ضوابط في منهجية دراسة دراسة السيرة النبوية


ك- التأكد من مدلولات الألفاظ :

ومن أمثلة ذلك  لفظ “الشورى”، فقد ثبت أنه  ” شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان”(50) في غزوة بدر مثلا، واستشار الصحابة أيضا في مقام الجند وفي موضوع أسرى بدرب، كما استشارهم في الخروج لأحد، وما كان أحدٌ أكثرَ مشورة لأصحابه من النبي “(51).

غير أن بعض الناس حملوا هذه الشورى على معنى الديموقراطية الحادث في ديار المسلمين، فقال أحدهم: ” … ومع أن روح الديموقراطية الحرة بدأت في الزوال، إلا أننا لازلنا نجد في عهد معاوية -لقرب العهد بعصر الرسول – بقية من ذلك الإشعاع الديموقراطي الحر الذي تركه الرسول  في أعماق النفوس”(52).

فهل مثل هذا الكلام يقال مع أن الاختلاف حاصل بين مدلولي كل من الشورى والديموقراطية. إذ “الشورى مصطلح إسلامي لا ينبغي أن يطلق على غير مدلوله الشرعي، كما لا يجوزأن يطلق مدلول الصلاة والزكاة والطهارة إلا على الحالة الشرعية المعلومة من الدين”(53). وحيث يوجد النص فلا شورى، وإنما الطاعة والتسليم.

لـ- التمييز بين أحوال الأفعال الصادرة عنه عليه السلام وعن بعض أصحابه:

لقد مر أن مميزات سيرة النبي  أنها شريعة إسلامية، الالتزام بها واجب، غير أنه ليس كُلُّ ما ورد فيها تشريع. فمما ثبت في السيرة ولا يؤخذ منه تشريع:

1- ما فعله  بحسب طبيعته البشرية مثل أكله  وشربه، مثلما ورد عنه  أنه كان يحب الدباء، فكان “يتتبع الدباء من حوالي القصعة”، كما قال أنس ]، لما قرب إليه  طعام صنعه له خياط(54).

2- ما صدر عنه عليه السلام بحسب تجربته في شتى مناحي الحياة، مما يدخل تحت تصرفه بالسياسة الشرعية باعتباره إماماً ورئيس دولة، لا باعتباره رسولا. من ذلك مثلا ما ذكره ابن هشام عن غزوة بدر أن رسول الله  نزل بأدنى ماء من بدر، قال الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال  : لقد أشرت بالرأي. فنهض رسول الله  ومن معه من الناس…”(55) وفعل ما أشار به عليه الحباب بن المنذر ].

3- ما قام الدليل على أنه خاص به (كزواجه عليه السلام  بأكثر من أربع نساء كما مر، ومثل: “اختصاصه  بخمُس الفيء والغنيمة وباصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها” كما قال السيوطي رحمه الله”(56).

وفي ذلك يقول عمر ] : “إن الله قد خص  في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ: {وما أفاء الله على رسوله منهم -إلى قوله- قدير}، فكانت هذه خالصة لرسول الله  “(57).

وفي الاصطفاء مثلا أخرج البخاري عن أنس ] قال: قدمنا خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها، وكانت عروسا. فاصطفاها النبي   لنفسه، فخرج بها، حتى بلغنا سد الصهباء، فبنى بها رسول الله  “(58). وقد قال محمد بن سيرين رحمه الله : “كان يضرب له -أي للنبي  – بسهم من المسلمين وإن لم يشهد، والصفي يؤخذ له رأساً من الخمس قبل كل شيء”(59) وتؤكد الصديقة عائشة رضي الله عنها ذلك بقولها : “كانت صفية من الصفي”(60).

بقيت الإشارة إلى أن  معرفة الخصائص عند دراسة السيرة يحتمها ” أنه عليه الصلاة والسلام إذا تميز للكافة بما خص به من الأحكام انقطع التشوق إلى التأسي به في ذلك، وثبوت خصلة من خصائصه يمنع من ثبوتها في حق غيره ]”(61).

4- خصوصيات الصحابة من ذلك:

< ما أخرجه البخاري رحمه الله عن المسور بن مخرمة قال: سمعترسول الله  يقول وهو على المنبر: ” إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذَنُ ثم لا آذنُ إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتكم، فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها”(62).

وفي رواية أخرى للبخاري أن رسول الله   قال: “إن فاطمة مني وأنا أتخوف أن تفتن في دينها” ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه قال: حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما، ولكن واله لا تجتمع بنت رسول الله   وبنت عدو الله أبداً”(63) وبنفس المعنى وردت روايات أخرى في البخاري وغيره.

ويمكن أن نستنتج ما يلي:

– أن فاطمة رضي اله عنها يغضبها زواج علي كرم الله وجهه عليها، وإغضابها إغضاب لرسول الله ، وهو -أي إغضابه – كفر في الدين.

– أن رفض الرسول   لم يكن لتعدد الزوجات، بدليل أنه   قال : “وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما”، ولكنه رفض لـ”الجمع بين بنت رسول الله   وبنت عدو الله”. والدليل على تحريم ذلك الجمع أن عليا كرم الله وجهه تزوج، بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، عددا من النساء، وتوفي تاركا وراءه أربع زوجات حرائر على قيد الحياة، ومنهن أمامة بنت أبي العاص بن الربيع القرشية، وقد أوصته فاطمة رضي الله عنها بالزواج بها بعدها.

نخلص إذن إلى أن عدم الجمع بين فاطمة رضي اله عنها وبين غيرها هو من خصوصياتها، ولذلك علق الإمام القسطلاني رحمه الله على الحديث بقوله: “… ولا يبعد أن يكون من خصائصه  أن لا يتزوج على بناته، وهو خاص بفاطمة”(64).

< اعتبار شهادة خزيمة بن ثابت الأنصاري بشهادتين: عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي   أن النبي   ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي  ليقضيه ثمن فرسه: فأسرع رسول الله   المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي   ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله   فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته. فقان النبي   حين سمع نداء الأعرابي فقال: “أو ليس قد ابتعته منك؟”. فقال الأعرابي: لا والله ما بعتكه. فقال النبي : “بلى ابتعته منك”. فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا. فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل نبي  على خزيمة فقال: “بم تشهد؟” فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسول الله  شهادة خزيمة بشهادة رجلين(65).

وقد جاء في تعليق الشيخ التليدي -حفظه الله- في الهامش قوله: “… وفي الحديث فضيلة لخزيمة بن ثابت وخصيصة خصه بها رسول الله …”66.

خاتمة :

لم يكن ما سبق كل الضوابط الواجب مرااتها حين دراسة السيرة النبوية، إذ هناك ضوابط أخرى تحتاج إلى زيادة توضيح وبيان.

فأحد الباحثين مثلا ذكر -من تلك الضوابط- “صدق العاطفة” و”تحديد هدف الكتابة والشريحة المخاطبة بها” و”الاهتمام بتحرير المنهج النبوي في سائر المجالات”… وذكر آخر ضابط “بذل الجهد في جمع الأخبار الواردة في الموضوع الواحد” وضابط وجود “أمور في السيرة النبوية وقع تحديدها قدرا واتفاقا فلا يقاس عليها”… بالإضافة إلى ضوابط أخرى بعضها متضمن فيما ذكرناه(67).

غير أن ما ينبغي التأكيد عليه أن مصادر السيرة النبوية -غير القرآن الكريم وكتب الحديث المتزمة للصحة، والتي لا تعطي الصورة الكاملة لحياة الرسول  في معظمها -هي مصادر فيها الغث والسمين. ومن ثمة لا ينبغي النظر إليها بنفس النظرة ووضعها في مرتبة واحدة : فمنها ما اقتصر صاحبها فيها على الصحيح فقط مثل مغازي موسى بن عقبة ابن أبي عياش، فقد كان الإمام مالك رحمه الله يقول عنه، “عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة”، وفي رواية أخرى أنه قال : “عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصحالمغازي”(68).

ومن مصادر السيرة ما جمع بين الصحيح والضعيف، لكن مع ذكر أسانيد كل رواية، على قاعدة ” من أسند فقد حمل، ومن أرسل فقد تحمل”، مثل صنيع الطبري رحمه الله في تاريخه… وعلى أي فالمطلوب التمييز بين الصحيح والسقيم في تلك المصادر، والله الموفق.

—————-

50 – أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب غزوة بدر، حديث 1779.

51 – أخرجه الترمذي موقوفا على أبي هريرة رضي الله عنه، بصيغة التمريض (يروى…)، وذلك في الجهاد، باب ما جاء في المشورة.

52 – د. عبد الحميد الأنصاري، الشورى وأثرها في الديمقراطية، المكتبة العصرية، بيروت. ط. 3 ص: 14.

53 – باوزير، مرجع سابق، ص: 440.

54 – انظر البخاري، كتاب البيوع، باب الخياط، حديث 2092.

55 – تهذيب سيرة ابن هشام، مرجع سابق، ص: 115. وقد علق باوزير على هذه القصة قائلا أنها “رويت موصولة ومرسلة من طرق كثيرة ولو أن فيها ضعفا، ولكنها قد تتقوى وترتفع عن درجة الضعف إلى درجة الحسن…” (مرجع سابق، ص: 164-165).

56 – الشيخ عبد اله التليدي، تهذيب الخصائص النبوية الكبرى للسيوطي رحمه الله، دار البشائر الإسلامية، بيروت. ط. 2 / 1410، ص: 414.

57 – من حديث طويل أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب فرض الخمس، حديث 3094.

58 – البخاري في المغازي، باب غزوة خيبر، حديث 4211.

59 – أخرجه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في سهم الصفي، حديث 2992.

60 – أخرجه أبو داود في نفس الكتاب والباب السابقين، حديث 2994.

61 – الكلام لأحد فقهاء الشافعية القاضي مجلي بن جميع بن نجا القرشي (ت 0549) في كتابه: “الذخائر” في فقه الشافعية، ذره الحافظ الخيضري الشافعي في: اللفظ المكرم بخصائص النبي المعظم (، تحقيق: مصطفى صميدة، 0دار 0الك0تب العلمية، بيروت. ط.1 / 1417-1997. ص: 16.

62 -البخاري في النكاح، باب ذب الرجل عن ابنته فيالغيرة والإنصاف، حديث 5230.

63 – البخاري في فرض الخمس، باب ما ذكر من درع النبي ( وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه… حديث 3110.

64 – القسطلاني، شهاب الدين أحمد بن محمد، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ضبطه وصححه محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، بيروت. ط.1. 1416-1996، ج 11 ص: 517.

65 – أخرجه أبو داود في الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، حديث 3607.

66 – الشيخ التليدي، مرجع سابق، ص: 441.

67- عبد اللطيف بن محمد الحسن، مقاله القيم : أصول وضابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة”، مجلة البيان الغراء، عدد 147، ذو القعدة 1420، فبراير -مارس 2000.

– د. محمد بن صامل السلمي، مقال : “ضوابط استخراج الدروس والفوائد التربوية من السيرة”، مجلة البيان، عدد 159، ذو القعدة 1421، فبراير 2001.

68- الكلمتان المأثورتان عن مالك رحمه الله من تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني، مطبعة الهند، ط 1327/1 ص 361/10.

إعداد : ذ. حسن لمعنقش

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *