خطبة منبرية – سوء الظن بالله!!


> عباد الله : يا من يقرأ القرآن الكريم، أو ينصت إليه ويصْغي، ويتدبر المعاني، هل تساءلت يوما : لماذا كثرت الآيات القرآنية التي تخبر عن الله عزوجل بأنه يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بكل شيء، وأنه سميع بصير، وأنه يسمع ويرى، وأنه معنا أينما كنا، وأنه لا يضل ولا ينسى، وأنه يحصي كل شيء، وأن ملائكته يكتبون كل أعمال المكلفين، وأنه ينبِّئ عباده يوم يرجعون إليه بكل أعمالهم وأقوالهم سواء كانت مثل الذرة أو أكثر منها أو أقل!

يا أيها العبد الغافل مثلي، إنك حينما تقبل على معصية وتحسب أن أحدا لا يراك، أو أن الناس منشغلون عنك، فهل اختفيت عن الزمان والمكان؟ هل غبت عن كل إنس وجان، هل تسترت عن الجماد والنبات والحيوان! هل احتجبت عن ملائكة الرحمان! هل تجردت من جوارحك أيها الإنسان! لو استطعت كل ذلك لما خفي منك شيء على مالك الزمان والمكان، سبحانه وتعالى، فأنى يذهب بك يا غافل يا تيْهان!

كم من مرة قـــــرأت وسمعت قـــــوله سبحانه :{وهو معكم أينما كنتم} فكيف فهمت معية الله لك؟ هل فهمتها بالحماية من المكروه، والتأييد والنصرة، والتخليص من كل مأزق، وإجابة الدعاء، نعم، قد تكون معية الله لك كذلك إن كنت تذكر الله سبحانه عند كل أمر، وتستحيي أن تفعل ما يكره، أو أن تكون في حال لا يقبلها.

لكن ألا تكون معية الله عليك بالحجة والشهادة، والنسيان أو الحرب أو الإهمال والاستدراج ثم الأخذ المباغتُ المدمر أو التأخير إلى يوم الخزي الكبيرإذا كنت وقحا مقيتا، خلعت الحياء، ولبست رداء الأنانية والشهوات! ألم يقل الله عزوجل : {وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير} ومعناه رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم، من بر و بحر في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، يسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم. ألم يقل رسول الله  : >إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت<(تفسير ابن كثير 305/4). وكان الإمام أحمد ] ينشد هذين البيتين :

إذا ما خلوت الدهر يوما، فلا تقل

خلوت، ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة

ولا أن ما تُخفي عليه يغيب

عباد الله : هل تفقهتم في قول الله تعالى : {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}؟ لنستمع إلى عبد الله بن عباس ] يفقهنا في معنى هذه الآية : يقول ] : هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ود لو اطلع على فرجها (ابن كثير 4/77). وقال أيضا : يعلم الله تعالى من العين في نظرها، هل تريد الخيانة أم لا ؟ وقال أيضا : يعلم الله سبحانه إذا أنت قدِِرت عليها، هل تزني بها أم لا!

وكم مرة قرأنا وسمعنا قوله سبحانه : {ألم يعلم بأن الله يرى} ونقول : إنها نزلت في الكافر أبي جهل، نعم إنها نزلت في الكافر أبي جهل الذي كان يمنع رسول الله من الصلاة والعبادة عند البيت، ولكن ألا تشمل كل من يمنع المومنين من العبادة، وينهاهم عن الطاعة، ويفتنهم عن التوبة، ويَؤُزُّهُم إلى المعاصي والمنكرات. فالعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقد حذف المفعول به ليعم كل آمر بالمنكروكل ناه عن المعروف، وكل متوعِّد للمومنين بالتخويف والترهيب. فكل من نهى عن طاعة الله فهو شريك أبى جهل في هذا الوعيد.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك! آمين.

*******

عباد الله : إن فاعل المنكر، إما أن يكون مكرها عليه مغلوبا، يفعله وهو خائف من الله، فهذا يرفع عنه إثم المؤاخذة والعقاب بقوله  : > رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه<. وإما أن يكون غافلا ناسيا، فسيحاسب على غفلته عن الله، وسيعاقب على نسيانه أمانته وعهده، قال تعالى : {نسوا الله فنسيهم. إن المنافقين هم الفاسقون}.

وإما أن يكون عارفا بمراقبة الله إياه، ويتعمد التهاون في حق الله، ويسرف في إهمال الحذر من غضب الله وعذابه، فهذا أنزل نفسه منزلة المقت والإهانة، {ومن يهن الله فلا مكرم له}

وإما أن يكون معاندا مكابرا، مجاهرا محادا لله عزوجل ورسوله، فهذا قد عرض نفسه للهلاك لا محالة، ورشحه -إن لم يتب- للعذاب الأليم يوم القيامة. قال تعالى : {إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم. وقد أنزلنا آيات بينات، وللكافرين عذاب مهين يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا. أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد.}

> عباد الله : يخطئ من يتعامل مع الله بنفس الطريقة التي كان يتعامل بها مع الناس، فالناس يمكن أن يلهيهم عنه، ويمكن أن يحتال عليهم، ويمكن أن يكذب عليهم فلا يعرفون كذبه، والله سبحانه وتعالى منزه عن كل ذلك، فالقياس باطل وفاسد، للفوارق الكثيرة، فهو سبحانه {يعلم السر وأخفى}

قال سبحانه في من يتحيل في فعل المنكر، ويمكر في مواجهة الحق : {لقد جئناكم بالحق، ولكن أكثركم للحق كارهون. أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون.أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، بلى ورسلنا لديهم يكتبون}.

ولو فكر كل إنسان أقبل على منكر، وعزم على معصية في قول الله تعالى : {ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتُهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} لو تدبرها لحجم عن المعصية، ولاضطرب قلبه وارتعدت جوارحه، فكيف حال المذنب الآثم الواقف بين يدي الله عز وجل وقد أحاط به أنواع من المخلوقات كلهم جاءوا ليشهدوا عليه، منهم الملائكة، ومنهم الإنس، وقد يكونون من الأقربين، ومنهم الجن، ومنهم الحيوان والنبات، ومنهم الجمادات، ومنهم جوارحه وجلده، ومنهم الرسل والأنبياء، ثم الله شهيد على كل ذلك! فمن يدافع عنه، ومن يجادل عنه، وهل يطعن فيهم جميعا، وهل تقبل معذرته؟ وهل تكون له فرصة للتوبة والإنابة؟ هيهات هيهات! وهل يُرحم ضعفُه آنذاك! هيهات. وهل تنفعه مسكنته يومئذ! كلا وألف كلا. إن الذي يحظى بعفو الله، وتتداركه رحمة الله، هو الذي لم يكن معاندا مكابرا، هو الذي كان يذكر ربه آناء الليل وأطراف النهار، هو الذي كان ينبهه إيمانه، ويرشده علمه، ويمنعه من المنكرات حياؤه. هو الذي يبكي ويحزن ويمرض إذا وقع في معصية دون قصد ولا تخطيط، هو الذي كان يكثر التوبة مما عمل من ذنوبه ومما لم يعلم منها.

أما الذي كان يظن أن الله لا يعلم به أو لا يراه، أو لا يقدر عليه، أو أنه سبحانه ينسى، أو أنه لا يرجع إليه، أو أن الله يغفر له مهما فعل من الآثام دون توبة وإصلاح، أو كان يشك في البعث أو في الحساب أو الجزاء، فإن هذا سيفاجأ بالحقيقة المرة، ولا تقبل معذرته، ولا يُسْتَعْتَب، لأنه كان يظن سوء الظن بربه، قال تعالى : {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين. فإن يصبروا فالنار مثوى لهم. وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين.}

اللهم حل بيننا وبين قرناء السوء الذين يزينون لنا ما يكرهه الله ورسوله والمومنون. وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة والتابعين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أ. د. محمد أبياط

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *