ديمقراطية.. للبيع !


من المعلوم أن دولة ما إذا أرادت أن تصدَر منتوجا معينا، فلاحيا كان أو صناعيا أو استهلاكيا أو غير ذلك، فلا بد لتلك الدولة “المصدّرة” أن تكون متقنة لصنعتها، عارفة بخصوصيات و احتياجات “زبنائها” من الدول والشعوب التي تتعامل معها، عارفة أيضا بمنتوجها ومدى ملاءمته ل”الشريك الآخر” ومدى قابلية هذا الأخير لاستهلاك هذه السلعة، وأخيرا يجب أن يحصل هناك توافق واتفاق بين الطرفين على هذا “البيع” أو التصدير كما هو معروف بالتراضي وذلك بعد استشارة الشعوب، وأن لا يفرض عليها فرضا.

ولعل أكبر منتوج في العالم يُصدّر الآن إلى عالمنا الإسلامي بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وبكيفية فردية وجماعية، وكذلك بواسطة القسر والقهر تارة أو بواسطة “الضغط السلمي” تارة أخرى هو الديمقراطية الأمريكية، هذا المنتوج الغريب الذي أضحى مشروعا كبيرا للدولة الأمريكية “الكبيرة” في “الشرق الأوسط الكبير” ومنه إلى العالم الإسلامي. أفلا يحق لنا أن نسأل أنفسنا قبل “اقتناء” هذا المنتوج عن مدى احتياجنا إليه؟ وهل هو صالح لنا ولشعوبنا؟ وهل ليس لنا بديل عنه في ديننا وثقافتنا؟ وكذلك أما آن لنا أن نتساءل عن هذه الدولة المصدرة له هل تستعمله في شعبها أصلا؟ وهل جربت جودته وفعاليته على نفسها وتريد أن تنقل إلينا تجربتها؟ وهل هي فعلا تريد الخير لأمتنا كما تزعم؟ المشكلة أننا نتهافت على السلع الغربية والأمريكية خاصة دون تفكير، سواء بدافع الخوف والطمع، أو بدعوى الحرية والحداثة، أو بدعوى عدم وجود البديل إلى حد أننا قد نبيع ديننا وهويتنا لشراء قيم مزيفة.

نعم مزيفة، فإذا علمنا أن هذه الديمقراطية المزعومة هي محل شك حتى في داخل الدولة التي تصنعها، فبدءا من الشكوك التي تحوم حول الانتخابات الرئاسية الأمريكية نفسها، ومدى نزاهة وشرعية فوز الرئيس القديم الجديد، ومرورا بالقرارات التي تُتخذ  داخليا وخارجيا بدون موافقة الشعب الأمريكي، كقضية الهجوم على العراق الذي لم يحظ ولو بأقل نسبة من القبول الشعبي، وانتهاء بمسألة الدعم التام واللامشروط للدولة الصهيونية والذي يخرق كل الديمقراطيات العالمية وينسف ما يسمى بالشرعية الدولية التي ما فتئت تتشدق بها هذه الدولة المتغطرسة، ولعل المظاهرات التي يقوم بها شعبها وكل شعوب العالم خير دليل على ذلك، هذا ناهيك عن القناعات المختلفة، المحلية والدولية، التي تقول بضلوع الإدارة الأمريكية بشكل من الأشكال في أحداث 11 شتنبر(والحديث هنا يطول).

إن سياسة التضليل التي تتبناها أمريكا على العالم عامة وعلى العالم الإسلامي خاصة (والذي لا ينطلي إلا على الغافلين أساسا من أمتنا) تمارس على شعبها أولا عن طريق الإعلام الداخلي الذي يعتبر المصدر الأساسي لأخبار المواطن الأمريكي، وكذا الشعارات البراقة والكذابة من الإدارة الأمريكية والتي تَعدُه (أي الشعب الأمريكي) بالحرية والأمن التام والازدهار الأبدي والتحصين من كل عمل إرهابي أو خطر أجنبي وغيرهما، فإذا قبل هذا الشعب هذه الوعود أو لم يقبلها فهذا شأنه، ولكن أن نقبله نحن أو نتقبله بالقوة فهذا شيء عجاب !!

إن رائحة الغدر الأمريكي باتت تُشمُّ من مسيرة كذا وكذا، فلا يغفل عنها إلا منافق مارق، أو فاسق فارق، فهلا رفضنا وقاطعنا هذا المنتوج الدخيل علينا، ورجعنا إلى أفضل وأكمل ديمقراطية عرفها التاريخ إلى يوم القيامة والتي أنزلها الحق سبحانه وتعالى لكي نعمل بها ونصدرها نحن بدورنا إلى العالم بأسره بما فيه أمريكا، ألا وهي شريعتنا السمحاء وإسلامنا الحنيف؟!.

عبد الكريم البقالي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *