالم.

2- المستوى السياسي : الدولة والسلطة.

3- المستوى الدّعوي : القطر.

4- المستوى الاجتماعي : المدينة.

5- المستوى السلوكي والشعائري : الفرد.

وهي مستويات يفضي بعضها إلى بعض ويقوم أحدها على الآخر، كما أنها لا تعمل بمعزل عن الأخريات، فهي تنطوي في اللحظة الواحدة على السياقات كافة. لكن البؤرة الأساسية لكل مستوى تتمركز عند الحضاري حيناً وعند السياسي أو الدعوي حيناً آخر، وعند الاجتماعي أو السلوكي أو الشعائري حيناً ثالثاً..

في الإسلام والنشاط الإنساني عموماً ليس ثمة فواصل أو جدران نهائية في الفاعلية.. هذه مسألة معروفة، لكن التخصّص له أحكامه، ولابدّ -ابتداء- من إدراك مركز الثقل في الفاعلية وهدفها الأساس في ضوء خارطة نستطيع بواسطتها أن نحيل كل مفردة أو مقترح إلى مستواها النوعي ثم نتحدث عن أهميتها ودورها في الإضافة أو التعديل، وصيغ معالجتها التي تمكنها من تجاوز الأخطاء والمضي إلى الهدف بأكبر قدر من الفاعلية والاقتصاد في الجهد والزمن.

اننا في ضوء هذه الخارطة سنحدّد هدف الجهد ابتداءً فلا يتداخل أو يتميّع أو يضرب في التيه. وسواء كان هذا الجهد درساً يعطى أو محاضرة تلقى أو مقالاً يكتب أو بحثاً يؤلف، وسواء كان تبادلاً في الرأي أو حواراً، فإن الذي يقوده إلى هدفه ويحميه من الهدر والتشتت والضياع، إنما هو تحديد المحور الذي يتحرك فيه، أو المستوى الذي يتعامل مع بعض ظواهره ومفرداته، هل هو المستوى الحضاري؟ أم السياسي؟ أم الدعوي أم الاجتماعي أم السلوكي أم الشعائري؟

والذي يحدث في كثير من الأحيان أن يتداخل الحضاري بالدعوي، والسياسي بالاجتماعي، وتختلط الأوراق، وتضيع البؤرة التي يتحتّم أن يتمحور عندها الجهد لكي يكون أكثر فاعلية وعطاءً..

هذه هي واحدة من البوابات التي دخل منها الاضطراب فضيّع على الإسلاميين الكثير من الجهد والزمن، وجعلهم يدورون -أحياناً- في حلقة مفرغة حيث ما يلبثون أن يجدوا أنفسهم، بين فترة وأخرى، عند نقطة البداية.

وعلى سبيل المثال فان “المشروع الحضاري” الذي تدعو إليه بعض المؤسسات والجماعات الإسلامية، ينطوي على فضاء واسع قد يمتد إلى العالم كلّه، فيتعامل معه بمنطق الصراع الحضاري الذي يتطلب إدراكاً لقوانين الحركة التاريخية، وصيرورة الحضارات، ويسعى لاكتشاف عناصر القوة والضعف في هذه الحضارة أو تلك، وإلى الميزات الجوهرية لحضارة الإسلام التي تؤهلها لأن تكون البديل المرتجى، ليس على مستوى جغرافية الإسلام وحده وانما على مدى العالم كله، تلك الميزات الخصبة المتنوعة من مثل : الرؤية التوازنية لهذه الحضارة بين الوحي والوجود، والمادة والروح، والعدل والحرية، والفرد والجماعة، والعقل والوجدان .. وسائر الثنائيات الأخرى. ومن مثل قدرة هذه الحضارة -بخلاف سائر الحضارات المندثرة- على التجدّد والانبعاث انطلاقاً من شبكة تأسيساتها في كتاب الله وسنة رسوله .

إن مشروعا كهذا ينطوي على فضاء عالمي يمثل جهداً يختلف في طبيعة توجهّه مع أي جهد دعوي محدّد تمارسه هذه الجماعة أو تلك، وهذا الفرد أو ذاك في دائرة حي أو مدينة أو قطر أو بيئة جغرافية، كما أنه يختلف عن أي جهد اجتماعي يستهدف إقامة بعض المؤسسات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الترفيهية التي تحكمها قيم الإسلام وضوابطه. وهو يختلف بالضرورة -كذلك- عن أي نشاط سياسي قد يعتمد هذه الفرصة (الديمقراطية) -إذا جاز التعبير- أو تلك لرفع خطابه وتأكيد مصداقيته أمام الجماهير، والتقدم خطوات إلى الأمام.

صحيح أن هذه الأنشطة، بدءً من حجر الزاوية ونقطة الانطلاق المتمثلة بإعادة صياغة السلوك، والالتزام التعبّدي، بما يجعل الفرد مهيّأ تماماً للمراحل التالية، مروراً بالأنشطة السياسية أو الدعوية أو الاجتماعية.. انما تؤول جميعاً إلى هدفها الحضاري الشامل وتصبّ في البؤرة الواحدة التي تستهدف إعادة صياغة السعي البشري في هذا العالم، بما يريده الله ورسوله .

إلا أن هذا المنطوق التكاملي في الجهد، يجب الاّ يسوق الإسلاميين إلى تداخل الرؤية واضطراب الحلقات، وعدم تبيّن الحدود الممكنة للجهد الإسلامي في هذا المجال أو ذاك.

اننا إذا استطعنا -منذ البدء- أن نحدّد طبيعة الجهد، أو أن نحيله إلى مستواه المحدّد على خارطة العمل حضارياً أو سياسياً أو دعوياً أو اجتماعياً أو سلوكياً.. قدرنا على الوصول إلى الهدف بأقل قدر من الإسراف في الطاقة والزمن وبالتركيز الضروري الذي يعطي ثماراً أكثر نضجاً ..

لا يتسع المجال للدخول في المزيد من التفاصيل، وقد تكفي هذه التأشيرات العامة من أجل تبيّن موضع أقدامنا في كل حلقة من حلقات الجهد الإسلامي، وإحالة هذا الجهد إلى دائرته الحقيقية لكي يتسلسل العمل وفق برنامج مرسوم، يبدأ بأعمق نقطة في وجدان الإنسان الفرد لكي يمضي إلى العالم كلّه مبشراً بمشروعه الحضاري البديل.

أ. د. عماد الدين خليل

————–

(1) الإسلام والعرب، ترجمة منير البعلبكي، ط2، دار العلم للملايين، بيروت ـ 1977 م، ص 246، 280 ـ 281.


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

One thought on “في العلم والإيمان