خطبة منبرية – التلوث: الأسباب والمظاهر والنتائج


الخطبة الأولى :

أولا : أهمية الموضوع :

لقد طلب منا الحديث عن البيئة بمناسبة اليوم العالمي للبيئة، وإنه لموضوع جدير بالاهتمام وحريّ بلفت الأنظار إلى المظاهر المشوّهة في بيئتنا، والتحذير من عواقبها المحزنة(1).

ثانيا : مظاهر الفساد البيئي وأسبابه :

ولانقول جديدا إذا قلنا: إن ركامات الأوساخ والأزبال ماتزال تواجهنا في كثير من الدروب والحدائق، وحول الدور والعمارات والدُّرج والمصاعد وبعض المستشفيات العمومية، والغابات والشواطئ وأماكن الاصطياف والاستجمام وحول البحيرات والأنهار، والمجاري والعيون، والمراكب العامة كالحافلات والقطار.

وإذا سلكت ببعض الدروب التي تكثر فيها المرائب (الكراجات) فما عليك إلا أن تشمر، أو تلتصق بالجدران إن لم تكن الجدران ملطخة.

وإذا أردت أن تستريح في حديقة عمومية فسترى مشاهدَ ومواقفَ تزيدك قلقاً وتعباً نفسياً.

وإذا خرجت أيام العطل إلى الجهات المعروفة على ضفاف الأنهار أو حول المجاري والعيون أو على شواطئ البحيرات والبحار أو في أحضان الغابات الخضراء لتقضي فيها بعض الوقت فربما تغيّر موضعك مراراً، ثم تقتنع بالعودة إلى بيتك وأنت متأسف مما شاهدته من تصرفات متهتكة، وأحوال مقيتة، وأقوال نابية، وأوساخ وقاذورات، منتشرة هنا وهناك، من مخلفات الطعام والشراب والتدخين ومما أفسدَته الأيادي من الأشجار والأزهار والنباتات….

وإذا أفقت من نومك صباحاً وخرجت إلى ضواحي المدينة، ثم التفت إليها فإنك ترى فوق أبنيتها أحياناً طبقاتٍ منشورة من ضباب المداخن التي ترسلها المعامل والمصانع، والشاحنات التي تتحرك قبل الفجر من المحطات المزدحمة بين دور السكنى، وبات الناس يتنفسون أدخنتها وليس عندنا من الأشجار والنباتات ما يكفي لتنقية الهواء ليلا مما اختلط به من سموم وغازات متنوعة، فيقوم الناس صباحا وكأنهم مرضى، لاتخِفُّ أبدانهم إلا بعد ساعات من النهار، ليعودوا ليلا إلى استنشاق الهواء الفاسد، فتكثر أمراض وتظهر أعراض ولاشك أنكم تعرفون الفرق بين النوم في مكان هواؤه نقي، وبين النوم في مكان هواؤه فاسد.

أما في النهار فتزداد مداخن الشاحنات والسيارات ومداخن أفواه المدخنين في الحافلات والمراكب العامة.

وإذا مررت بالأماكن التي تنعقد فيها الأسواق المتنقلة فإنك تجدها شبيهةً ببيوت الخلاء العامة حيث يكثر فيها الكلاب والقطط والفئران والذباب والبعوض، وتنطلق منها الروائح العفنة تلوث الأجواء وتزكم الأنوف وتنتقل أمراضٌ متنوعة عن طريق الريح والحشرات والحيوانات والأقدام إلى البيوت إلى الصغار والكبار. وإذا التفت إلى مظاهر التخريب والتشويه في الجدران والمقاعد ومصابيح الكهرباء وأنابيب الماء، حتى المقاعدُ داخل الحافلات والقطار مُزّقت، والكتابة الموجّهة مسحت، أو غُيرت، والمرايا كُسِّرت أو انتزعت، وعلاماتُ الطريق تعوَّج أو تقلع أو تمسح، بل حتى بعضُ القناطر مسها شيء كثير من عمل الإفساد والاعتداء!

فإذا أضفت إلى ما سبق الخلطَ والفوضى والإهمالَ المتعمَّدَ والنهبَ والسرقة، والغصبَ والظلمَ، والعبثَ والتبذيرَ والقمار والشركَ والسحرَ، والجوع والبطالة، والرشوة والفراغ… إذا أضفت هذا إلى ذاك حكمت بأن التلوث لم يُصبْ مظاهرَنا فحسب، وإنما أصاب نُفوسَنا وعقولَنا وعشش في صدورنا وفرخ في مشاعرنا وأحاسيسنا… ففسدت بسبب ذلك أذواقُنا، وقل حياؤنا، وتاه إيماننا، وغيب تاريخنا، وصرنا مفسدين في الأرض ننشر الأذى في البلاد والعباد بدل إماطته، كما أمر .

فنعوذ بالله من عاقبة المفسدين، ونسأله سبحانه أن يعيننا على تطهير نفوسنا وأرواحنا لتصلح جوارحنا وأعمالنا وظواهرنا. آمين والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

ثالثا : المعالجة الإسلامية لفساد البيئة :

وبـعــد:

فإنه لمن المحزن حقا أن نضرب المثل بنظافة بلاد الأنجاس المشركين، ونمدحَ بلاد الكفر ونُعجب بسحر جمالها وحسن نظامها، وروعة تنسيقها وترتيبها، ونتمنى أن نكون مثلهم!! من المؤلم حقا أن يصير المشرك قدوة ونموذجاً للمسلم!!

لقد كان أسلافنا الكرام الأنقياء على خير نظام، وأجمل ذوق وأدق ترتيب، وتلك آثارهم شاهدة على طهارتهم ونضجهم حيث حددوا لكل حرفة حارة خاصة، ولكل مهنة مواضع معينة، تراقَب من طرف الأمين المباشر، والمحتسب العام.

أما الآن فلعلك تجد دكان الجزار بجانب دكان العطار، ودكان الخضار بجانب البزاز. وإذا كانت هذه بعض أحوالنا فإن أسبابها لاتخفى على أحد! ويبدو أن أهم الأسباب هو انعدام الروح الجماعية بين سكان الحومات والتجمعات السكنية والحارات. فتجد بعض الجيران وخاصة في الأحياء العصرية لايعرف جاره ولايعلم عن أحواله شيئا، فإذا سئل عنه يقول: أين يسكن؟

لقد أدى بنا الانكماش والشك والحذر، إلى العزلة والتمزق، والشعور الفردي في الفرح والألم!

فأين نحن من حديث رسول الله  الذي أخرجه (خ) عن أبي هريرة ]: >من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره<؟!، فالإذاية منهي عنها كما هو معلوم في الدار، وفي الدكان، وفي المصنع، وفي المركب، وفي المنتزه، وفي كل مكان. لا يؤذيه لا بوسخ ولا بدخان، ولا بصوت ولا بقول ولا فعل، قال تعالى: {والذين يوذون المومنين والمومنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} والذي لايكف أذاه عن جاره هل يرجى منه أن يحميه من شر غيره، أو يدافعَ عنه في غيبته، أو يقدّمَ له خدمة ومنفعة في دنياه أو دينه. إن ذلك لايكون إلا في النفوس التي أُشربت روح التعاون والمحبة والصبر والتحمل. أما نفوس الكبر والجهل والأنانية فهي في غفلة عن هذه المعاني، وهي في بعد عن هذه المواقف.

وقد ذكّرنا الرسولُ عليه الصلاة والسلام بحقيقة المسلم لمن شاء أن يكون مسلماً، فقال: >المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده< أ. (خ) (م) عن عبد الله بن عَمْرو ].

ومن لم ينجُ منه جاره اللصيق به، فهل ينجو الناسُ من أذاه؟! وإذا لم نتعاون حتى على نظافة مداخلنا ومخارجنا ودروبنا، فكيف يُنتَظر منا أن نربط قلوبنا بعضها ببعض ونقوم صفاً متراصّاً في مواجهة المغتصبين المعتدين، ونواجه الظالمين المستبدين ونغيرَ المنكر في المجتمع كله ونوفرَ للناس جميعاً أسباب الهدوء والراحة والأمن والاستقرار على أوسع نطاق؟!

وإذا لم يكن المسلم نظيفاً في قلبه وروحه، فإنه لايكون نظيفا لا في بيته، ولا في فناء داره، ثم لايهتم بغير ذلك.

وقد أمر الرسول الكريم بتنظيف الأفنية، ومخالفة اليهود. عن سعيد بن المسيب ] سمِع رسول الله  يقول: >إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولاتشبهوا باليهود<. فهل يصعب علينا أن نضع الأزبال في قمامتها وأن نحمل معنا أكياسا من البلاستيك نجمع فيها فضلات طعامنا في الرحلات أينما كنا ليسهل على المنظفين جمعها، ونربيَ أولادنا على حب الجمال والنظام والترتيب وعلى عدم التشويه والتخريب، حتى لا ندخل في خطاب الله تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم}.

رابعا : إصلاح الإنسان وتكريمه أساس إصلاح البيئة :

إن صلاح البيئة من صلاح الإنسان، وفسادَها من فساد الإنسان، فيجب أن تُوجَّه العناية أولا إلى إصلاح الإنسان، في عقيدته وفكره وعلمه وسلوكه، ويجب كذلك أن يُوفَّر للإنسان قوتُه وحاجاتُه المادية، والأمنيةُ بالمساواة والعدل والإكرام وحينئذ يَلتفت إلى جمال الطبيعة، ويحرص على نظافة البيئة ويتعاون على الصالح العام، أما الجائع، والمظلوم، والمضطهد، والمحروم كيف يُنتظر منه أن يحرص على نظام البيئة ورونقها، فقد وجه الله تعالى الخطاب للإنسان في حماية الأرض من الإفساد، فإذا فسد هذا الإنسان فمن يحافظ على صلاح الأرض؟ قال تعالى: {ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.

وصل الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ومن تطهر بطهرهم إلى يوم الدين.

د. محمد أبياط

—-

1 – وخاصة إذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسم جعل إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان ودرجة من درجاته.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *