الإصلاح في القرآن الكريم : المفهوم والمنهجية


مبــــدأ العبـــــادة

المبدأ الثالث الذي اعتمده القرآن في سياسته الإصلاحية تجاه الإنسان وإخراجه من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام هو العبادات، وما تتركه من أثر، وما تقوم به من وظائف هامة في إصلاح الفرد، فجاء القرآن بالأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من العبادات، فقال تعالى في أمر الصلاة : {واستعينوا بالصبر والصلاة}(البقرة : 45) وفي هاته الآية يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى: إنه لابد للإنسان الفاني الضعيف المحدود، أن يتصل بالقوة الكبرى ويستمد منها العون، حيث يتجاوز الجهد قواه المحددة حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة، حينما يثقل عليها جهد الاستقامة على الطريق بين دفع الشهوات وإغراء المطامع، وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة، وهنا تبدو قيمة الصلاة، إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية، إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير إلى مجال الواقع الكوني الكبير، إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب والمكدود، من هنا كان النبي عليه السلام إذا كان في الشدة قال: أرحنا بها يا بلال(1). ولها -أي الصلاة- كبير الأثر في تقويم الإنسان وتهذيبه، وتعويده على النظام، وتوثيق صلته مع باقي أفراد المجتمع، والارتفاع بنفسه عن الفواحش والمنكرات، وانصراف همته عن الماديات إلى الغايات العليا،قال سبحانه : {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون}(العنكبوت : 44).

أما الزكــاة فقد جاءت لتكون علاجا عمليا لأمراض غالبا ما تكون فتاكة كالشح والأثرة وعبادة الأموال ،قال تعالى : {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم،إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم}(التوبة : 102).

ومن ثمرات الزكاة أنها تشعر الأغنياء بالإطمئنان على أموالهم وتشعر الفقراء بأنهم أعضاء في مجتمع متكافل متعاون لا فرق فيه بين غني وفقير فلا يحاولون السطو على ما ليس لهم، وبهذا يسلم المجتمع من شرور كثيرة

الصيام : وهو أيضا عملية إصلاح جاءت لتغرس في الإنسان القدرة على السيطرة على الغرائز وتعويده على الصبر والتحمل قال تعالى : {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات}(البقرة : 182- 183) والتقوى هي التحلي بكل ماهو طيب والتخلي عن كل ما هو خبيث قال عليه السلام: >فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب وإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم..< .أو كما قال عليه السلام

الحــج : وللحج الأثر البارز في صلاح الفرد وتزكيته وهو يربي النفس على كل معاني الخير والفضيلة ويغسلها من كل معاني الشر والرذيلة قال تعالى : {الحج أشهرمعلومات ، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}(البقرة : 196).

مبـــدأ الخلـــق الحســـن

لقد كان الإنسان قبل نزول القرآن يعيش حالة متردية في الجانب الخلقي، ولم تكن لديه مفاهيم صحيحة للحسن والقبيح، ولا معايير للفضيلة ولا مقاييس للخير، وقد استطاع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه تصوير هذا المعنى تصويرا رائعا وهو يحدث النجاشي :”لقد كنا قوما نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف….”

ثم جاء القرآن الكريم ليبني هذا الإنسان المتسلط المستبد، القاطع للرحم، والمنكر للجميل، المقدم على الفواحش، والمرتكب للموبقات، ويجعل منه إنسانا آخر، إنسانا مليئا بالرحمة والعطف، ومتصفا بالعدل والصدق واصلا للرحم قال تعالى : {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}(الإسراء : 77) وقال أيضا: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}(الحج : 77). وقال جل وعلا: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون(النحل : 90). وتظهر أهمية الأخلاق أكثر في كونها تضبط تصرفات الإنسان وسلوكاته تجاه الآخرين، ولا يمكن لأي مجتمع من المجتمعات أن يعيش أفراده متعاونين متفاهمين ما لم تربط بينهم روابط متينة من الأخلاق الحسنة، بل إن صلاح أي مجتمع أو فساده إنما هو مرتبط بصلاح أخلاق أفراده أو فسادها، وقد صدق شوقي إذ قال:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وفي آخر حديثنا عن هذا المبدأ نقول :

إن القرآن الكريم قد عمل على تغيير الإنسان من حالة التوحش الذي أدخلته فيه الجاهلية، وأعاده إلى حقيقته الإنسانية المبنية على التكريم والتفضيل والتسوية والتقويم، قال تعالى : {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر}(الإسراء :70) وقال: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك}(الانفطار : 6- 8) وقال في موضع آخر: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}(التين : 4). وذلك بدءا بإصلاح المعتقد ودفعه إلى إعمال عقله الذي هو وعاء العلم والمعرفة وتمكينه مما يمكنه من ذلك من حواس وما شرعه له من عبادات مثمرة ترتقي به إلى الأعالي وتسمو بنفسه فوق الشبهات ثم تنتج أخلاقا حسنة فاضلة يسود بسببها الأمن والأمان والعدل والسلام.

وأخيرا نقول: إن المنهجية التي اعتمد عليها القرآن الكريم هي التي تعمل على تحرير العقل البشري وإصلاحه مما علق به، ولن يكون هذا إلا بالوعي الصحيح المبني على حقائق الإيمان والتصورالصحيح للكون والإنسان، وتحرير النفس البشرية من الخضوع بشتى ألوانه ومسمياته لغير الله تعالى، والعمل على الارتباط الوثيق برب العالمين الذي بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير.

ولن نقول تحرير السلوك الإنساني من الفسق والفجور والمنكرات، لان ذلك يكون نتيجة حتمية لتحرير العقل من الشرك والجهل وملئه بالعقيدة الصحيحة.

إنها المنهجية الإصلاحية التي تسعى إلى تثبيت بعض عناصر الخير التي لا تزال قائمة في الأمة وتسعى إلى إقامة ما هو مفقود منها.

وهي المنهجية التي تبناها جميع الأنبياء والمرسلين.

إنها المنهجية التي استطاعت أن تنتج النموذج البشري المتميز كبلال وصهيب وربعي بن عامر الذي وقف أمام قائد القوات الفارسية ثم قال في كلمات موجزة تعبر تعبيرا دقيقا على الرسالة الخالدة: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

——————

1- في ظلال القرآن الجزء الأول، ص:142.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *