منهج مالك بن نبي في دراسة الغرب


… إذا ما استعرضنا ما كتب عن الغرب منذ اللقاءات الأولى إلى يومنا هذا لن نعثر على باحث صب كل طاقته وعنايته في ترتيب علاقة المسلمين بالغرب مثل ما فعل مالك بن نبي في مؤلفاته الكثيرة التي جاءت تحت عنوان: مشكلات الحضارة، وهي بمثابة إجابة عن سؤال : لماذا يعيش المسلمون خارج الحضارة؟. إن اهتمامه وتقصيه في البحث عن العلل  الكامنة وراء الوضع الذي يعيشه العالم الإسلامي هو نتيجة مباشرة لشعوره بالأزمة التي يمر بها مجتمعه وبمسؤوليته تجاه ذلك.

لم يكن مالك بن نبي الوحيد الذي تناول هذه القضية وإنما كان الوحيد الذي فهم موقعنا من الغرب وموقع الغرب منا. فقد ربط بين   التحضر الإسلامي وبين حل المشكلات التي تواجه عالم المسلمين بمنطق رياضي إذ جعل الأول رهيناً بالثانية. فلا حديث عن تحضر بدون حل للمشكلات الاجتماعية الضاغطة، وبالتالي حل هذه الأخيرة متوقف على معرفة علمية وإدراك واع بحقيقة الغرب وحجمه لأن أغلب معضلاتنا الحضارية والثقافية آت من علاقتنا المختلة بالغرب الناتجة عن جهل بتاريخه وواقعه.

لا ينكر مالك بن نبي أن الغرب يمثل ظاهرة العصر الحضارية وأنه واقع تاريخي على المسلم أن يعرف كيف يعايشه لكن الذي لا يقبله مالك هو أن يغيب عن المسلم ما يمثله الغرب في واقعه فينظر إليه باعتباره قدوة ويرجع إليه باعتباره مصدرا في الوقت الذي ينبغي أن يجعله موضوعا ضمن بحثه ودرسه يتأمل في علله وأسبابه وينظر إلى نتائجه وأحواله.

الغرب بين المصدر والموضوع

عند مالك بن نبي

لقد حث مالك بن نبي في مقالاته المتنوعة على ضرورة الاطلاع على تاريخ الغرب الديني والسياسي والاقتصادي والثقافي لأن دراستنا لأصول الفكر الديني في الغرب مثلا تعود بفوائد كبيرة على الفكر الإسلامي وخاصة في مجال تفسير القرآن الكريم. فلايتصور بحال أن ندرس الإسلام أو القرآن بعيدا عن تاريخ الأديان. وقد عبر عن ذلك في دراسته (الظاهرة القرآنية) وأثناء تحليله لموضوع الإعجاز القرآني وجد من الضروري “إعادة النظر في القضية (إعجاز القرآن) في نطاق الظروف الجديدة التي يمر بها المسلم اليوم مع الضرورات التي يواجهها في مجال العقيدة والروح”(1). ومن ثم يؤكد على الربط الواضح بين الرسل والرسالات خلال العصور وأن الدعوة المحمدية يجري عليها أمام العقل ما يجري على هذه الرسالات(2). ويستخلص من ذلك أمرين:

-أنه يصح أن ندرس الرسالة المحمدية في ضوء ما سبقها من الرسالات.

-كما يصح أن ندرس هذه الرسالات في ضوء رسالة محمد  على قاعدة أن حكم العام ينطبق على الخاص قياسا، وحكم الخاص ينطبق على العام استنباطا(3).

ثم إن تطلع مالك بن نبي إلى تأسيس رؤية جديدة عن علاقة المسلمين بالغرب وإلى بناء فكر حضاري جديد جعله يتحدث بلغة المحفزعن البحث الموسوعي والتوثيقي لتوسيع مدارك الباحث المسلم وذلك بإضافة شرط آخر إلى شروط المُفسر حين يقول:” ومن المفيد هنا أن نذكر كم سيكون مفسر الغد بحاجة إلى معرفة لغوية وأثرية واسعة، فإن عليه أن يتتبع الترجمة اليونانية السبعينية للكتاب المقدس والترجمة اللاتينية الأولى من خلال الوثائق السريانية والآرامية ليدرس مشكلة الكتب المقدسة…”(4) دراسة موضوعية تسعفه في التعرف على أصول الغرب الدينية وتمكنه من أداة منهجية إضافية لتفسير القرآن الكريم. إذ المكتوب باللغات القديمة يعد أهم في شرح التاريخ القديم من المكتوب  باللغات الحديثة.

إن أهمية دراسة موضوع الأديان في العصور الحديثة والتدقيق في هذا الموضوع هو بمثابة مقدمة إلى تفسير مالك بن نبي لتاريخ الغرب. إذ أنه يرى أن الفكرة المسيحية قد أخرجت أوربا إلى مسرح التاريخ، وأن عالمها الفكري قد نبت  انطلاقا من ذلك(5).

ولكي نفهمالغرب من الضروري أن نقف على أصوله الحقيقية وعلى العلاقات التي تربط بين واقعه وبين تلك الأصول فمثلا” لو أننا تناولنا بالدرس مشروعا اجتماعيا، كجمعية حضانة الأطفال في فرنسا على سبيل المثال، لبدا لنا من أول نظرة في صورة جمعية تقوم على شؤونها دولة مدنية، فنحكم إذن عليها بأنها مؤسسة نشأت في بادئ أمرها على أسس (لادينية)، في حين لو درسنا تاريخها، ورجعنا إلى أصول فكرتها الأولى لوجدناها ذات أصل مسيحي؛ فهي تدين بالفضل إلى القديس (فانسان دي بول) الذي أنشأ مشروع الأطفال المشردين خلال النصف الأول من القرن السابع عشر”(6).

إن تشبث مالك بن نبي بفكرة أن الحضارة الغربية ذات أصول دينية مسيحية تدفعه باستمرار إلى النبش في الأمس الغابر والبحث عن أولى بذور هذه المدنية لكي يبرهن لمحاوريه غير المباشرين بل لكي يفحمهم بقوله:” إن العلوم والفنون والصناعات ما كان لها أن توجد لولا صلات اجتماعية خاصة…وهل هذه العلاقة الخاصة في أصلها سوى الرابطة المسيحية التي أنتجت الحضارة الغربية منذ عهد شرلمان؟”(7).

بالإضافة إلى المصدر الديني للحضارة الغربية يقف مالك بن نبي في موضوع الغرب على أكثر من قضية ليعيد النظر في دراستها وقراءتها، ومن ذلك على سبيل المثال ما يتعلق بالتفسير الذي يقدمه كل من الرأسمالي والاشتراكي لظاهرة الفاعلية في المجتمع. فبعد أن يسمع رأي الفريقين، يحسم برأيه في الموضوع قائلا:” فالحقيقة واحدة في المعسكرين رغم التفسير السياسي الذي يختلف، إذ الأسباب والدوافع لا تختلف في المعسكرين. فالنتيجة الاجتماعية واحدة فيهما حيث أنهما يكفلان للفرد الضمانات الاجتماعية…”(8).

وكذلك عندما يتعلق الأمر بموضوع الفكر الأوربي فإن مالك بن نبي لا يعثر على ما يميز المجتمع الرأسمالي عن المجتمع الاشتراكي لأن ” الفكر الغربي يجنح على ما يبدو أساسا إلى الدوران حولمفهوم الوزن والكم، وهو عندنا ينحرف نحو المغالاة فهو يصل حتما إلى المادية في شكليها: الشكل البورجوازي للمجتمع الاستهلاكي والشكل الجدلي للمجتمع السوفياتي”(9).

…إن محاسبة مالك بن نبي العسيرة للإنسان المسلم والمجتمع المسلم لا تعني بالضرورة رضاه عن الغرب أو قبوله به مصدرا بديلا لبناء حضارته، بل نجده في إحدى دراساته يستعمل أسلوبه الناقد والصارم في نقد أوربا حيث يجردها من كل مقومات التحضر ولا يرى فيها إلا ارتباكا وصراعا نظرا لكونها قد أسقطت من اعتبارها أسا مهما من الكيان الحضاري للأمم وهو المبدأ الأخلاقي.

“وهكذا نجد أوربا النازعة إلى “الكم” وإلى “النسبية” قد قتلت عددا كبيرا من المفاهيم الأخلاقية، حين جردتها من أرديتها النبيلة، وأحالتها ضروبا من الصعلكة، وكلمات منبوذة في اللغة، طريدة من الاستعمال ومن الضمير وكأنها صارت القواميس “أحيانا” مقابر لكلمات لا توحي بشيءلأن مفهومها لا ينبض بالحياة”(10).

إن البعد بين العلم والضمير في الغرب هو الذي يفسر ما يحدث فيه من فوضى واختلال. ومن كانت تلك أحواله لا يصلح في رأي مالك بن نبي أن يكون مصدرا لغيره أو قدوة يستأنس بها أثناء الانطلاق، ففاقد الشيء لا يعطيه. والحالة هاته يعتبر ” إنسان ما بعد الموحدين مهما بدا من تأخره…خيرا من الإنسان المتحضر في تحقيقه للشروط النفسية للإنسان الجديد، أعني (للمواطن العالمي)”(11).

عندما يطالعنا مالك بن نبي بموقف صارم من الغرب كما هو الأمر في هذا النص يؤكد على سبب هذا الموقف الرافض الذي يرجع في أساسه إلى التفريط في المنظومة الأخلاقية. وهذا لا يعني أن مالك بن نبي لم تكن لديه مواقف أخرى اتجاه الغرب ولم يقبل من الغرب أفكارا أو أشياء، بل إن مواقفه تنوعت بتنوع الصور التي كان يلتقطها للغرب. فما هي أبرزها إذن؟.

أنــــــــواع الغـــــرب عند مالك بن نبي

مما لا شك فيه أن الغرب متنوع في ظواهره ومظاهره ومواقفه، وأن علاقته بالعالم الإسلامي قد عكست شيئا كثيرا من هذا التنوع. وكتابات مالك ابن نبي قد رصدت في تفاصيلها وفي أمثلتها الكثيرة نماذج متعددة للغرب يمكن أن نختزلها في ثلاثة رئيسة: الغرب المستعمر، والغرب المستشرق، والغرب المتحضر.

الغرب المستعمر:

أما الغرب المستعمر فقد جاء معادلا في تصوير وتحليل مالك بن نبي لأخبث الشرور التي عرفها الإنسان بصفة عامة وعرفها المسلم بشكل خاص، وقد اصطلح عليه اسم الشيطان، وفي هذا يقول:” فالاستعمار يعد في نظر كل مسلم الشيطان”(12) وحينما يقول الشيطان: اثنان زائد اثنين يساوي أربعة، فإن المسلمين سيقولون: ليس هذا صحيحا لأن الشيطان قال ذلك”(13).

إن مالك بن نبي في تصنيفه للاستعمال في هذه الخانة ووصفه إياه بهذه النعوت إنما يصدر عن تجربة عاشها وكان شخصه موضوعا لها. فالظاهرة الاستعمارية في منطقه الحضاري مثلت جزءا من شريط الزمن الواقعي والاجتماعي الذي مر به حيث يقول:” ولست أدين، فيما أقدم هنا إلى بعض الآراء تخطئ أو تصيب ولكن أدين إلى وقائع محددة شاهدتها بنفسي، وسجلتها تجربتي الاجتماعية”(14).

فمن خلال تجربته الواقعية، وقف مالك بن نبي على مخطط الاستعمار في تكييفه للإنسان المستعمر. إذ أنه يسعى أولا وقبل كل شيء إلى إفساد فطرة هذا الإنسان وإلى جعله خائنا ضد مجتمعه الذي يعيش فيه. فإن لم يستطع، فإنه يحاول أن يحقق خيانة المجتمع لهذا الفرد على يد بعض الأشرار. وبذلك تبدأ شبكة العلاقات الاجتماعية في الانخرام وفق ما يرتضيه المستعمر.

إن أخطر ما أقبل عليه الغرب المستعمر في تنفيذ مخططه لاحتواء المستعمر هو تشييئه هذا الأخير” وحيث إن إرادة الاستعمار تقتضي وضع الإنسان في عالم الأشياء، فإن حكمة إبليس(أي المستعمر) تقتضي أن الإنسان الذي وضع هذا الموضع، لا يجوز له أن يتكلملغة الإنسان لأنه مشيء والشيء لايقول: فكري، وأجرتي، ولقمة عيشي”(15).

إن الذي يسعى ليجعل من غيره ساكنا لا يتحرك بأن يخرجه بالتدرج من عالم الإنسان إلى عالم الأشياء لا ينتظر منه أبداً أن يقدم خيرا أو يفعل حسنا يعود على غيره بالنفع. وعليه فالنية الحضارية بعيدة بعدا كليا عن واقع الاستعمار، بل هي في كلامه لا تعدو أن تكون مبررا يبرر به موقفه ليس إلا(16). ويربط مالك بن نبي بين هذا الموقف وبين فلسفة الإنسان في الغرب حيث يراها رهينة تعابير ومصطلحات لا تسمح للذهن الغربي أن يتصور وحدة الإنسان وتضامن ملحمته على وجه الأرض، فهناك كلمات مثل “الأهلي” و”الأسود” ..تعبر في الغرب عن عينات إنسانية سفلى وهناك عبارات تضفي على بعض الأجناس صفات أو ألقابا معينة إلى الأبد مثل” العربي غير المكترث”(17).

ويذهب في تحليله لظاهرة التمييز بين الأجناس في الغرب إلى تاريخ القرن السادس عشر حيث رجع الغربي إلى العهد الروماني والإغريقي واسترجع منه قناعة قديمة تجعل من الإنسانية “حاجة” يملكها و”شيئا” يغتصبه عندما تدق ساعة الفتوحات الاستعمارية. فكل ما ليس أوربي فهو متوحش. ففي رأيه جل الغربيين ساروا على هذه القاعدة. حتى ماركس ثارت ثائرته عندما رد بكل عنف على مؤرخ معاصر له لأن هذا المؤرخ قد وضع على صعيد واحد في نظره ” آسيا البربرية وأوربا المتحضرة”(18).

إن هذه النظرة العنصرية المتجذرة في نفسية الغربي هي المسؤولة الرئيسية عن تشويه السياسة الغربية في العالم وعن ظهور ما يسمى بالاستعمار. وبالاطلاع على ذلك تتراكم أمام مالك بن نبي مجموعة من العوامل التي تبعث في خطابه شحنة تشنج ورفض قصوى أثناء تفسيره لظاهرة الغرب المستعمر.

الغرب المستشرق:

إن اهتمام الكتاب الغربيين بالفكر الإسلامي وبالحضارة الإسلامية أثار انتباه مالك بن نبي بشكل مباشر، فعندما كان مقيما في فرنسا أتيحت له فرصة التعرف على بعضهم عن قرب كما أتاح له ذلك المقام متابعة ما يصدر من دراسات حول الإسلام والمسلمين وما يثيره ذلك من ردود أفعال متنوعة في الوسط الغربي. ففي سنة 1961، كتب يقول:” إن الدراسات الإسلامية التي تظهر في أوربا بأقلام كبار المستشرقين واقع لا جدال فيه، ولكن هل نتصور المكانة التي يحتلها هذا الواقع في الحركة الفكرية الحديثة في البلاد الإسلامية…”(19).

لقد استشعر مالك بن نبي خطورة هذا الغرب المتظاهر بصفات تختلف عن صفات الغرب المستعمر في الوقت الذي يتقاسمان فيه جينات الحنكة والدهاء و المكر في التعامل مع الإنسان المسلم. فعندما يؤكد أن الأعمال الأدبية للمستشرقين قد بلغت درجة خطيرة من الإشعاع لا تكاد تتخيل يصور أمامنا مدى تلك الخطورة  بتقديم دليل محسوس على ذلك يتمثل في ضم مجمع اللغة العربية في مصر إلى أعضائه عالما فرنسيا، بالإضافة إلى طبيعة رسائل الدكتوراه التي تقدم إلى السربون من قبل الطلبة المسلمين والتي لا تخرج عن ترديد الأفكار التي زكاها أساتذتهم الغربيون(20). بل إن الأمر يصل بالشباب المسلم إلى أن يتجه إلى المصادر الغربية، حتى فيما يخص  معارفه الإسلامية الشخصية(21).

لم يكن مالك بن نبي ليمر أمام هذه الظواهر -الدالة على خلل عويص في علاقة المسلم بعالم أفكاره -بشكل عابر، بل نجده يلجأ إلى تصحيح الموقف بتأليف كتاب الظاهرة القرآنية باللغة الفرنسية وكأننا به يروم مناظرة الفكر الاستشراقي بلسانه ومناهجه وكأننا به من جهة ثانية يسعى إلى انتشال الفكر الإسلامي من دوامة التبعية المعرفية التي دخل فيها.

فقد مثل الغرب المستشرق في فكر مالك بن نبي عاملا كبيرا من عوامل القلق على واقع النهضة الإسلامية الحديثة وعلى السير العادي للإنسان المسلم نحو هدفه الحضاري. ويختزل مالك بن نبي مصدر هذا القلق في أنموذج المستشرق المادح لماله من آثار سلبية في عالم أفكارنا.

إن مالكا قد قسم المستشرقين إلى قدامى ومحدثين. وقسم المحدثين إلى قادحين في التاريخ الإسلامي والثقافة الإسلامية ومادحين لهما.

إذا كانت الفئة الأولى وهي القديمة لم تتدخل في نسيج الفكر الإسلامي بشكل عنيف ولم تؤثر فيه، وإذا كانت الفئة الثانية وهي الحديثة والقادحة قد أثرت بشكل محدود لما كان في نفوس المسلمين من استعداد لمواجهة أثره تلقائيا كما وقع ذلك في العهد الذي نشر فيه طه حسين كتابه (في الشعر الجاهلي) على غرار مسلمة قدمها المستشرق (مارجليوت) قبل سنة من صدور كتاب طه حسين(22) فإن الفئة الثالثة المادحة مثل دوزي وآسين بلاثيوس..قد كتبت لنصرة الحقيقة العلمية وللتاريخ وكل ذلك من أجل مجتمعها الغربي. ولكن مالك بن نبي يرى أن أفكار هؤلاء ” كان لها وقع أكبر في المجتمع الإسلامي، في طبقاته المثقفة” إذ أن “الجيل المسلم الذي انتسب إليه يدينإلى هؤلاء المستشرقين الغربيين بالوسيلة التي كانت بين يديه لمواجهة مركب النقص، الذي اعترى الضمير الإسلامي أمام ظاهرة الحضارة الغربية”(23).

فمن هنا تسلل الغرب المستشرق إلى الفكر الإسلامي ليزرع فيه تلك المخدرات التي تخدر ضميره وتسليه ويتقبلها بكل زهو وشغف.

وينتهي مالك بن نبي إلى حقيقة موضوعية في هذا السياق وهي أن ” الإنتاج الاستشراقي بكلا نوعيه كان شرا على المجتمع الإسلامي لأنه ركب في تطوره العقلي عقدة حرمان سواء في صورة المديح والإطراء التي حولت تأملاتنا عن واقعنا في الحاضر وغمستنا في النعيم الوهمي الذي نجده في ماضينا أو في صورة التفنيد  والإقلال من شأننا بحيث صيرتنا حماة الضيم عن مجتمع منهار مجتمع ما بعد الموحدين”(24).

الغرب المتحضر (أو الأليف):

هو ذاك الغرب القريب من مالك بن نبي الذي أحبه كثيرا وبهره كثيرا ليس لأنه مادة مصنعة أو آلة متحركة أو مظهر براق بل لأنه سلوك راق واندفاع واع نحو الفطرة التي فُطر الإنسان عليها.

إنه غرب آخر لا علاقة له بالحياة المضطربة والمصطنعة التي تضلل السائل عن الحضارة الغربية.

لم يكن ممكنا لمالك بن نبي بباريس أن يتعرف على الوجه الحقيقي للحياة الفرنسية لولا أن الأقدار سخرته لتتعرف زوجه خديجة على الإسلام وسخرتها هي ليتعرف بدوره على الحياة الأصيلة في الحضارة الفرنسية. فقد تمكن عن طريقها وأثناء زيارته لأمها في إحدى القرى الفرنسية من الوقوف على الوجه الآخر للغرب. لقد وجد الصورة الأصيلة في ” الريف، في الطبيعة حيث تكونت صلة الإنسان بالتراب على مدى القرون”(25).

كما وجد صورة الغرب الجميلة في تفاصيل حياته رفقة زوجه وفي إطار أسرته الصغيرة حيث يعبر بأسلوب راق جدا عن التطور النفسي الذي سيجعله أشد الناس نفورا من كل ما يخدش ذوق الجمال، وسيترجم استعداداته الوراثية إلى أفكار اجتماعية واضحة.

اكتشف مالكبن نبي مع زوجه المبدعة مفاتيح الثقافة المتوازية المتمثلة في المبدأ الأخلاقي السليم والذوق الجمالي الراقي والمنطق العملي الدقيق والصناعة التي هي الإتقان.

نفهم من مالك بن نبي أن تلك الإمكانية الاجتماعية كانت بمثابة فرصة حضارية تحقق فيها الحوار بين ثقافتين على أحسن ما يمكن أن يتصور. وعلى الرغم من أنه تطرق في مناسبات أخرى  لأشياء جميلة في الحضارة الغربية، إلا أنه لم يفردها بالحسن كلية بل غالبا ما تُخدش الصورة على لسانه بإظهار نقيصة أو تبعة أو نتيجة غير مرغوب فيها أو… وتغيب هذه القاعدة عندما يتعلق الأمر بالأسباب التي فتحت عينه على كيفية توجيه الثقافة توجيها سليما. آنئذ، يصبح الغرب أليفا لا وحشية فيه ومتحضرا لا همجية فيه.

آليات التفكير في الغرب

عند مالك بن نبي

اعتمد مالك بن نبي في رحلته الطويلة مع الغرب إمكانيات منهجية ذات مرجعية إسلامية وأخرى ذات مرجعية عالمية،إذ أنه عبر في دراساته الجريئة للعالم عن أسلوب مرن وعن طابع موحد أصيل ميزه عن غيره من المنظرين والمفكرين.

وهذا لا يعني أنه لم يستفد من غيره أو لم يكن السابقون أو المعاصرون له يمدونه بالإفادات المنهجية، بل إنه ذاته يحيل على الذين أخذ منهم واستأنس بأفكارهم. وكما نعرف، فقد كان أستاذه الأول هو الاجتماعي الإسلامي المؤسس ابن خلدون، ثم إنه أعجب بأفكار تويمبي وأضفى على بعض منها صبغة إسلامية أفادته في فهم بعض العلاقات الدقيقة في حياة الحضارات والشعوب. كما اعتمد بعض الأمثلة التي أوردها تويمبي عن كيف أن نقص التحدي أو زيادته وعنفه يؤثران بصورة واحدة على قوى التاريخ الإنساني وفي ذلك يقول مالك:

“ونحن يمكننا إلى حد ما أن نصوغ هذا الرأي الذي ذهب إليه المؤرخ صياغة جديدة(26) في ضوء القرآن الكريم، فقد نستطيع -حيث لم نصل بهذه الطريقة إلى تفسير واضح لمنشإ الحركة التي ولدت المجتمع الإسلامي وغايته التاريخية- أن نفسر هذه الحركة بالعوامل النفسية التي حفزت القوة المروحية في هذا المجتمع، أعني شروط حركة عبر القرون”(27).

أما الأدوات التي استخدمها في إنشاء أطروحته الحضارية عن الغرب وكذا الوسائل التي أنطق بواسطتها تاريخ وواقع الغرب فجاءت عبارة عن إمكانيات خاصة به ميزت خطابه عما كان متداولا من كتابات أخرى في عصره . ومن ضمن هذه الخصوصيات :

أسلوبه في طرح السؤال

حظي طرح السؤال في فكر مالك بن نبي باهتمام كبير نظرا لكونه أورده بشكل مكثف ومتكرر أثناء مناقشة القضايا الأساسية في مقالاته. إذ لم يكن قصده من استعمال هذا الأسلوب إخبار القارئ بمعلومات جديدة بقدر ما كان هدفه  تنشيط حاسة النقد لديه وقلب صفحة تفكيره على الوجه الآخر . إذ لم يكن مالك مقتنعا بنمط التفكير الذي كان يزاوله الإنسان المسلم آنئذ مما جعله يعيد النظر في كيفية التوجه إليه ومخاطبته .

إنالضرورة القصوى التي دفعت مالك إلى التفكير في كيفية بناء مجتمع أفضل هي التي جعلته يبتكر صيغا تعبيرية  ذات قدرة تحليلية وتفسيرية من شأ نها إثارة اهتمام السامع أو القارئ بشكل يلفت انتباهه إلى ما هو ثاو وراء السؤال ووراء السطور .

فعلى سبيل المثال نجده أثناء بحثه عن موقع يليق بالعالم الإسلامي مقارنة بالعالم الغربي يوضح المسألة بالسؤال التالي : ” ما هي إيجابية الرجل المسلم ، والمجتمع المسلم؟”(28)   لكنه يبادر إلى تقديمه بصيغة يراها أوفق وأدق فيقول :” والحق أن بعض التجارب العملية في الوسط الإسلامي قد تدفعنا إلى أن نعكس السؤال ليصبح: لماذا كان هذا الوسط سلبيا؟”(29).

إن الإجابة على السؤالين أو بتعبير أدق على السؤال بصيغتيه تجعلنا نلمس الفرق بينهما كما نستشف مدى إصرار مالك بن نبي على معالجة وضع الفكر الإسلامي من خلال توليد أفكار جديدة كفيلة بحل المشكلات التي يعانيمنها المجتمع الإسلامي .

كما نجده في موضع آخر يحث على إعادة طرح السؤال بطريقة أخرى .فعوض أن نسأل لماذا توجد عناصر فكرية قاتلة في الثقافة الغربية ؟ ينبغي أن يكون سؤالنا على هذه الصورة: لماذا تمتص الطبقة المثقفة في البلاد الإسلامية هذه العناصر ؟(30).

وذلك لرد المشكلات  التي كان يعاني منها العالم الإسلامي في علاقته بالغرب إلى الإنسان المسلم وتحميله مسؤوليتها حتى يكون على بينة من أخطائه ويبادر إلى تجاوزها أوحلها.

تحليله المركبات إلى عناصر جزئية

إن النص المكتوب أدبيا عند مـالك بن نبي يشفر إلى معادلات تركيبية كان لها تأثير إيجابي على الفكر الإسلامي المعاصر في فهم التاريخ والواقع.

. فالحضارة= الإنسان + التراب + الوقت +الفكرة الدينية.

. توجيه الثقافة يتوقف على =المبدأ الأخلاقي + الذوق الجمالي + المنطق العملي + الصناعة.

. والمجتمع هو عبارة عن= عالم الأفكار + عالم الأشخاص + عالم الأشياء.

. والطاقات الاجتماعية أو أساس الفاعلية  =اليد + القلب + العقل.

. وحل مشكلة يتوقف على= توجيه الثقافة + توجيه العمل + توجيه رأس المال.

لقد كانت هذه الصياغات إطارا رتب فيه مالك معلوماته عن الغرب وهيأ منها أمثلة قرأها في ضوء سنن التاريخ الإسلامية.

اعتماده المنحى الجدلي المناظراتي في مساءلة الغرب

حيث عمد إلى عرض مواقف الغرب (خاصة منه المستعمر) وشرحها استنادا إلى مصادرها سواء كانت تصريحات أو مؤتمرات أو أحكام أو مقالات، أو قوانين أو… ومواجهتها بالقضية النقيضة التي هي قضية الإنسان المسلم (أو المُستَعْمَر). وفي هذه المقابلة أو المواجهة يتفرغ مالك بن نبي كلية  لإظهار فجاجة دعوى الغرب باستعمال منهج حجاجي مدجج بأدوات الإلغاء، بحيث يعمد إلى صياغة المواقف في شكل أفكار ومنها ينتقل إلى تحليل أفكار أخرى منضوية تحتها راسما بذلك تصميما توضيحيا يقرب إلى الأفهام حقيقة تلك الأفكار. فيسهل من ثم تقويمها والنظر إليها في ميزان الخطإ والصواب.

إن التحليل التفصيلي للبنية الفكرية في منهج مالك بن نبي لا يكتمل في صيغته الحجاجية إلا بعد أن يعود به أدراجه نحو التركيب ثانية لكي يصوغ منه حكما أو قانونا موضوعيا يدل على فساد الدعوى التي تقدم بها الغرب وصحة القضية التي يدافع عنها ابن المستعمرات.

وأثناء انتقاله من مستوى التحليل إلى مستوى التركيب استفاد مالك من أساليب متنوعة في قراءة الأفكار والظواهر مما يجعلنا نستنتج أن الأفكار في منهجه قد نطقت بلغات عدة لتعبر عن حقيقة واحدة، ولعل منطق القرآن الكريم ومنطق الفقه الإسلامي ومنطق الرياضيات قد مثلوا الدعائم الأساسية المرشدة لمنهجه في توضيح الظواهر التي درسها وخاصة ما تعلق منها بالعلاقات الخفية بين العالم الإسلامي والغرب.

———-

(ü)كلية الآداب والعلوم الإسلامية- جامعة عبد المالكالسعدي – تطوان

1- 2- 3- مالك بن نبي/ الظاهرة القرآنية، ص:63.

4- مالك بن نبي/ الظاهرة القرآنية، ص:67.

5-  مالك بن نبي/ مشكلة الأفكار، ص:41.

6- مالك بن نبي/ شروط النهضة، ص:95.

7- مالك بن نبي/ مشكلة الأفكار، ص:81.

8- مالك بن نبي/ تأملات، ص: 33.

9- مالك بن نبي/ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص:24.

10- مالك بن نبي/ وجهة العالم الإسلامي، ص:117.

11- مالك بن نبي/وجهة العالم الإسلامي، ص:160.

12- 13- مالك بن نبي/ مشكلة الأفكار، ص:123.

14- 15- مالك بن نبي/ في مهب المعركة، ص:168.

16- نفسه ص:162، بتصرف.

17- نفسه، ص:222، بتصرف.

18- نفسه، ص:219-220.

19- 20- مالك بن نبي/ الظاهرة القرآنية، ص:54.

21- نفسه، ص:55.

22- مالك بن نبي/ القضايا الكبرى، ص: 168.

23- مالك بن نبي/ القضايا الكبرى، ص: 169.

24- نفسه، ص:181-182.

25- مالك بن نبي/ مذكرات شاهد القرن، الطالب، ص:99.

26- وهذالا يعارض ما سبق أن ذكرنا من رفضه للغرب باعتباره مصدرا. فمالك استنكر مصدرية الغرب التي تقود إلى التبعية وقبل تلك تدخل في باب الانفتاح أو الاستئناس. انظر في ذلك ما يتعلق بالأفكار الميتة والقاتلة في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.

27- مالك بن نبي/ ميلاد مجتمع، ص:21.

28- 29- مالك بن نبي/فكرة الأفريقية الأسيوية، ص:232-233.

30-  مالك بن نبي/ في مهب المعركة، ص: 179.

د. مهدية العياشي أمنوح

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *