نفحات : جـــزاء  ســيـنـمـار  أو القرار الـمخجل لجنوب إفريقيا


يعد اتخاذ القرار من أصعب الأمور في حياة الأفراد والجماعات، لأنه امتحان قد يكلل بالنجاح وقد يمنى بالفشل، فبالأحرى إن كان الموضوع ذا خطورة وشأن، أو تجاوز النطاق الفردي أو الجماعي الضيق ليتخذ بعدا دوليا.

وبالنظر إلى أهمية هذا الشأن في حياة الأمم، فقد سعت معظم الدول التي ترغب في الحفاظ على توازنها، ونحرص على صيانة سمعتها بين الدول الأخرى، وتدرك خطورة المزالق وما قد يترتب عنها أحيانا من سوء في التدبير والتقدير ينعكس سلبا مكانتها في المحافل الدولية، إلى إخضاع قراراتها الهامة إلى دراسات دقيقة، تسند فيه عمليات صنع القرار وتحديد مواصفاته وتقدير أبعاده وانعكاساته المختلفة إلى مجموعة من الخبراء المجربين، والمفكرين المحنكين، والحكماء الوازنين لكل شاذة وفاذة بالموازين الدقيقة، المتفحصين للتجليات الآنية، والمستشرفين للآفاق المستقبلية القريبة والبعيدة استشرافا مستبصرا، بعيدا عن الانفعال و النرفزة، أو الاستفزاز والانسياق مع العواطف المندفعة والمصالح الآنية، لأن الدولة المحترمة هي الدولة الحكيمة في اتخاذ قراراتها، المتوازنة في توجهاتها، الموضوعية في تقديراتها القريبة والبعيدة. ويزداد الأمر أهمية بالنسبة للدول ذات الرصيد النضالي الحافل، والمواقف المساندة للمستضعفين، غير أنه كما يقال: لكل جواد كبوة، ولعل ذلك ما حدث لدولة جنوب إفريقيا حين كبت كبوتها الكبيرة، فتسرعت باتخاذ القرار المساند للأوهام، المتنكر لكل القيم، المعارض لما ينبغي أن تكون عليه تصرفاتها، وهي الدولة التي اكتوت بالاستعمار والعنصرية وعانت من محاولات التفريق بين مكونات مجتمعها، ولم تدرك أن كبوتها تسيء إلى دولة من أعز أصدقائها المساندين لها في محنتها المريرة التي مرت بها.

ولاشك أنها تدرك أكثر من غيرها ما يحاك ضدالمغرب من مؤامرات لتمزيقه وإضعافه، ويدرك زعماؤها صمود المغرب وحكمته وحرصه على ضبط النفس والتشبث بالحكمة، والتشبع بقيم السلام واحترامه لأصدقائه، واقتناعه بالوحدة الوطنية، ورفضه لكل انقسام أو تمزق، وتعرف جنوب إفريقيا خير المعرفة ما عاناه المغرب من محن إبان الاستعمار، وما أسفرت عنه من آثار سلبية تمثلت أساسا في اقتطاع أجزاء منه استطاع بوسائله الخاصة أن يستعيد بعضها سلميا، وبحكمة رائعة شهد الأقارب والأباعد بأنها مظهر من مظاهر العبقرية العغربية، وما المسيرة الخضراء ببعيدة عن الأذهان، ولا يزال المغرب يناضل بمختلف الطرق المشروعة دوليا من أجل استكمال وحدته التي حصل الإجماع عليها، وساندته المحافل الدولية وآزرته ليتابع نهجه في استرجاع حقوقه.

إن دولة جنوب إفريقيا بموقفها المتسرع هذا الذي لا يخلو من تشنج، تبدو فاقدة للروح الرياضية تماما، ولم يكن أحد ينتظر أن يسفر التنافس الرياضي الشريف بين الدولتين على استضافة كأس العالم عن مثل هذا الموقف المخجل، أو يكون ذلك التنافس الرياضي الشريف مدعاة للانفعال إلى هذه الدرجة، فعصفت بكل الروابط المتينة التي جمعت بين الدولتين، وفضلا عن ذلك فقد جازت المغرب جزاء سينمار، واسألوا المناضل مانديلا وأحرار جنوب إفريقيا عن المواقف المغربية المساندة لكافة الشعوب المستضعفة، وفي مقدمتها دولة جنوب إفريقيا إبان محنتها، واسألوا التاريخ عن جهود المغرب وأدواره الإيجابية جهويا وإفريقيا وعالميا، قديما وحديثا.

لقد كَبَتْ دول أخرى قبل جنوب إفريقيا حين دفعت إلى الاعتراف بما يسمى الجمهورية الصحراوية الوهمية فسقطت تلك الدول في الفخ، وكانت ضحية التغرير والإيهام، ولكنها سرعان ما صحت وتنبهت فصححت موقفها، وقومته حين استرجعت وعيها، فاعترفت بوحدة المغرب وتخلصت من الأوهام، وبذلك الموقف الصحيح ارتاح ضميرها، وسعت إلى تمتين علاقاتها بالمغرب في مختلف المجالات، فهل تتجاوز جنوب إفريقيا كبوتها التي جاءت في غير وقتها؟ وهل تعود إلى رشدها فتتحلى بالروح الرياضية النبيلة لتخرج من الورطة التي وضعت فيها نفسها دوليا بمحض إرادتها أو بدافع ما بأقل الخسائر، دون أن تسيء إلى سمعتها أو تخدش رصيدها النضالي الغني الذي يتنافى تماما مع قرارها المتسرع المنفعل لتنتظم مرة أخرى مع المواقف الدولية الأخرى المنصفة، وتنسجم مع توجهاتها الحقيقية التي ترسخت عنها في الأذهان فأثارت الاحترام والتقدير لعقود كثيرة، أم ستظل مثل النعامة التي تخفي رأسها في التراب هروبا من الحقيقة و تجاهل الواقع؟ فإن عز على سياسييها الاهتداء إلى الطريق السوي فلتعد إلى حكمائها من الأدباء و المفكرين و الفلاسفة و المناضلين، فهم كثر، ولاشك أن مؤهلاتهم ستجعلهم يرفضون حجب الشمس بالغربال، ويستنكرون السباحة ضد التيار، فهل من مبلغ؟!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *