نحو توظيف شمولي للقرآن الكريم


إن المتأمل في أحوال الأمة الإسلامية وما أصابها من إضلالات وانحرافات يلاحظ أن السبب الرئيس فيما حل بها من ضعف وتخلف وانهزام هو تعاملها مع القرآن الكريم، هذا التعامل الذي أصبح سطحيا يكتفى فيه بقراءته واستحضاره في حالات الاحتضار والوفاة وزيارة القبور والتهادي به وتزيين المجالس بآياته والتبرك به، واتخاذه حجابا، دون محاولة النظر فيه وفهمه وتدبر آياته والعمل به حتى ليمكن القول بأن التعامل مع القرآن وتوظيفه ارتبط بمجالات معنية يستعيذ فيها الإنسان بالله تعالى، أما الوعي بالمعاني وإدراك الأحكام، واستحضار القرآن في استجلاء أمراضنا وأدوائنا التي أوصلتنا إلى هذا المستوى، من التخلف الديني والدنيوي : الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والتربوي والسياسي، وتوظيف القرآن لعلاج مشكلاتنا وأزماتنا في هذا الزمن الرديئ. فقد اختفى من نفوسنا وغاب عن عقولناونسيته أمتنا, إنه يكاد يكود معدوما بحكم أننا أصبحنا نطلب العلاج للخروج من النفق من مرجعيات أخرى ومصادر غريبة عن ديننا كالمرجعية الكونية وقرارات وتوصيات المؤتمرات الدولية, لقد انطبق علينا اليوم تفسير الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما حين سئل عن معنى قوله تعالى : {ومنهم أميون لا يعلمون الكتابة إلا أماني}(البقرة : 78). فقال أي : غير عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظا وقراءة بلا فهم لا يدرون ما فيها، وعن قوله تعالى: {إلا أماني} قال :” أي تلاوة لا يعلمون فقه الكتاب, إنما يقتصرون على ما يتلى عليهم”.

– إن واقع المسلمين في التعامل مع القرآن يؤرق ويبعث على الحسرة, بحيث لا تطمئن إلى هذا التعامل والتوظيف ومنهج التأثير في  النفوس، ولا ترتاح إليه العقول, فنحن لم نستفد من ماضينا البعيد في التعرف على أسباب النكوص والانهزام الذي أصاب أمتنا، ولم نعتبرهما حذرنا منه القرآن العظيم ونبه إليه الرسول الكريم في علل وأدواء الأمم السابقة التي أصابها الله تعالى بذنوبها، ولم نأخذ بسننه الاجتماعية المطردة في القرآن بل يمكن القول بأننا لم تتعرف عليها، ولا سبيل إلى التخلص مما أصابنا إلا بالتعرف عليها والإفادة منها لتغيير الواقع وتصحيح المسار.

– لقد أصبح مجتمعنا الإسلامي بمختلف فئاته وشرائحه يعيش أزمة دينية ودنيوية وانفصاما بين حياته الروحية والزمانية، وأن تصحيح هذه الأزمات وهذا الانفصام، ومعالجة إصابات الأمة وأدوائها يفرض العودة الحق إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة وتصحيح التعامل معهما، وتوظيفهما بإنزال الآيات والأحاديث على الوقائع والأحداث، والتعرف على عوامل الأزمات والانفلاتات واستخلاص أسباب التغلب على الأمراض والأدواء، فالقرآن الكريم نظام شامل للحياة ودستور متكامل للبشرية ينظم حياتها ويضبط سلوكها وتصرفاتها.

– وهذا لا يتحقق إلا إذاأعدنا النظر في التعامل مع القرآن الكريم لا بحفظه وتلاوته وتعلمه فقط، ولكن بفهمه وتدبره واستكناه أسراره وتطبيق تعاليمه في مجالات الحياة حتى يصبح كل مسلم يتمثل القرآن في أقواله وأفعاله وسلوكه وأخلاقه عملا يقوله تعالى : {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون}(الأنعام : 155) وقوله عز من قائل : {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه}(القيامة : 18)، وامتثالا لقوله  فيما رواه الشيخان : ” خيركم من تعلم القرآن وعلمه”، وهذا التعامل الوظيفي للقرآن الكريم هو ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم الذين فهموا هذه الحقيقة فأحسنوا التعامل والتوظيف لتعاليم القرآن وأحكامه وأخلاقه حيث كانوا لا ينتقلون من العشر آيات إلى العشر الأخرى، حتى يروا ما فيها من القول والعمل، فصاروا جميعا قرآنا يمشي على الأرض، ورضي الله تعالى عن أم المومنين عائشة حين سئلت عن أخلاق رسول الله  فقالت : ” كان خلقه القرآن “.

– وحتى نحقق أمراً كهذا ينبغي أن نتعامل مع القرآن وما يطرحه من قضايا ويعرضه من أمور معاملة كلية شاملة ونقرأه من المنظور الشمولي المتكامل، لا من النظرة التجزيئية المتقطعة التي تفصل بين مكوناته وصوره وأحكامه.

وكمثال على ضرورة التعامل والتوظيف الشمولي لكتاب الله في خطابنا الديني وتصحيح أحوال الأمة وتنقية عقيدتها نسوق المثال للربط البنيوي بين العبادة الصحيحة وعرض الكون ومظاهره وحقائقه ونفي الشرك عن الله في تأصيل التوحيد وبناء العقيدة، لنقرأ قوله تعالى : {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} (توحيد فيه أمر للناس بالعودة لله)، لكن: {الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، فلا تجعلوا الله أندادا وأنتم تعلمون}(البقرة  : 21 – 22).

فلنُبَصِّر الناس ونحن نريد أن نعمق إيمانهم بالله أن ينظروا في هذه الآية، ومثلها كثير في القرآن، ولننظر نحن إلى طريقة القرآن في توظيف التذكير بعجائب مخلوقات الله وبدائع مصنوعاته ومظاهر  الكون وحقائقه وهو ينفى الشرك والشركاء عنه سبحانه ويؤسس لعقيدة التوحيد التي أصابها اضلال وغبش وانحرافات منذ بداية الرسالات السماوية إلى الخلق.

ولقد تبين للباحثين والدارسين في علاقة المسلمين بالقرآن أن الأمة الإسلامية في تعاملها مع القرآن، تفتقد وسائل الفهم الصحيحة وأدوات التواصل السليمة، اعني غياب المنهج المناسب لأحوالها وظروفها في الفهم والتعامل والتوظيف، ولذا لا بد من وقفة تأمل وتقويم لما نحن فيه، وانتقاء المنهج الصالح الذي يجعل القرآن الكريم حاضرا في حياتنا، لا على مستوى التلاوة والقراءة والحفظ فقط مما يتقيد به، ولا على أنه كتاب عقيدة وعبادات وشريعة وترغيب وترهيب فحسب، ولكن من حيث إنه الكتاب الجامع الشاملللوجود والكون والحياة وحركة العالم…وهو الذي نستطيع من خلاله وعبر آياته ومضامينه ومحتوياته وتوجيهاته وإرشاداته وسننة الكونية ونظمه الاجتماعية أن نعالج ما أصابنا من أزمات علمية وثقافية وحضارية.

وهذا يعني ضرورة البحث الجاد – في سياق التجديد الذي هو سنة من سنن الإسلام -وعبر دراسات ولقاءات- عن الأسلوب الأمثل للتعامل مع القرآن وتوظيفه في خطابنا الديني وعظا كان أو إرشادا أو خطبة أو حديثا… بما ييسر وضع تصور منهجي ومقاربة جديدة لفهمه واستيعاب أسراره وحضوره معنا، منهجية تعتمد التراث الإسلامي ومناهج فهم السلف له مع الاستفادة من الثقافة الإسلامية المعاصرة، والمناهج العلمية السليمة وتوظيفه بما يضمن التصحيح والتغيير لأحوال الأمة، ويساعد على ربط حياة المسلم في مختلف مناحيها بالقرآن، وإبعاد ظاهرة الانفصام بين الفرد والمجتمع والأمة وبين القرآن.

إن هذه المنهجية والتوظيف بهذا الشكل سيساهم في استثمار القرآن في إصلاح أحوال الأمة الإسلامية، وسيعيد للإنسان المسلم بخاصة وعيه بحقيقة الإسلام وكتابه وأهميته في حياته وأملاً في استجلاء المنهج الذي نفتقده، منهج يقوم على الفهم والتدبر والتأثر والاستجابة والعمل : {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته}(ص : 28)، {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}(الزخرف : 43) لنكون في مستوى أمة القرآن تعيش عصرها وتحقق الشهود الحضاري وتتخلص من أزماتها وأدوائها ؛ ينظم المجلس العلمي المحلي لفاس هذا اللقاء الثقافي الذي يؤطره علماء أجلاء ودكاترة مبرزون استشرافًا للمنهج الذي يجب توظيفه في التعامل مع الكتاب والسنة أيضا وعلى الله قصد السبيل.

والســـــلام

ذ.عبد الحي عمور

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *