كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟!


تعاني الأمة اليوم كثيرا من الانعكاسات السلبية لواقعها المتردي، فقد توالت عليها الأزمة تلو الأزمة، والخيبة إثر الخيبة، بعد أن باءت معظم مشاريعها الإصلاحية بالفشل في معظم الواجهات، ونتيجة لذلك ساد التذمر وعم التشاؤم أو كاد، وإن كان الأمل لم ينقطع، والتعلق ببصيص من نور الانعتاق وتجاوز الأزمة لم يخْبُ بصفة نهائية.

ولعل ذلك ما ينبغي أن يدفع النخب المسؤولة والفئات الواعية إلى الانكباب على واقع الأمة وتحليله واستخلاص العبر والدروس، واقتراح الحلول التي تعيد إلى مجتمعاتها شيئا من الاطمئنان، وتدفع بروح التذمر والتشاؤم بعيدا لتحل محلها الابتسامة، ويعم الوئام والود بدل الفرقة والتناحر والصراع والانشغال بما لا ينفع، ولعل ذلك من شأنه أن يدفع بالمجتمعات وهيئاتها الفاعلة إلى استعادة هويتها بعد أن غدت هدفا لكل ما يزعزع ثقتها بالنفس، وغدا الكل متهما إلى أن تثبت براءته، وربما ظل كذلك حتى لو ثبتت براءته.

ولا شك أن الأسباب التي كانت وراء هذا الواقع المرير المتردي، شكلت عاملا من عوامل الإحباط الكثيرة والمتنوعة، والتي تراكمت جيلا بعد جيل، منها ما هو داخلي، ومنها ما هو خارجي، ولا يمكن تغيير هذا الواقع بما هو أفضل منه إلا بالمعالجة العلمية المنهجية لتلك الأسباب، بروح إيمانية عالية وغيرة وطنية خالصة وقومية صادقة ودينية سامية تساعد على تثبيت مقومات الهوية في النفوس لإعدادها للمجاهدة بعد تشخيص المرض وتتبع عوارضه لاستئصاله أو التخفيف منها بالتدريج على الأقل.

لن نبحث أو نتساءل عن المسؤول عن هذه الخيبة المريرة، وهذا الفشل الذريع، لأننا لن نجد أحدا يعترف ولو بجزء من المسؤولية، أو بنصيب من التبعة، وهذا ما يجعل المثل القائل: كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟! ينطبق علينا في هذه الحال إلى حد بعيد.

من الحكايات المأثورة عن سلطان العلماء العز بن عبد السلام، أنه لاحظ يوما أن جميع تلامذته يبكون، وكان واحد منهم قد افتقد مصحفه، فعجب من ذلك وتساءل باستغراب: كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟!

ونسوق هذه الحكاية الطريفة على بساطتها، كما ساقها المفكر العربي الكبير المرحوم أحمد محمد جمال(1)، لأنها تنطبق على واقع المسلمين اليوم في عدة مجالات، ضربنا فيها الرقم القياسي في الاندحار والخيبة، فقد عم الفساد، وساد الفشل، وتزايدت الشكوى… وخابت آمال الأجيال أو كادت، وانتهت معظم مشاريع الإصلاح إلى التعثر، وظهر عليها التهافت، وضعفت الثقة في النجاة شرقا وغربا، ولكن لا أحد يعترف بأنه المسؤول، أو بأنه يتحمل على الأقل جزءا ولو طفيفا مما آل إليه الوضع العام في مختلف المجالات.

ولو أردنا تشخيص هذا الواقع، وتتبع تجلياته السلبية، وتحديد مظاهر الفساد فيه لتأكد لنا أن الفساد قد عم الكون كله أو كاد و “أن المجتمع الإسلامي بلغ من ( العبث ) درجة انعدم فيها الرابط والضابط، واستوى السائل والمسؤول، واختلط الحابل بالنابل، حتى أصبحوا كلهم يبكون، وكلهم سرق المصحف”، بل كلهم ضَيَّعه فهانوا، بل فقدوا هويتهم، فإذا نظرت إلى لباسهم، أو عاداتهم وتقاليدهم، أو معاملاتهم، أو أنماط حياتهم، أو مناهج تعليمهم، أو حمولات إعلامهم، و المجالات كثيرة، لحسبت نفسك في بلد غربي، لا فرق بين شرق وغرب، ولا فضل لزيد على عمرو إلا على نطاق ضيق جدا.

و يعمم المرحوم الأستاذ أحمد محمد جمال هذه الظاهرة على بلاد المسلمين كافة، كما يعممها على معظم مجالات الحياة.

لقد خاطب المفكر أحمد جمال شباب الأمة، باعتبارهم عماد المستقبل وأمله بقوله:

” والمسلمون اليوم أيها الإخوة ….. كلهم يبكون، فمن سرق المصحف؟!

الزعامات تشكو من رعاياها، والرعايا تشتكي من زعاماتها!

الرئيس يشكو من موظفيه، و الموظفون يشتكون من رئيسهم!

المعلمون يتضايقون بطلابهم، و الطلاب يسأمون من معلميهم!

….

الآباء والأمهات يشكون من الأولاد: جُهْداً في التربية والتعليم، وسوءا في المعاملة والجزاء، والأولاد يسخطون رقابة آبائهم وأمهاتهم على سلوكهم، وحزمهم في معاملتهم، وحرصهم على نجاحهم…

كلهم يبكي، فمن سرق المصحف؟! من المخطئ منهم ومن المصيب؟ أو من الظالم فيهم ومن المظلوم؟!”(2)

فمتى وكيف نتجاوز أزماتنا الداخلية والخارجية ونستعيد بريق الأمل؟.

د. علي لغزيوي

—————–

1- حديث مع الشباب: كلهم يبكي فمن سرق المصحف: أحمد محمد جمال/ مجلة الوعي الإسلامي ، السنة العاشرة – العدد 115 / رجب 1394- يوليوز 1974-  ص: 22

2- حديث مع الشباب: كلهم يبكي فمن سرق المصحف: أحمد محمد جمال/ مجلة الوعي الإسلامي ، السنة العاشرة – العدد 115 / رجب 1394- يوليوز 1974-  ص: 20-21

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *