طامو أم البنات


(تموت الحُرة ولا تأكل بثدييها)

وجه آخر من الوجوه المشرقة لهذا الوطن، وصوة أخرى من صور العفة، التي وقفت في وجه الرياح العاتية لهذا الزمن المغربي الرديء، مات >سُلاّم< وبِموته بدأ زمن المكابدة.. شابة لم تتخط الأربعينات، أم لأربع بنات، كبراهن لاتتعدى السابعة من عمرها.. لم يكن فكرها يتجاوز حدود “الدّوار” الذي ولدت وتزوجت فيه، لكن بعد موت المعيل لم يعد الزمان يسير سيره العادي، لقد ضاق الخناق من حولها، وبدأ عمر أولادها يخطط لضمها إلى حريمه كيما يتسنى له وضع يده على ما تركه المرحوم من إرث زهيد متمثل في قطعة أرض لا تتعدى الخمسة قدادين… في ليلة ممطرة حملت طامو صغارها  وفرت بهم إلى المدينة، استقرت بحي صفيحي وبدأت رحلة الجهاد من أجل لقمة العيش، وفي ألُجّ المكايدة كانت كلمات >سلام< تتردد في أذنها >لا أريد لبناتي أن تكبرن جاهلات، سأحرص على تعليمهن مهما كلفني هذا الأمر<… وما كاد الصيف ينقضي حتى كانت طامو تلبس بنتها البكر الوزرة وتذهب بها إلى المدرسة، وكذلك كان الشأن بالنسبة لبناتها الأخريات، كلما وصلت إحداهن سن التمدرس تكلفت طامو وحرمت نفسها من كل شيء جميل لتوفر لها مقعدا في المدرسة.. كانت نعم الأم التي رهنت حياتها لبناتها، وكبحت أنوثتها لإسعادهن ولحفظ عرضها.. ساعدتها خبرتها الفلاحية وهي التي درجت على حب الأرض أن تجد لها عملا محترما بإحدى الضيعات المتواجدة على أطراف المدينة، وقد لمس فيها رب العمل الحنكة والحزم، فأوكل لها شؤون الضيعة.. في الجانب الآخر كانت طامو تخوض حربا ضروسا مع العم الذي يريد أن يحرم بناتها من ميراث أبيهن، وكان لها ما أرادت حيث انتزعت حقها وحق صغيراتها منه بعد أن جرجرته في المحاكم، لم يكن أحد يتصور أن تتحول طاموا الرقيقة إلى لبوءة تقاتل بشراسة كل من يقترب من حماها، وفي الحي الذي تقطنه حاول أحدهم مرة أن يتحرش بها فأرته النجوم في عز الظهيرة، من يومها لم يعد أحدهم يجرؤ أن يلمس لها طرفا، حتى أنهم كانوا ينادونها “للاّ طامو”… واليوم تجلس “الحاجة طامو” في حديقة بيتها الجميل بالمدينة الجديدة، وتجتر شريط ذكرياتها بمرها وحلوها، لقد كبرت البنات وأصبح لهن شأن في المجتمع ورزقهن الله بأزواج صالحين.. إنها النهاية الطبيعية للبداية الصحيحة… لم تسلك طاموا قصر السبل إلى العيش، لم تفرط في عرضها حتى في أحلك الظروف.. فما عذر بناتنا اللواتي تحولن إلى مومسات في قلب “تل أبيب” ومرغن صورة هذا الوطن الطيب في الوحل.

ذ.أحمد الأشهب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *