الأدب الإسلامي والتوازن الثقافي بالمغرب


 

الأدب الإسلامي والتوازن الثقافي بالمغرب

يسرني أن أرسل إليكم بهذه المداخلة المتواضعة تحت عنوان : (الأدب الإسلامي والتوازن الثقافي بالمغرب)، والتي كنت قد ألقيتها في ندوة دعا إليها فرع اتحاد كتاب المغرب بالناظور، وأثارت يومها نقاشا عاصفيا ، تزعمه الطرف الآخر الذي يريد أن يوقف عبثا عجلة الصحوة الأدبية الإسلامية بالمغرب، وأسفر والحمد لله عما أرجوالله عز وجل أن يدخره ليوم لا ريب فيه، {يوم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}.

وبعد الأثر الطيب الذي تركته حلقات الدراسة المتواضعة التي نشرتها “المحجة” الغراء، سواء في نفوس طلبتنا أومعارفنا الذين يتابعون بانتظام هذه الجريدة المتميزة سدد الله خطاها، وبارك في  طاقمها، ارتأيت أن أبعث إليكم بنص تلك المداخلة المتواضعة آملا أن أُتْبِعها إن شاء الله عز وجل بدراسات تطبيقية لأعمال عدد من المبدعين الإسلاميين بالمغرب خصوصا، سواءكانت شعرية أونثرية، أملا في إيصال الأدب الإسلامي إلى أكبر قدر ممكن من الشباب والمهتمين، لعل الله سبحانه يجعله غرسا طيبا يصل به حاضر الأدب المغربي بماضيه المشرق.

في التعدد الثقافي الايجابي

لست أدري إن كان منا من ينكر القول بأن المشهد الثقافي المغربي الـراهن يحتاج إلى إعادة نظر، وإلى تأمل عميق قد يعيد إليه بهاءه ومكانته التي كان يحتلها في الثقافة الإسلامية ولقرون طويلة، وربما لست مبالغا إذا قلت بأنه مشهد ثقافي بئيس أوهوأقرب إلى البؤس منه إلى أي شيء آخر، وقد بلغ به البؤس والأزمة حدا لا يخفى على أحد، ابتـداء بتمزق هياكله التي تنظمه بعد ركودها وفتور نشاطها، مرورا بالمقاصد والنوايا التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها، وانتهاء بتعدد المصادر والينابيع  الثقافية التي  تساهم في تشكيل هـذا المشهد، والتي يبدوأن!   مظاهر التنافر والاختلاف ـ إن لم أقل الإقصاء والإلغاء ـ أكثر منحظ التوافق والائتلاف والتكامل.

عاـى أن تعدد المصادر الثقافية وتنوعها وتحولها في الثقافة المغربية ـ وفي كل الثقافات ـ  أمر محمود ومطلوب ضرورةً، لأنه خاضع أساسا لمنطق الصراع بين الأجيال وللتنافر والتكامل معا، وخاضع أيضا للقناعات التي تصدر عنها هذه الفئة أوتلك مما قد يغيظ  أويرضـي هذا الطرف أوذاك.

إلا أن ما يجب التنبيه عليه ـ في اعتقادي ـ  أمران :

1) ألا يكون هذا التنوع والتعدد مِعْوَلا من معاول الهدم لثوابت الأمة وأسسها التي رافقتـها منذ عهد ليس بالقصير، فيسعى حثيثا نحوإلغائها أومحوها كلاًّ أوجزءا من المشهد الثقافي.

2) أن يكون الاختلاف من الداخل تفرضه القراءات المتعددة للواقع  الكائن والممكن للقواسم المشتركـة بين كل فئات المجتمع المغربي ومكوناته، بحيث لا يكون مفروضا من الخارج أووافـدا ضمن ما وفد علينا، مما قد نصبح معه ريشة في مهب التيارات الغربية بما لها وماعليها.

ذلك أن الاختلاف الـذي يكون منبعه داخليا يؤشر ولا شك عـلى نمط من الحركة التي تُبَصِّر المثقف المغربي بكل مواطن القوة والضعف في الجسد الثقافي المغربي لأنه يكتوي بناره بقدر ما ينعم بنعيمه.

فهذا النوع من الاختلاف يكون أقرب إلى الائتلاف فيما أعتقد، على اعتبار أنه أقرب إلى التكامل منه إلى التنافر، بحيث إن  النظر إلى المشهد الثقافي المغربي عبر مراحله الزمنية المختلفة  وبأعين متنوعة ومن زوايا متعددة، يؤدي بالضرورة إلى تلافي النقائص، والسعي دائما نحوالأفضل والأجود مهما كانت العوائق والصعوبات.

من هنا يكون التنافس الشريف في طرح الأفكار ومناقشتها وتشريحها علـى مناضـد البحث والدرس، حتى يكتسب المثقف المغربي بعامة، والأديب منه بخاصة، مناعة تقيه من الهجنة، كما تقيه من التسيب في ثقافة الآخر مهما كانت مصادرها.

وهذا لا يعني الدعوة إلى التقوقع والانغلاق، ولا إلى التزمتوالانطواء والإدبار عن معرفة الآخر ومد جسور المثاقفة بيننا وبينه، بل بالعكس، إنما يعني  قمـة التواصل والحوار، إلا أنه  تواصل من موقع قـوة ونِدِّيَّةٍ لا من خندق ضعف وهوان وإحساس بمركب نقص، كمـا أنه حوار مبني على الفعل والتفاعل، والأخذ والعطاء، وليس على الاستهلاك  المجـاني، والتلقي السلبي كما  هوالحال عليه الآن، وكما تريده ثقافة  أهل الشمال المتحضر لمثقفي أهـل الجنوب المتخلف، خاصة وأننا!  نـواجه صراعا جديا في مجال القيم، وقد أصبح في دخول  نادي الدول نوع من المقاومة من جانب الأعضاء القدامى، فهم يقيمون الحواجز حتى لا يعترفوا بالهوية الثقافية للأعضاء الجدد، ويوجد نوع من التحمل، ولكن لا يوجد تقبل صاف أوترحيب مخلص بقيـم الجنوب، ذلك لأنه لا يوجد جهد جاد لمحاولة فهمها، وهذا هولب مشكلة الخيبة التي تصيب الحوار بين الشمال والجنوب(1).

الطابع الاسلامي للثقافة المغربية

فقد ظلت الثقافة  المغربية إلى حدود السنوات الأولى من الاستقلال منطبعة  في معظم جوانبها بطابعها الإسلامي السلفي الأصيل، بحيث يظهر أن  مراكش مهيـأة أكثر من كل بلد إسلامي لقبول الحركات التي تطالب  بالعودة  للدين  الصحيح والعقيدة السنية، ويبدوأن بساطة هذه الدعوة ووضوح طابعها، يتفق إلى حد بعيد مع سذاجة الصوفية المغربية وحب الطبيعة القومية للتأكد من دقائق الأشياء، ولذلك  لم تقم الثورة الوهابية حتى كان لهـا صدى استحسان وقبول القصر الملكي، حيث رحب بمبادئها السلطان  مولاي  سليمان، ثم كان للشيخ عبد الله السنوسي حظ حمـاية مولاي الحسن الذي مكنه  مـن نشر المبادىء السلفية  والدعـوة إليها(2)، حتى إن الأسلوب الذي اتبع في المغرب أدى إلى نجاح السلفية إلى درجة لم تحصل عليها حتى في بلاد الشيخ محمد عبده وجمال الدين(3).

ويتجلى  هذا وعلى نحو متميز أيضا  في الأدب المغربي الحديث علىوجه العموم، والشعر منه بخاصة، حيث إن من أهم خصائصه طوال النصف الأول من القرن الماضي، وصدر النصف الثاني منه، شحوب التيار الغربي المضاد للتيار الإسلامي، بحيث ينعدم فيه أي حس مناصر للثقافة الغربية كما حدث في المشرق(4).

ولكن لما انقضى أجل ذلك الرعيل الأول، دار الزمان دورته،  فخلف من بعده خلف كان له مع الثقافة المغربية شأن آخر.

فقد تهاوى ذلك البعد الإسلامي الأصيل في الإبداع المغربي شعره ونثره، إلا في القليل النادر، وأصبح الاستمساك بعراه جريمة في حق الثقافة المغربية، ورجعية ممقوتة ينبغي التخلص منها عبر أقصر السبل، ففتحت أبواب السوق الثقافية  المغربية مشرعة أمام  البضاعة الغربية شرقيِّها وغَرْبِيِّها  بمختلف انتماءاتها  وتوجهاتها المتناقضة  تناقضا بَيِّناً، وكأنها سهام وقد انطلقت من قسي متعددة  نحو هدف واحد هوإقصاء الهوية الإسلامية للثقافةا! لمغربية ومحوها، وانطلقت معها الدعوات إلى التحرر من التراث بما له وما عليه.

يقول محمد بنيس : “أول مـا يجب أن يتجه إليه النقد هـوالمتعاليات بمختلف تجلياتها، ليس الغائب هوالذي يخلق الحاضر والمستقبل، بل الإنسان هوخالق حاضره ومستقبله”(5) ويؤكد على هذا الكلام نفسه، وعلى نحوأشد، في مقدمته لكتاب (الإسم العربي الجريح) لعبد الكبير الخطيبي، بقوله : “لقد اهترأ العالم العربي بتراكم  المفاهيم  والقيم المتعالية  التي  تفصل بين الإنسان وجسمه، الإنسان ومستقبله، تُحَرِّمُ متعته وشهوته وتَغَيُّرَه، ومن غير مبالغة  نقول إن التحرر العربي يفترض تحرر الجسم! هـوالآخر، وقد آن  لهذه  السماء المتعالية  أن  تكف عن تغييب جسمنا، تشطيره  إلى  نور وظلام، يمين ويسار، خير وشر، ملائكة وشياطين، آن لهذا  الجسم أن  يحتفل بشهوته ومتعته”(6).

ومع ذلك  لم يتوان بنيس نفسه عن إعلان الهزيمة، والتصريح بفشل مشروع الثقافة الجديدة التي بشر بها هوومن والاه من قبل، بقوله فيما بعد : “وخصوصا  في هذا الوقت الذي يعيش فيه المشهد الثقافي المغربي حالة تأزم في غاية  الخطورة”(7)، وكأن هذا المشهد الثقافي المغربي قد استعصى بطبعه عن دعوات الانسلاخ عن هويته الإسلامية، وقاوم على قلة ذات اليد ضد محاولات التهجين المختلفة.

والناظر في هذا الكتاب الذي قدم له بنيس بالمقدمة التي أحلنا على بعض كلامه فيها سابقا، يقول عبد الكبير الخطيبي وقد استشهد بأقوال شيخٍ عَرَّفَهُ بأنه الشيخ النفزاوي الذي قال : “إن  قراءة القرآن مُهَيِّئَةٌ للجِمَاع، إن القرآن هوالكلام الشعائري الفاتح للشهية، إنه  وسيلة الجماع”(8)، وبعد ذلك  قال الخطيبي : “فالله  يحدد الآداب الشَّبَقِيَّةَ والنبي يشرعها، والكاتب يدونها”(9).

وفي الإطار نفسه  قال الكاتب الراحل محمد زفزاف  : هناك مجموعة  من  التقاليد المتحجرة، وهناك أيضا مجموعة من المفاهيم  الجامدة التي لا تزال تسيطر على عقلية الإنسان العربي، وإني لأتساءل كيف لا نستطيع أن نعبر باللغة العربية عن أشياء لم يستطع الله نفسه أن يخجل من خلقها(10) (كذا؟) ولعل هذا وسواه ـ وهوكثير جدا في إبداعنا المغربي السردي والشعري منذ أواخر السبعينيات وإلى الآن، بل إنه ازداد في العقود الأخيرة على نحولافت للنظر ـ  هوالذي جعل الشاعر الراحل أحمد المجاطي رحمه الله يقول عن القصيدة العربية الحداثية عموما وعن الحضور المكثف لهذا النمط من المعجم الذي شغف به زفزاف وغيره(11) : بالطبع فإن الجرأة في   استخدام هذا المعجم لا يمكن أن تحقق للقصيدة شعريتها، وإلاَّ  لأصبح أفحشُنَا قولاً، أشْعَرَنَا قصيدا(12).

ولهذا ختم المجاطي كتابه هذا الذي لم ينل من الترحيب  ما يستحقه لا داخل المغرب ولا خارجه لطبيعة الموضوع الذي تناوله بعمق وبصيرة، حتى إن كثيرا ممن كان يعد من أصدقائه تنكر له، لأنهم رأوا فيه وفي كتابه حجر عثرة في طريق المشروع الحداثي في الإبداع الشعري بخاصة،  بقوله : منذ البداية كنت أعرف أن أذى كبيرا سينالني من قبل أولئك الذين اعتادوا أن يتاجروا بالترويج لهذه الحركة ـ حركة  الحداثة ـ والنفخ في رموزها، كنت أعرف مثلا أن  أقل ما سأُرْمَى به هوالسقوط في السلفية(13).

وكم كان المجاطي رحمه الله صادقا!! فمجرد انتقاد الحداثة، أوأحد رموزها يعني التهمة بالسلفية، أوالوهابية، أوشيء من هذا القبيل، أما  المناداة بإسلامية الأدب والثقافة عموما فهي جريمة تستحق الإدانة، إن  لم أقل المحاكمة الفكرية، بل والقضائية أيضا!!

وأختم هذا الكلام الذي يتناغم مع ما ذهب إليه بنيس والخطيبي وزفزاف وسواهم كثير ممن تزعم حركة الإبداع الشعري والسردي عندنا بالمغرب، واتبعهم كثير من الشباب والشابات، الذين يظنون بأن أقصر الطرق إلى الشهرة هوالتعبير بالكلام الفاحش الساقط، والتحامل على الدين الإسلامي بخاصة وعلى مقدساته،  بكلام للكاتب  الكبير الطاهر بنجلون حيث يقول  في روايته (ليلة القدر) بما أن  الإسلام هوأفضل الديانات، فلماذا انتظر الله طويلا لكي يعلن نشره(14) (كذا؟ )، وعن القرآن الكريم يقول :أحب القـرآن كشعر رائع، وأمقت الذين يستغلونه  في تشويشات،  ويحدون مـن حرية الفكر، إنهم منافقون(15).

فهي مجموعة  مـن الرؤى، أعتقد بأنها  مـن صميم  ما  أسمـاه المفكر المغربي الدكتور محمد  عابد  الجابري (بالنظرة الاستشراقوية) إلى (المعرفة) بالتراث، وهـي التي تستند في جانب منها علـى الجانب الاستشراقي الذي يتصل  بالعلاقة الصريحة حينا،  الخفية حينا آخر بين الظاهرة الاستشراقية والظاهرة الاستعمارية، والذي يمكن الذهاب به  بعيدا إلى الرواسب الدفينة  التي تعود  في أصلها إلى الصراع التاريخي بين المسيحية والإسلام خلال القرون  الوسطى والتي تؤسس كثيرا من المطاعن التي وجهـها بعض المستشرقين  إلى  الفكر  العربي الإسلامي، منكرين  عليه كـل أصـالة بدعوى صدوره  عن مـا سموه بـ: العقلية السامية التي حكموا عليها بالعقم  في مجال العلم والفلسفة  من جهة واستسلامه للعقيدة  الإسلامية التي  تقوم عائقا حسب زعمهم أمام التفكير الحر، إلى غير ذلك من دعاويهم المزيفة(16).

——

( 1 ) ـ الحرب الحضارية الأولى : د. المهدي المنجرة الطبعة الثالثة ـ دار النجاح الجديدة،الدر البيضاء،1991 ص: 269

( 2 ) ـ الحركات الإستقلالية في العالم العربي : الأستاذ علال الفاسي،دار الطباعة المغربية ـ تطوان، بدون تاريخ، ص  133.

( 3 ) ـ المرجع نفسه : ص : 134.

( 4 ) ـ الشعر الوطني المغربي : د: إبراهيم السولامي : دار الثقافة، الدار البيضاء : بدون تاريخ : ص:   181

( 5 ) ـ مجلة الثقافة الجديدة، عدد : 19، سنة :1981.

( 6 ) ـ مقدمة كتاب، الاسم العربي الجريح، لعبد الكبير الخطيبي ص:  7ـ 8.

( 7 ) ـ الملحق الثقافي لجريدة العلم ، السنة :30، 1 ماي 1999.

( 8 ) ـ الاسم العربي الجريح، ص 101.

( 9 ) ـ المرجع نفسه، ص : 112.

( 10 ) ـ علامات في الثقافة المغربية الحديثة، بول شاوول : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، طبعة : 1979، ص: 65.

( 11 ) ـ راجع على سبيل المثال لا الحصر :  البدايات وظلال  لإدريس الخوري في مواطن مختلفة، وراجع أيضا :  بيوت واطئة  لمحمد زفزاف، في مواطن مختلفة كذل.

( 12 ) ـ أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث. د : أحمد المعداوي، منشورات دار الأفق الجديدة، الطبعة الأولى : 1993.ص: 18.

( 13 ) ـ المرجع نفسه، ص: 225.

( 14 ) ـ ليلة القدر ( الترجمة العربية ) الطاهر بنجلون، ص :59

( 15 ) ـ الرواية نفسها، ص: 59.

( 16) ـ التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، الدكتور محمد عابد الجابري، المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى، 1991، ص: 26.

د.بنعيسى بويوزان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *