وشهد شاهد من أهلها…


الحداثة تغرينا بالإتباع، وتبشرنا بالانعتاق، وتتفنن في صنع فضاء مغر… منمق هيكله بعناية… ومختارة زينته  بإتقان…وتدعونا نحن بنات حواء…يبح صوتها وتلح… وتبالغ في الإلحاح …ثم يعييها الصياح وتتساءل : لماذا الرفض في غالب الأحوال؟ ثم  لماذا عدم الانصياع؟ ولماذا هذا “الارتكاس” التي بدت واضحة معالمه على بعض النساء…؟ وكيف انغرس نبت “الرجعية” في حقل  النسوة من جديد؟ ومن أعان على نموه وينعه، وتعهده بين صفوفهن؟

ثم ما هذه “التبعية” المقيتة للرجل؟ وما هذه”السلبية” المنبعثة مجددا من تحت الرماد؟ وكيف غدت مثل هذه القناعات تحتل تدريجيا عقول فئات متزايدة من الجنس اللطيف؟ أو من الممكن أن يحدث كل هذا بالرغم من أن المرأة في واقعنا  يكبلها الموروث… وتربط معصميها التقاليد …ولا تستطيع أن تتمتع بما تستحقه من حقوق؟

ثم تتوالى الأسئلة… وتتتابع المحاولات للوقوف ضد الرجعية والانتكاس :

– فتنظم المهرجانات الموسيقية والسينمائية… وكذا عروض للأزياء… والمسابقات لاختيار ملكات للجمال… والأيام “الثقافية” التي يختلط  فيها القليل من ال”الثقافة” بالكثير من التفسخ والمجون والسخافة.

– وتنطلق الحملات من أجل الدعوة إلى إيقاف سيل “التطرف والإرهاب” المتدفقة أمواجه والمتواصلة تترى، والتي “تغمر المجتمع” يوما بعد يوم…

– وتبتكر الوسائل الكفيلة بإغراق المجتمع في “نعيم العلمانية” حتى يتخلص نصفه – أي المرأة – من جحيم “القيود الدينية” المجحفة!!.

لكن وبالرغم من كل هذا ف”المتنطعات” و”المستمرئات للمهانة” – حسب الزعم – لم يرعون ولم يتعظن ولم يستفقن…وما زلن “يسبحن” ضد تيار التقدم والانعتاق.

وعلى قدر الجهد الذي يبذله سدنة و” نسوانيات”الحداثة، وعلى قدر الإبداع الذي تفتقت عنه عبقريات دهاقنتها كانت الصدمة صعبة التحمل عليهم وعليهن،فهم الذين لم يستوعبوا ولن يستوعبوا “مازوشية” المرأة “المتطرفة” التي تستعذب الانصياع لجلادها الرجل،وذلك في الوقت الذي كان من المفروض أن تكرس كل شيء من أجل تحقيق المساواة معه، إن لم يكن التفوق عليه… ذلك المنتمي إلى الجنس الآخر…ذلك الجنس الذي يختزن من “السلطة” ما لا تختزن…، ويملك من “القوة” وما لا تملك هي أيضا…، وما يستطيع بواسطته أن يحتفظ بتلك السلطة…

إن ما لم يفهمه هؤلاء ولن يفهموه أنه حتى ولوأساء ذلك “القوي المتسلط” – حسب أسفارهم المقدسة –   استعمال القوة والسلطة، فإن هذا لا يعطي ل”المستضعفة”  المسلمة الحق في أن تتبع كل السبل، وأن تتوسل كل الوسائل، وذلك من أجل إعادة بناء نسيج مجتمعي يعترف لها بحيازة كيان يختلف حتما عن كيان الرجل، لكنه جدير بالاحترام وغني بذلك الاختلاف.

بل على المستسلمة حقيقة لله – وعلى كل ذات لب في واقع الأمر- أن تمتنع عن الاتباع في هذا الباب، وأن تبتعد عن التقليد في هذا المجال، وذلك:

– أولا : لكون هذا الأمر من قبيل الفكري والثقافي ولا علاقة له بالمسائل العلمية البحتة التي تشترك فيها الإنسانية دونما فرق،فالمرجعية مطلوب استحضارها في مثل هذا الشأن، وإلا فقد المرء هويته، وعمل على طمس معالم شخصيته.

– ثانيا : لأن العاقل لا يتبع ولا ينجذب نحوالاقتداء،ولا يغتر بالبريق فيتجه نحوالاقتفاء، إلا إذا ثبت لديه نقاء السبيل وسداد الوسيلة وحسن المآل في النتائج والآمال.

– ثالثا : لأن استقراء حصيلة النتائج المحصل عليها بعد ذلك الجهد الجهيد المبذول من لدن المستغربات الفاعلات – حتى في بلاد الغرب – في هذا الميدان ليبعث على الإحساس بالشفقة على اللواتي ضاعت أعمارهن، واستنفذت طاقاتهن ،دونما أي تحسن في وضعية اللواتي نذرن أنفسهن من أجل “تحريرها”وإنقاذها والرفع من شأنها.

ففي فرنسا بلد “الحرية” وعاصمة الحداثة واللائكية انطلقت يوم 21 نونبر 2005 حملة تشرف عليها جمعية فرنسية “الفيدرالية الوطنية للتضامن مع النساء” في كل ربوع فرنسا من أجل التحسيس بقضية العنف الممارس ضد المرأة، وتستعمل هذه الحملة القنوات التلفزية الرسمية والخاصة، وكذا الملصقات الحائطية ،وذلك من أجل بث وإظهار مشاهد تنبئ عن القهر الذي يلحق النساء، وتبين العنف الذي يمارس عليهن من طرف أزواجهن بل وفي غالب الأحيان من طرف خلانهن وأصدقائهن. والهدف مـــن هذه الحملة :

– إشعار الرأي العام بفداحة هذه الآفة الاجتماعية، ومحاصرة المسئولين عنها وتوجيه أصابع الاتهام إليهم.

وبعد بث المشاهد التلفزية ينطلق صوت مؤثر ليقول:” امرأة من كل عشر نساء تعيش في حالة رعب في بيتها، والعدوزوجها أوخليلها السابق”.

ومثل هاته الحملات التحسيسية لم تكن لتنظم أصلا لولا فداحة وضع المرأة هنالك وكارثيته، إذ تقول الإحصائيات أن وفاة واحدة بسبب العنف تقع في صفوف النساء كل يومين،وأن ستين  في المائة – 60% – من تدخلات الشرطة الليلية من أجل فض نزاعات تتعلق بالاشتباكات الزوجية.

أما بالنسبة للمخلفات والتداعيات السلبية على أحوال النساء اللواتي يتعرضن للضرب والإهانة، فتقول الدراسات بأن حالتهن الصحية تتعرض للتدني بشكل كبير لمدة سنة إلى أربع سنوات حسب درجة العنف،حتى أن 5% منهن يقمن بمحاولة انتحار،أي بزيادة نسبة 25% مقارنة مع النساء اللواتي يتمتعن بالاستقرار في بيوتهن.

ثم إن:  2% من النساء اللواتي يعانين من الكآبة…، وثلث النساء اللواتي يقصدن أقسام المستعجلات الطبية…، وربع اللواتي يذهبن لاستشارة طبيب عام أوطبيب نفساني… يصرحن بأنهن يتعرضن للعنف داخل الأسرة.

وثلثي الأطفال الذين تتعرض أمهاتهم للعنف يصابون بالأمراض النفسية المختلفة.

إن هاته الحصيلة المأساوية لسنين النضال المستميت من أجل “تحرير المرأة ” لتدفع كل “المناضلات” اللواتي يسكنهن الرشد إلى إعادة النظر في المعتقد والوسيلة والأهداف.

وعليهن أن يتمتعن بالحكمة ،وأن يكن قادرات على تجاوز العوائق النفسية التي يفرضها في بعض الأحيان – وللأسف الشديد – التناقض بين الخطاب الإسلامي المفترض ظهور تجلياته علينا وبين واقع الحال…

فالمرأة المسلمة وإن كانت ما تزال غير قادرة – لحد الآن – على إعادة بعث تمظهرات تحرير المرأة في عصر الرسالة بأسلمة نمط حياتها، وإقناع الشقيق في الأحكام باقتفاء أثر الرعيل الأول في التعامل معها،فإنها لن تستسلم لتيار التغريب، ولن تدخل جحر الضب، وبعون الله أيضا لن تستسلم للواقع التقليدي الذي يراد لها أن تقبع فيه وأن تأنس لمكوناته.

فهي تعمل وستعمل دائبة – إن كانت ممن عمر الحق وجدانها وأنار القرآن دربها – على تفعيل الآليات الشرعية الكفيلة برد الاعتبار لها ولمثيلاتها ،وذلك عن طريق إقناع المجتمع بكلفئاته بجدوى الاعتراف بإنسانيتها حسب منهج الله للرفع من مستوى الأمة في كل الميادين،ولن يدفعها استعجال “التحرر”إلى انتهاج سبل الغرب، والاغتراف من معين “ثقافتهم، فما صلحت به أحوال الأمة في أول الأمر سيكون به الصلاح في كل وقت وحين،والله الموفق وما علينا إلا سلوك الصراط المستقيم.

صالحة رحوتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *