تربع الإنسان على عرش الإبداع (في انتظار الإنسان)


قبل أربعة ملايير سنة من الآن (وهو الزمن الذي يوافق ولادة المجموعة الشمسية)، لم تكن هناك حياة على وجه البسيطة، بل كانت هناك رياح دائمة وجزئيات تتوالد وتنشطر ثم تتجدد من جديد لتتركب ثم بعدها تتبعثر بواسطة الزوابع، الحرارة والأشعة. في هذه المرحلة البدائية تجمعت الجسيمات البدائية حسب قوانين ربانية لا علاقة لها بالصدفة (يطلق عليها العلماء الصدفة السعيدة)، ففي الكيمياء مثلا يوجد حاليا مبدأ يعرف “بمبدأ الاستقرار الفضائي للشحنات” الذي يحث على أن الجزيئات لها تركيب ذري متسلسل مثل (الكاربون، الآزوت والأكسجين) فتكون نماذج ثابتة عند تجمعها وتعتبر اللبنة الأساسية للتكوين الميكانيكي للكائن الحي، إنها الحوامض الأمينية، كما أن هذه المكونات الجوهرية تتجمع فيما بينها لتعطي بدورها السلاسل الأولى للمادة الحية ألا وهي البيبيدات “les peptides”.

وفي خضم هذا التركيب البدائي بدأت تظهر الجزيئات الأولى الآزوتية التي تسمى “البورين Purins”  “األبير يمديينPyrimidins ” والتي تعتبر  الأصل في الإشارات أو البصمات الوراثية.

من هنا ابتدأت مغامرات المادة حيث بدأت ترتقي إلى ما هو أعلى في دوامة حلزونية متصاعدة وبلا رجعة.

الجزيئات الأولى الآزوتية تتحد مع الفوسفات والسكريات، فتتقوى لتعطي نماذج “النيكليوتيد” “Nucléotides”، فتشكل هذه العناصر الأساسية  سلاسل لا منتهية تؤدي إلى تكوين مادة(N.D.A)، وحامض الريبونكلييك Acide Ribonucléique ARN  وحامض “الديزوكس ريبونيكلييك Desoxyribonucléique Acide”  وتطور ذلك خلال الأحقاب الزمنية المترادفة أدى إلى تكوين نماذج كيماوية عضوية ثابتة Biochimiques مستقلة من الخارج بواسطة حوافظ من الخلايا التي تشبه إلى حد كبير بعض البكتريا الأولية.

والحوامض  الأمينية  المستقطبة تلعب دورا مهما في تكوين المادة الحية  التي أعطت المعجزة (تحتوي على شحنة كهربائية عالية) تنجذب إلى جزيئات أزوتية بصورة عفوية. كما أن الحوامض الأقل استقطابا تتجمع مع عائلات أخرى مثل السيتوزين cytosines، هذا التجمع وكما ذكرنا آنفا لاعلاقة له بالصدفة، إنما هو حساب رباني مدقق ويفوق التصور والاستيعاب البشري، لا نعرف كنهه وتركيبه، ولو كانت الصدفة هي التي لعبت دورها في تكوين الحياة على الأرض لا ستلزم ذلك مليون مليار سنة أي مائة ألف مرة أكبر من عمر خلق هذا الكون الذي يقدر ب 75 مليار سنة (لذلك نستبعد عامل الصدفة من هذا الوجود).

قال الله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}.

لقد اكتشف الفلكيون في بداية السبعينات وجود مئآت من الجزيئات المتراكمة والمركبة في السحاب الكوني (السديم) البعدي.

السديم الأول الذي كان على شكل سحب كثيفة باردة يحتوي على سلاسل من الجزيئات استطاعت أن تقاوم الظروف القصوى التي مرت بها الأرض من ذلك الوقت. كما لاننسى أن الشهب تحتوي هي أيضا على مركبات عضوية التي تعطي الحوامض الأمينية عند غطسها في الماء وذلك ما حدث عندما كانت هذه الشهب تقنبل الأرض ولمدة خمس مائة مليون سنة-كما أن أعداد كبيرة من الصخور الكونية سقطت في عمق المحيطات وحررت كل ما كان عالقاً بها من الحزئيات. كما أن المذنبات لعبت أدواراً كبيرة في التطورات الكيماوية لكوكبنا وعند اقترابها من الشمس تمد ذيلا طويلاً من الغازات مما يسمح لها أن تحرر غازات ودقائق عضوية تصل إلى الأرض، وهكذا نعتبر أن المذنبات وطيلة 500 مليون سنة الأولى من عمر الأرض قامت بتسميدها مما ساهم في قيام الحياة عليها وهكذا جاءت هذه الهبة السماوية في الوقت المناسب (بداية الحياة) والمكان المناسب (الأرض)

في سنة1987 وجد “ويليام شوب وبوني باكير Willam schopp et Bonnie M. Paker” من مركز دراسات التطور وأصل الحياة في جامعة كاليفورنيا، عثرا على مستحتات في مغارة أسترالية يرجع تاريخها إلى حوالي 3,5 مليار سنة تشبه البكتريا، أي حوالي مليار سنة من تكوين الأرض، فمن أين أتت هذه البكتريا؟

هذه البكتيريا والجزئيات العضوية البدائية تعتبر من السكان الآوائل لكوكب الأرض وهي كائنات دقيقة تتركب من خلية وحيدة بدأت تتكاثر وتنشطر واستعانت من أجل ذلك بالتمثل الضوئي فبدأت تتفكك جزئيات الماء لتحرر منها الأوكسجين، وعندما تكون الأوكسجين بشكل كثيف شكل طبقة من الأوزون الذي يحفظ الطبقة الجوية العليا ويحمي الأرض من تسرب الأشعة البنفسجية الخطيرة.

إن العلم الحالي عاجز عن شرح كيف تطورت البكتريا وكيف تحولت إلى نباتات وحشرات وحيوانات. كما نعرفه  استلزم انتظار 3 ملايير من السنين لظهور الإنسان حيث كان الكل في انتظاره فتربع على عرش هذا الإبداع.

قال الله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.

د.محمد حمدون

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *