رحلة مالك الحزين: (بلى يا رب لقد آن)


ألم تر كيف صار الذئب يأكل الشاة، حينما أصبحت الشمس بين أبَيؤرد و مَرْو لا تشرق إلا للحظات ثم تغيب في فلاة  قاحلة لا ماء فيها ولا نبات، وآية لهم فيها أن الغافلين عن ذكرالله وإقامة الصلاة والجبناء والنصارى واليهود أموات .

وبينما حطت خفافيش الظلام والغرابيب السود فوق الحصى والحجر، تناذر أصحاب القافلة والمسافرون قاطع الطريق عند السحر، فجأة خرج من جحره و لوح في الهواء بسلاحه و سيفه البتار. فصاح فيهم صيحة عظيمة ألقت في قلوبهم الرعب، فتنادى القوم: النجاة النجاة قبل أن يداهمكم خطر الموت، ففروا تاركين للبَطَّاش أموالهم وأمتعتهم، فطغى و تجبر و ضحك و نظر ثم فكر وقدر فقال: سوف آكل وأتمتع وأنفق كيف أشاء كأيامي السوالف إذا الليل أقبل و طال و انتشر و ما أدبر.

و ذات يوم و فيما الصبح أسفر و انتشر لقي فتاة تسر الناظرين اللاهية قلوبهم، و من تلك اللحظة ملكت عليه قلبه وشغلت باله وأصبح حبه لها كحب قيس ليلى، أو بول فرجيني أو هو أشد حبا، لقد فقد نفسه فصار لا يجدها إلا في الاستمتاع بالنظر إلى وجهها الحُسَان و لو من بعيد، وذروة فرحه أن يجلس بجانبها كي يبث لها شوقه و حبه وشجونه… فأنسته شغله كقاطع طريق يعترض سبيل المسلمين، فأضحى يتردد باستمرار على دار حبيبته، دائم التفكير في البحث عن موعد للقاء بها في الليل أو النهار، وفي ليلة طال فيها تفكيره، ففكر وقدر ثم فكر وقدر فقام يحدث نفسه وعزم أن يذهب إليها في الثلث الأخير من الليل، حيث سيحجب عنه النوم أعين الأهل و الرقباء وحراس الدروب، فتسلل تحت جنح الظلام، وفي وقت وجيز سريع ألفى نفسه واقفا قبالة دار حبيبته في ساعة لم تكن تنصت هدأة الليل و روعته فيها إلا لوقع أقدامه، وبدأ يفتش عن مكان سهل يتسلق منه، وبسرعة وجد ضالته، فتسلق الجدار و قبل أن يهوي منه إلى داخل الدار، توقف فجأة يلقي السمع إلى صوت فتح عليه أبواب قلبه، وبينما هو على هذه الحال إذ جاءه النداء الرباني اللطيف الزاجرمن قارئ يرتل في جوف الليل قول الله عز و جل {ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق و لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم و كثير منهم فاسقون}.

كلمات ربانية مترعة بالود و الصفاء والعتب الرقيق، خرجت من قلب قائم بين يدي ربه، في ساعة ينزل فيها المولى عز وجل إلى السماء الدنيا، فسرت منها أنوار إيمانية إلى قلبه، شرحت صدره و غيرت ما بنفسه وأضاءت مصباحه المنطفئ، وأنارت سبيله المظلم، فاكتشف نفسه لأول مرة، وإذا به يصيح: بلى يارب لقد آن … وولد من جديد في اللحظة ذاتها، فسقط في المكان الذي تسلق منه وفر هاربا من نفسه و هواه إلى الله مولاه، ومن المخلوق إلى الباري لا يلوي على شيء، و مضى يطوي المسافات تلوى المسافات وهو يصيح مرددا: بلى يا رب لقد آن.

فكانت الولادة صحيحة و التوبة نصوحاً، و بدأ رحلته الطويلة بقلب حزين ونفس سعيدة مطمئنة، ووجه باسم كغريب أو عابر سبيل، إن أمسى لا ينتظر الصباح وإن أصبح لا ينتظر المساء، وهو ينظر في السماء كان يرى دوما مالك الحزين فوقه يحلق في الفضاء ثم يقول :اللهم إني تبت إليك و جعلت توبتي مجاورة بيتك الحرام . و استغرقت رحلة طلب العلم النافع، علم الخشية والحكمة وفصل الخطاب، سنين عددا حتى وصل إلى بيت الله الحرام لينطلق صاعدا في مدارج السالكين التي لا تنتهي.

قال أحدهم لصاحبه : أرأيت الذي كان بالأمس يعترض سبيل المسلمين، فذاك الذي رأيته بالبيت الحرام إماما وقَيْسَ لَيْلٍ.

قال له صاحبه: وإذا رأيتَه ازددت إيمانا وجدد فيك الحزن و مقت نفسك ثم بكى.

قال له صاحبه: تلك هي رحلة مالك الحزين رحلة الفضيل بن عياض، شروق شمس الأبدال التي لا تغيب حتى تنفطر السماء وتتساقط الكواكب وتشيب نواصي الولدان، ولن تغشى الفرحة إلا قلوب مواكب النور والنبوة وقطار المحجة البيضاء.

أبو بكر الحنفي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *