منهجية توظيف السنة في الخطب الدينية والوعظ والإرشاد


قبل الدخول في الحديث عن منهجية توظيف السنة في الخطب الدينية ودروس الوعظ والإرشاد أحب أن أشير أولا إلى أن هناك منهجية السنة نفسها في الخطب والمواعظ وهي المنهجية التي كان الرسول  يتبعها في خطبه ومواعظه، وهي منهجية جديرة بالدراسة والتحليل والبحث والتنقيب. إلا أن الذي يعنينا في هذه الندوة وفي هذا العرض بالذات هو المنهجية التي ينبغي للخطيب والواعظ اتباعها في توظيف السنة النبوية التي تركها رسول الله  وراءه بعد وفاته، كيف يتعامل معها الخطباء والوعاظ وكيف يستفيدون منها في خطبهم ومواعظهم؟ ماذا يختارون وماذا يدعون؟ لتوفير فرص النجاح والاحترام لأنفسهم وخطبهم ومواعظهم. وقبل الإجابة على ذلك يجب التذكير بأهمية الخطبة والموعظة، وبالغاية المنتظرة منها وبالهدف المرجو تحقيقه بهما.

في أهمية الخطابة

فالخطابة فن قديم من فنونالكلام، عرفه الانسان منذ شعر بحاجته إلى تبليغ أفكاره لغيره، والدفاع عنها أمامه لإقناعه بحسن نظره، وصواب رأيه، أو حث مخاطبه على اعتناق مذهبه، واتباع سبيله، أو تسفيه مقالة خصمه ودحض حجته.

ومنذ ذلك الحين والخطابة سلاح في يد الخطباء من مختلف الأمم والشعوب، وفي شتى البلاد والأوطان، يدافعون بها عن مواقفهم وآرائهم بكل اللغات واللهجات، وفي كل المناسبات التي يجدون فيها أنفسهم في حاجة إلى استعمال هذا السلاح وإشهاره في وجوه خصومهم في مختلف المجالات السياسية والدينية والاجتماعية وغيرها من المجالات التي يحتك فيها الإنسان بأخيه الإنسان، فيضطر لإقناعه برأيه وإخضاعه لمذهبه، إلى أن جاء الإسلام فرفع من مكانة الخطبة وأعلى شأنها، وأوجب على المسلمين السعي إليها والانصات لسماعها، والإقبال على الخطيب عند إلقائها، ونهى عن كل ما من شأنه أن يشغل عنها فقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}(الجمعة)، وقال في سورة الأعراف : {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}، وقال  : >إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت….<. وإحاطتها بهالة كبيرة من السمو والقدسية الدينية وربطها بأقدس الأماكن والأوقات، يوم الجمعة خير يوم طلعت فيه الشمس، ويوم عرفة وأيام العيد وهي من أفضل الأيام وأشرفها عند الله، والمساجد التي تلقى فيها أحب بقاع الأرض إلى الله، كما قال  : >وعرفة جبل الرحمة<.

كما اعتبرها فريضة من فرائض الدين وشعيرة أساسية من شعائره في الجُمَع والأعياد ومناسك الحج، تتعدد بتعددها وتدوم بدوامها، حرصا منه على بقائها منبرا خالدا للدعوة، ومدرسة دائمة للتربية والتعليم، ومركزا مستمرا لإعداد الأمة وتكوين الأجيال، وقلعة حصينة للدفاع عن الحق ونصرته والتعريف به، ولسانا صادقا لنشره والتبشير به، ومحطة للإعلام النظيف الشريف الملتزم الهادف، وفرصة سانحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولتحقيق هذه الأهداف وبلوغ هذه الغايات والوصول إلى النتائج المرجوة من الخطبة يجب على الخطيب :

واجب الخطيب نحو الخطبة

> أولا : أن يعرف أن هذه المكانة الرفيعة والمنزلة السامية التي تتمتع بها الخطبة في الإسلام تنعكس آثارها عليه وعلى خطبته، فالمصلون ينظرون إليه بعين الاحترام والتقدير، يثقون به فيما يقوله لهم ويصدقونه فيما يسمعونه منه من أحكام وما يقدمه لهم من نصائح دينية وأخبار غيبية أخروية وأحاديث نبوية. لذلك عليه أن يتخير من أحاديث الرسول  ومن سيرته ومواقفه الخالدة في الحرب والسلم، ومن سنة أصحابه ومواقفهم ما يخدم تلك الأهداف وما يضمن تحسيس المسلمين بحقوقهم وواجباتهم ويوجههم لما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وما يصلح لهم دينهم ودنياهم، يرغبهم في طاعة الله ويحذرهم من معصيته، ويخوفهم من عذابه ويشوقهم لجنته ونعيمه بغية تحصين المجتمع الإسلامي من عوامل الهدم، وحمايته من دواعي التفسخ والانحلال، حتى يبقى مجتمعا وفيا لدينه مخلصا لعقيدته متمسكا بشريعته متخلقا بأخلاقه محافظا على شخصيته الاسلامية التي ورثها عن آبائه وأجداده، معتزا بهويته الدينية، لا يخشى عليه التنكر لها، أو الانسلاخ منها والارتماء في أحضان غيرها، في يوم من الأيام أو لسبب من الأسباب، مجتمعا قادرا على البقاء والدفاع عن نفسه، يستطيع الصمود في وجه زوابع الالحاد وعواصف التبشير وأعاصير العلمنة التي تهب على الإسلام بكل قوة، ومن كل جهة من الداخل والخارج، ومن الأهل والأعداء، وبتنسيق محكم وتعاون تام وتحالف سري وعلني بين كل الشياطين؛ كل يريد استئصاله واقتلاعه من جذوره أو على الأقل إسكاته أو التشكيك فيه والنيل منه وبوسائل رهيبة فوق طاقتنا لا نملك أمامها حولا ولا قوة إلاقوة الإيمان بالله، وقوة الصبر على دينه التي أشار لها الرسول  في حديث القابض على دينه كالقابض على الجمر، ولا سبيل لزرع ذلك الإيمان في القلوب وغرس ذلك الصبر في النفوس وقيام مجتمع قوي محصن بذلك الإيمان، إلا بالتذكير بأمجاد الإسلام ومواقف المسملين وتضحياتهم في سبيل نصرة دينهم، لذلك نلح على اختيار مثل هذه الأحاديث والمواقف وتوظيفها في الخطب والمواعظ وباستمرار وإصرار حتى توتي ثمارها وتحقق أهدافها.

> ثانيا : كما يستحسن أو يتعين الاعتماد في ذلك على الأحاديث الصحيحة والروايات المقبولة والأخبار الموثوقة لأن المقصود من الخطب والمواعظ نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة وخلق وعي ديني عام وشامل وبمواصفات إسلامية صحيحة تعكس صفاء الإسلام وروعته وجلاله، إسلام لا مكان فيه للشعوذة والخرافات، ولا مجال فيه للبدع والأهواء والضلالات.

وذلك لا يتحقق إلا بالتركيز على السنة الصحيحة التي تمثل الإسلام الصادق والصحيح كما جاء به الرسول ، الإسلام الذي لا يقبل الضعف والهوان، ولا يعرف الهزيمة والاستسلام، ولا يسمح لأحد بتخريبه والالتفاف عليه وتدجينه باسم الإصلاح أو التجديد أو غيرهما من الشعارات الكاذبة التي يختفي وراءها خصوم الإسلام وأعداؤه في الداخل والخارج.

> ثالثا : تجنب الأحاديث الضعيفة والموضوعة والشاذة وخاصة الإسرائليات التي يلجأ إليها البعض تهاونا وتقصيرا أو تساهلا أو لما يجده فيها من غرائب الأخبار التي تشد إليه الأنظار أو لما فيها من عظيم الأجر وجزيل الثواب، أو شديد العذاب وأنواع العقاب أو استرضاء لجمهور الحاضرين أو تحقيقا لرغبة المسؤولين، وهي في كل الحالات لا تمثل الوجه الصحيح للإسلام ولا تقدم الصورة الحقيقية له ولا تعبر عن مواقفه وآرائه في القضايا التي تتناولها، وقد تتعارض مع أصوله ومبادئه ولا تخدم هدفا ولا تحقق غرضا ولا تبني مجتمعا قوياومنيعا، وسليما. فالمجتمع الذي يقوم على أسس ضعيفة ومبادئ خاطئة سرعان ما ينهار عند أول ضربة تصيبه، والمجتمع الذي يقوم على الأفكار الشاذة مؤسسة على أحاديث شاذة يكون مرتعا للشذوذ والتطرف.

ولذلك حرم العلماء رواية الأحاديث الموضوعة إلا مع التنبيه على وضعها، ولم يبيحوا العمل بالأحاديث الضعيفة إلا بشروط خاصة.

> رابعا : التعامل بحكمة وحذر مع أحاديث الوعد والوعيد وخاصة ما جاء منها بلفظ العموم في مكان التقييد، والتفكير في مآلاتها وما يمكن أن يترتب عن إطلاقها وسوء فهمها خاصة وأن غالب رواد المساجد أميون أو ضعيفو الثقافة الإسلامية، فقد يحملهم سماع بعض أحاديث الوعد على التواكل والاتكال، وترك العمل والتعلق بالآمال كما نسمع كثيرا من العصاة والمنحرفين يرددون قوله تعالى : {إن الله غفور رحيم} ويرفعونه شعاراً يحتمون به ويتسترون وراءه، وقد كان أصحاب رسول الله  يحتاطون في تبليغ مثل هذه الأحاديث وروايتها للناس، فهذا عبادة بن الصامت ] سمع من رسول الله  أحدايث كثيرة بلغها في حياته وصحته إلا حديثا واحدا لم يحدث به إلا في آخر حياته حين أدركته الوفاة.

روى الترمذي عن عبادة أنه قال : والله مامن حديث سمعته من رسول الله  لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثا واحدا، وسأحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله  يقول : من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار<.

وقد وجد في بيت مالك بعد وفاته صناديق مملوءة بالأحاديث لم يحدث في حياته بواحد منها.

> خامسا : رفعا للغموض الذي يلف بعض الأحاديث المجملة أو المؤولة أو الغريبة وحرصا على تبليغ المعلومة الصحيحة، ينبغي للخطيب الاشارة -ولو بإيجاز- إلى المعنى المراد بالحديث عند ذكره حتى لا يبقى السامع في حيرة من أمره أو يفهمه على غير وجهه أو يحمل على غير ظاهره فيهلك أو يهلك، مثل حديث >العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقدكفر<، وحديث >أنت ومالك لأبيك<.

> سادسا : تجنب الأحاديث المنسوخة وأحاديث الرخص الخاصة إلا إذا دعت الضرورة لذلك مع وجوب التنبيه على نسخها وخصوصيتها.

د.محمد التاويل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *