منهجية توظيف القرآن الكريم في الإرشاد الديني


إن عظمة الكتاب هي أوسع من أن تتناوله الأفكار، أو تنطق بما يدل عليه الألسنة.

ما كان الدين الاسلامي ليختص بطائفة معينة، أو نخبة من الناس مختارة، كما اختصت بها اليهودية من قحطان يلوون ألسنتهم بالتوراة وما هي بالتوراة، وإنما هي أسفار وصل معظمها التحريفُ.

فالرسول ، جعله الله منهاجا بشريا ملموسا، الكل يتلمس منه شؤون الحياة سلوكا وطبيعة، وما جعله الله للناس إسوة حنسة إلا ليكون عبر الأزمان، منهاجا واضحا للعيان، ومن أجل هذا، أخذ أئمة الإسلام الأسوة بجميع ملابساتها، وكافة جوانبها، حتى تكامل في قلوبهم وفي نفوسهم وعقولهم من شخص رسول الله  مثلهم الأعلى ومقامهم الأكمل، دون أن يتعدى  عندهم عتبة الحدوث، فمن مقتضى الأسوة الحسنة والقدوة المرضية تلقى علماء الأمة الإسلامية من رسول الله  مهمة التبليغ وورثوا عنه أمانة الدعوة القائمة على الحق، فنشروها بين الناس في مختلف الأجيال، بكل إخلاص وصدق، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، وما انحرف الخلف عن نهج السلف انحرافا شديدا أو قليلا {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}.

غير أن السلسلة ما بقيت حلقاتها متصلة، وما انفرطت حلقاتها إلا عن تقصيرالمبلغين وتفريط الداعين. أما الكتاب والسنة فأصالتهما باقية،وقداستهما دائمة، ودلالتهما ظاهرة، يسهل ورودها على المتعطشين، ويتيسر بها رفع الحرج الفكري عن الحائرين.

إن قيم الوحي من الكتاب والسنة دفاق على الدوام، ومعينهما راو لكافة الأفهام، ومما قاله  في القرآن خاصة “من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم” هذا القرآن منهاج لمعالجة المفاهيم الفطرية في الإنسان.

إن العقل البشري الحادث، يستحيل عليه أن يغوص في مدلولات القرآن بكاملها، لذلك كانت مدلولات القرآن مع اللفظ الدال الذي هو معجز وهو متعبد بتلاوته، كان أوسع من تدبير العقل، ومع اتساع الوحي كله، ومع شموله وعظمته، أودعه الله تبارك وتعالى في قلب رسوله، لا ليحل ما هو قديم فيما هو حادث، بل ليبقى القديم على قدمه لا حلول ولا مكان، وليبقى الحادث على حدوثه مقيدا بالمحدود وبالمكان، وإنما هو نور يقذفه الله في قلب نبيه وسر من أسراره يُجليه سبحانه لرسوله. {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا  نهدي به من نشاء من عبادنا}.

ومن نفحات ذلك النور، تستقر ومضات ذلك الضياء في قلوب المؤمنين عموما وصدور العلماء منه على وجه الخصوص {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم}.

هذا القرآن هو الذي أحيى الإنسان بعدما كان جانبه الحيواني طاغيا عليه.

إن الإنسان من حيث هو إنسان قد ركز الله فيه معارف ثلاثة : معارف عقلية ومعارف حسية ومعارف قلبية.

أولا : المنهاج العقلي :

له عدة دواع لأنه يرجع إلى التفكير والتدبير وإلى التمعن ولذلك نطاقه واسع، لا بد أن القرآن قد عالجه بشكل لم يمكن لأي أحد أن يدرك منه القليل أو الكثير، كلما  توجه الإنسان بعقله إلى القرآن وجده ينبوعا متفجرا، زلالا يستقي منه بما يكتفي، لذلك كانت دواعي هذا الجانب، ومنهاجه القرآني يتوفر على الكثير الكثير، من الضروب، منها ضرب المثل {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} والله تعالى بين لنا أن المثل لا يضربه إلا ليحصل التفكر والتدبر في الإنسان.

أما الأمر الثاني الذي له صلة بالعقل هو القصص، يذكر الله تعالى القصص في القرآن ليزود العقل باليقظة وليكون في أمره على بينة، ولذلك أتانا بما نتعظ به، ونكون مرشَدين إلى  الهدى والحق {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} {فأقصص القصص لعلهم يتفكرون} والداعي الجليل من دواعي العقل لتحقيق سلامة وإصلاح الفكرة هو البرهان، لو تتبعنا كل القرآن لوجدنا القرآن يثير في عقولنا التساؤل، وينبهنا إلى الوسائل التي بها نصل إلى النتيجة.

جازى الله علماء الإسلام اتخذوا علوم الآلة ، ونصبوا منها ما هو عقلي وما هو لساني، واتسع نطاقه، سيدي أحمد بن الخياط شيخ الإسلام، قال إن علوم القرآن قد بلغت خمسة عشر علما، بقطع النظر عن علوم القرآن الخاصة الناسخ والمنسوخ، مكيه ومدنيه إلى غير ذلك.

البرهان في القرآن كثير، وحقيقة كم وقفت أمام هذا الجانب العقلي في القرآن فمثلا يُروج المناطقة الأقيسة الأربعة، ونحن نجدها بكاملها في القرآن، فمثلا يقول الله تبارك وتعالى  في سورة الأعراف {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا} هذه مقدمة صغرى لقياس من الشكل الأول، نقول نحن على لسان المشركين، يقولون : الفاحشة وجدنا عليها آباءنا. المقدمة الكبرى، وما وجدنا عليه آباءنا هو حق يجب أن يتمسك به، فتكون النتيجة بعد حذف الحد الوسط، الفاحشة حق يجب أن نتمسك به.

والمجال واسع في مسألة الفكر العقلي في القرآن، ولذلك أهيب بالأساتذة، بالخطباء، بالوعاظ، بالأئمة أن يكون لهم التفاتهم إلى القرآن مع الزاد الذي يصلح اللسان، ويصلح الأذهان، ولا نترك تراثنا، ونأخذ ما هو جديد بأساليب قد تكون ضعيفة، بل لنجدد على أساس أن نتصرف فيما بين أيدينا من تراث، تصرفا يتلاءم مع الاتجاهات والمحدثات، لأن القرآن يتسع لعلاج جميع المستحدثات.

ثانيا : المنهاج الحسي : المعرفة الحسية

فالقرآن عام، لمخاطبة الحواس، عينا وأذنا ويدا ورجلا، جميع الجوارح، وأجل ما يمكن أن نقول هو أن القرآن سلك مسالك الحس ليصل العقل من ورائه إلى الاقتناع، فالله تبارك وتعالى قال : {وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما  توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}.

هذا الجانب الحسي الذي بني على الحس، اتخذه الأنبياء في هدوء ومخاطبة تمزج بين الحس وبين العقل، {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي، فلما أفل قال لإن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى  الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون} {قالوا من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال. فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} هكذا ينبغي أن نستعمل الحواس لأنها هي الطريق الأقوى، ليطمئن القلب وليرتاح العقل، ولذلك كانت المعارف القلبية هي وجدانات وانفعالات تأتي لتحقيق الاطمئنان ولوجود الأمان.

ولذلك فالمعارف العقلية أمرها راجع إلى الحب والحنان، والبركة والعطف، والخير واليمن كله، وقد جسده الله تبارك وتعالى في سيدنا محمد[ بأن نسب له الخلق بإنَّ المؤكِّدة وباللام وبوصف الخلق بالعظمة، الذي هو خلقه، فقال سبحانه {وإنك لعلى خلق عظيم} أضف إلى ذلك أن إرساله حصره سبحانه بالاستثناء المكرر في الرحمة فقال {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فهذا الاستثناء المكرر، هو إما من أعم الأحوال، أي ما أرسلناك وأنت تبلغ الرسالة على أية حالة ظاهرة عليك إلا حالة الرحمة، أو هو من أعم الصفات، وما أرسلناك على أية صفة ظاهرة منك وأنت تؤدي الرسالة إلا على صفة الرحمة.

ثالثا : المعارف القلبية

لو أردت استعراض نماذج من المعارف القلبية من كتاب الله عز وجل لطال بي المقام، لقد اجتمعت هذه الجوانب الثلاثة في قوله تبارك وتعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}(الحس والفؤاد) {وجادلهم بالتي هي أحسن}(هذا هو المنهج) ولذلك إن هذه الدورة، وإن هذه الثلة المباركة من علماء وأساتذة وخطباء، وأئمة، يحملون أمانة القرآن، ويحملون أمانة السنة، وهي أمانة جليلة، إذا كان الله قد قال {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} فنحن قد حملناها على كل حال. ولكنني أريد أن أؤكد وأناشد أن يقوم الكل بأمانته، وأن يؤدي الجميع مهمته وأن يكون الإنسان مكرما كما أراد الله له أن يكون مكرما.

العلامة محمد بن حماد الصقلي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *