{وجَاءَهُمُ الموجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}


لقد تسارعت الأحداث في أوائل الألفية الثالثة تسارعا متلاحقا إلى درجة يكاد كبارُ قومِنا ألاَّ يجدُوا الوقت لالتقاط أنفاسهم، فأصْبَحُوا :

بيْن هالكٍ يَعْبَث بلحيته التي تُزري بالرُّجُولة الحقِّ، وبين منْبَطح يُسبِّحُ بحمد السلطان العالمي ويتوب إليه ويستغفره مما بَدَر منه في عهود العنتريّات الجوفاء.

وبين متوسِّل بمُخْتلف الأعمال القُربانيّة من سجْنٍ وقتلٍ وتكميم لأفواه المسلمين المتمردة على التأله والتجبُّر الإنساني الظالم، عسى هذه الأعمال أن تشفع لهؤلاء بالفوز بحُسْن السيرة، والإبقاء على الحياة، وإن سوَّدوا سيرتهم مع الله العزيز الجبار، وأسخطوا ربّ الحياة والأحياء.

وبين مرتجف مرتعد يتقي الهجمة الخارجية الشرسة بشعارات ومقترحات ترقيعية فاتَ زمانُها يوم الرخاء، فأصبحوا كذلك الذي قال يوم إشرافه على الغرق في البحر {آمَنْتُ أنَّهُ لا إِلَه إلاَّ الذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيل وأنَا مِنَ المُسْلِمين} فقيل له : {آلانَ وقَد عَصَيْت قَبْلُ وكُنْتَ من المُفْسِدين}(يونس : 91).

أما في الداخل فإن هذا المرتعد المرتجف يحاول أن يتقي الغضبة الداخلية المشتعلة في الصدور :

بشيء من إفساح المجال لذوي النوايا الحسنة لكي يعبِّروا عن أنْصافِ أو أرباع آرائهم داخل حدود الأضواء الحمراء.

أو شيء من التسخير للألسُن والأقلام الناطقَة بلغة القرون التي كان الإسلام فيها مُصَاباً بانفصام عروة واحدة هي عُروة الحكم فقط، أما وقد اتسع الخرق على الراقع، وأصبح الإسلام غريبا في داره، وأصبح المسلمون غرباءَ في أوطان الإسلام التاريخية فهيهات أن ينجح الخطاب الإطفائي -مهما غطى وسَتَر وتفاصح- لأن عَصْر العولمة والقنوات الإعلامية والحواسيب المخترقة للفضاء عرَّى كل شيء، وفضح ما كان مسكوتاً عنه إلى عهْد قريب، بل كان من المحرّمات الموصلة إلى الشنق السريع، أو الموت البطيء.

ولا يستحي هذا الصنف من التلويح والممارسة للقبضة الحديدية التي كما قال العقاد -رحمه الله تعالى- في أذْرُعٍ خشبية، فأيام : العنتريات والديكتاتوريات، وأيام : أنا الدولة، والدولة أنا، وأيام : {لا أريكم إلا ما أرى وما أهدِيكُم إلا سَبيل الرّشاد}، قد وَلّت، إن لم نقل : ماتتْ في عصر “االشفافية” أو هي في النّزع الأخير، إن لم يتداركْها الله تعالى بلطفه ورحمته فيرزقها التوبة المنعشة، والإنابة الصادقة الكفيلة بإلباسها حُلّة التقوى باطنيّا وظاهريّاً، باطنيا بالإخلاص لله تعالى، وظاهريا بالعكوف على خِدْمة مصالح العباد، ورقي البلاد، وحمايتها من الدّخلاء والعملاء.

هل يستحق كبار قومنا هذه الخَنقة التاريخية الخانقة؟! وهل يستحقون الغضبة الداخلية الغاضبة؟!

أليس يوجد مِن كبار قومنا الغابرين مَنْ تواطأ مع الكفر والكافرين، ومع الإلحاد والملحدين ضد الدّعاة، والعاملين من العلماء على إحياء شريعة الإسلام وتطبيقها أخلاقيا وقانونيا وسياسيا، فكان نصيبُ هؤلاء العلماء الاغتيال، والسجن، والتعذيب الذي لا يُبِيحُه الله تعالى حتى في حق الحيوان فما بالك بمطلق الإنسان!! وكان نصيبهم المحاكمة والإعدام بتهم مزورة، أو بتهم مضحكة، وكلهم الآن عند ربهم يختصمون، إلا أن الإجرام مازال مُتَوارثا كابراً عن كابر، وخلفا عن سلف.

أليس يوجد من كبار قومنا من جعل الأوطان سجنا كبيراً لكل المواطنين بفرض حالة الطوارئ أكثر من ثلاثة عقود؟!

أليس يوجد من كبار قومنا من سجن معارضيه أكثر من ثلاثين سنة، مع أنه إلى حين قريب كان يقال أن نيلسون مانديلا يعتبر قيدوم السجناء، حيث سجن 27 سنة، وخرج من السجن لرئاسة الدولة، أما كبار قومنا فإنهم لا يعرفون لغة المعارضة البناءة الشريفة، ولا يعرفون الديمقراطية ولا تداول الحكم، هذه اللغة نسُوها من قديم الزمان.. إن لم نقل جهلوها منذ أن أصبح الحكم غاية لا وسيلة لإقامة الحق والقانون.

أعجبٌ أن نرى أن الله عز وجل الغيورَ على عباده المظلومين يسلِط على كبار قومنا من يعلمُهم أدب الحكم، وأدب السياسة، وإكرام الإنسان بإعطائه حرية التعبير، وحرية المعارضة، وحرية التشكي والصراخ والتظلم بعد ما أصيبوا بالبلادة في فهم قول الله تعالى : {لا يُحِبُّ الله الجَهْرَ بالسُّوءِ منَ القَوْلِ إلاّ مَن ظُلم}(النساء : 147).

المشهور عن طارق بن زياد رحمه الله تعالى أنه قال لجنوده المخلصين عندما عبر بهم البحر : >أيها الناس البحرُ ورَاءَكُمْ والعَدُوُّ أمَامَكُم ولا وزَرَ لَكُم واللَّهِ إلاَّ سُيُوفكُمْ< وهذا القول ينسحب بصدق على بعض كبار قومنا، فالشعوب الغاضبة الساخطة الحاقدة أمامهم، وعَصَا زعيمة النظام العالمي وراءهم.

وكيف لاتغضب شعوب جرّبت أنواع القهر، وأنواع الحكم البوليسي،وأنواع الاختناق بدخان التجسس، وجرّبت الإقصاء السياسي، والاحتكار السياسي، والاحتكار الاقتصادي، والمحاكمات الصورية، والانتخابات الشكلية، بل والانتخابات المضحكة التي ينافِسُ فيها الرئيس نفسه، ويخلُف نفسه بنسبة 99.99، وهي النسبة التي لا يدركها حتى الأنبياء لو فرضنا ترشيحهم.

مهازل لا تليق بالإنسان الحجري، فما بالُك بشعوب تحمِل رسالة ربها للعالمين، نيابة عن الرسول المبعوث رحمة للعالمين.

وما يميز هذه الرسالة أنها تبشِّر الناس بقبول الله التوبة من التائبين. فهل يتواضع كبار قومنا ويبادرون بالتوبة والتصالح مع ربهم ومع شعوبهم، فالله غفور رحيم، والشعوب غفورة رحيمة، أم سيخادعون الأمة من جديد، ويكون مصيرهم كمصير هؤلاء الذين قال فيهم الله تعالى : {وجَاءَهم المَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وظَنُّوا أنَّهُم أُحِيطَ بِهِم دَعَوْا اللّه مُخْلِصِين لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا من هَذِه لنكُونَنّ من الشّاكرِين، فلمّا أنْجَاهُم إذاَ هُمْ يَبْغُون في الأرضِ بِغَيْر الحَقِّ يا أيُّها النّاسُ إنّما بَغْيُكُم على أنْفُسِكم، متَاعُ الحَيَاة الدُّنْيا ثم إِلَيْنا مَرْجِعُكُم فَننَبِّئُكُْم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون}(يونس : 23).

فعناصر البقاء : الحرية التي هي أساس الكرامة، والعدل الذي هو أساس الاطمئنان والشعور بالثقة والأمان، والشورى التي هي أساس التجديد وتفتيق العبقريات والإرادات، وأساس تفجير الطاقات وصون الكرامات.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *