مختارات من خطب العيد (2)


مختارات من خطب العيد (2)

مــن فـقـه الـفـتـنـة 2/1

الله أكبر(3)

الله أكبر عالم السر والنجوى، مجيب المضطر إذا دعاه، القادر على كشف الضر والهم والبلوى .

الله أكبر الغفور الثواب، المنان الوهاب، بيده مفاتح الغيب، يرزق من يشاء بغير حساب.

الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.

ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو بيده الخير، وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير. علم في الأزل ما كان وما يكون وما سوف يكون، وإذا أراد شيئا يقول له : كن، فيكون. عليم لا يخفى عليه شيء، مهيمن لا يفوته شيء، لطيف لا يشغله شيء عن شيء، محيط بكل شيء علما وقدرة وحكمة، غالب على أمره، حي قيوم، دائم قائم، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يئوده حفظ السماوات والأرض وهو العلي العظيم لا نحصي ثناء عليه، هو سبحانه كما أثنى  على نفسه.

ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، كان أعلم الناس بربه، وأتقاهم وأخشاهم له سبحانه، وكان همه أن ينقذ الناس كافة من ظلمات الجهل ، ويحررهم جميعا من أغلال الشيطان، ويكرمهم جميعا بالحرية والمساواة والعدل. ربَّى قادة أفذاذا ربانيين خضعت لهم الدنيا، فساسوها بنهجه  فذاق الناس جميعا طعم السيادة والكرامة والعزة في سلطانهم وأيامهم. فاللهم أجزل له الصلوات المباركة والتسليمات الطيبة، واجزه عنا خير الجزاء، وأكثر اللهم من الرضا والرضوان على خير الناس، الذين عاهدوا الله ورسوله فوفوا بجهودهم، وألحقنا اللهم بركبهم إنك نعم المولى ونعم النصير.

الله أكبر(3) :

عباد الله، لقد اطلعنا الله على ما شاء من أحوال وأنباء الأمم الغابرة، وأنبأنا الرسول الكريم  بالفتن التي ستحدث من بعده في أمته إلى يوم القيامة.

فما فائدة إخبارنا بأحوال الأمم السالفة؟ ولماذا أنبأنا رسوله  بالفتن المنتظرة؟ أليس ذلك من أجل أخذ العبرة، والاستعداد لمقاومة الفتن؟

وإن من الفتن التي حذرنا منها الرسول  ما رواه أبو سعيد الخدري ] أن رسول الله  قال : “يوشك أن يكون خير مال المرء غنم يتبع بها شقف الجبال (أعاليها) ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن.”

ومعناه أن هذه الفتن تجعل المؤمنين لا يطمئنون إلى صناعة، ولا تجارة، ولا زراعة، ولا يرتاحون إلى الإقامة في الحواضر والقرى الكبيرة، وإنما يفرون بدينهم إلى أعالي الجبال، ويختارون أن تكون أموالهم الغنم والمعز، فهناك كانوا يتجنبون الفتن والحروب، وهناك كانوا ينجون من بطش الجيوش، وظلم الجبارين، وهناك كانوا يحافظون على إيمانهم، ويقيمون شرع الله بينهم، ويمارسون دينهم وعبادتهم.

واليوم، كم من مؤمن فُتِن في نفسه وعرضه وماله ودينه، ولم يجد بلدا ينتقل إليه ويأمن فيه على نفسه ودينه وعرضه وماله. سواء كان واديا أو جبلا، أو صحراء، أو براري، برا أو بحرا، فأين هذه المناطق التي لا يلحقها الإعلام، ولا يطؤها جواسيس الظلام، ولا تدركها أيدي الباطشين اللئام، يعيش فيها المومن، محافظا على إيمانه، ويسترزق ربه من معزه وغنمه، ومما تنبته الأرض، أو يخرجه البحر.

لقد أوى  الفتية قديما إلى الكهف، فإلى أي كهف يأوي المؤمن اليوم، وإلى أية جزيرة يرحل الكريم بعرضه؟ وما هو الجبل الذي يعصم اليوم من أمواج الفتن والظلم والإلحاد والفسوق.

لم يبق -إذا دام هذا ولم يحدث له غيرة لم يبك ميتاً ولم يفرح بمولو-د هناك للمؤمنين الغيورين على دينهم وأعراضهم ملجأ ولا كهف ولا جبل ولا بحر يعصمهم من الفتن إلا رحاب الله عز وجل، وأكرم بها من رحاب، إنها الرحاب الفسيحة، التي لا يُذل من نزل بها، ولا يُرهب من حط رحاله بها، ولا ينال بسوء من اعتصم بها، ولا تقدر أية قوة مخلوقة اقتحام فنائها، ولاإذاية ضيوفها. وكل من اعتصم بشيء سواها يحسب أنه يقيه ويعصمه فسيكون لا محالة من المغرقين.

الله أكبر(3)

عباد الله : إن هذه الفتن ليست قدرا مقدورا مسلطا على البريء والمسيء ظلما أو جهلا أو خطئا، وإنما هي تخويف وتأديب أو زجر وعقاب، يُنزله الله بالمسيئين والمخالفين.

أخرج الديلمي بإسناد حسن عن رجل من أصحاب النبي  أن النبي  قال : “لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم، وفي رواية: (لن يهلك الناس أو يعذروا من أنفسهم) ومعنى  هذا الحديث أن الله تعالى لا يهلك قوما حتى يكونوا هم الذين جَرُّوا غضب الله عليهم، وهتكوا ستر الله وعفوه عنهم.

فماذا بقي للمسلمين من عذر يبعد عنهم العذاب ويجنبهم الفتن والمحن؟ لقد تعرى جل المسلمين اليوم، عن كل عذر شرعي، وصاروا بسبب تنازعهم وتخاذلهم وتقاطعهم صاروا يُنعَتون بنعوت اليهود المقيتة، ألم يقل الله تبارك وتعالى في اليهود {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا، لبيس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبيء وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء، ولكن كثيرا منهم فاسقون}

فأين المسلمون الذين لم يتخذوا اليهود والنصارى أولياء في زمننا هذا؟ أليست الآية صريحة في نفي الإيمان عمن يتولى  الكفار، وحاكما على من لم يتول الله ورسوله والمؤمنين بالخلود في النار.

عباد الله :

إن جل الشعوب العربية والإسلامية، عانت بالأمس من ويلات الاستعمار، وهي تعاني اليوم وتقاسي من ويلات الجور والاستبداد، فهي لم تتحرر بعد، لأنها لم تخرج من قمع الكفار إلا لتقع في طغيان بعض الفجار، لقد أذل المسلمون بعضُهم بعضا أيما إذلال، فإذا ما احتاج رعاة المسلمين يوما رعاياهم لحمايتهم ونصرة أوطانهم فسيجدون أكثرهم جبناء متنازعين، لا ينفعون أنفسهم بله حكامهم وأوطانهم، ولا مطمع في مواقف الرجولة والكرامة بدون حرية ولا عقيدة ولا علم شرعي. فالعلاقة متينة بين الكرامة والعدل من جهة، وبين الإقدام والفداء والتضحية من جهة أخرى. ومن المسلم تاريخيا، أن الاستعباد يؤدي إلى عبادة العباد، وأن الإيمان والفقه والحرية تفضي إلى عبادة رب العباد.

الله أكبر(3) :

عباد الله : لقد حدثنا التاريخ أن الأحرار وكرماء النفوس كانوا يفضلون الموت على الاستسلام للعدو، مخافة أن يُذلهم، وكراهة أن يمن عليهم بالعفو.

وإنه لمن أشد النكد وقوة الهم على الحر المسلم أن تضطره الأيام إلى استجداء عطف اللئيم، وطلب عفو المقيت ورجاء إحسان الحسود.

أرأيتم ـ عباد الله ـ كيف فتن حكام الغرب الكفار كل بيت مسلم، وكل صغير وكبير، حتى ليجوز القول بأن المجانين، هم الذين يملكون اليوم المال والسلاح، وهم الذين يسوقون العالم إلى حافة الدمار والخراب.

وإذا كانت البشرية اليوم في أمس الحاجة إلى منقذ، فمن يكون ذلك المنقذ؟ أليس كل متنازع مختلف في الحق البين، سفيها غير رشيد. أليست فتنة حكام الكفر فرصة نفيسة لليهود، ليفعلوا ما يشاءون في الأراضي المقدسة وغيرها، وهل يُصغي كثير من حكام المسلمين إلى قول الله عز وجل : {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} وهل جل حكام المسلمين يؤمنون بالله ورسوله حق الإيمان، ويعتقدون أنه سبحانه سيحاسبهم على حرمات الإسلام والمسلمين، وأن غضبه سبحانه يسبق غضب حكام الغرب؟

إن هذا الاختلاف بين قادة العرب والمسلمين، وذلك التنازع و التنافس على المصالح الدنيوية فحسب، هو الذي حذر منه الرسول .

ولعل هذه الفتنة الشاملة العارمة التي يسميها الغرب بالإرهاب، وهو يقصد بها الإسلام، لعلها هي فتنة الدهيماء، كما سماها الرسول .

أخرج أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر] قال : كنا قعوداً عند رسول الله ، فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل : يا رسول الله، وما فتنة الأحلاس؟ قال : هي هرَب وحرب. ثم فتنة السراء، دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني، وليس مني، إنما أوليائي المتقون. ثم يصطلح الناس على رجل كوَرِكٍ على ضلع، ثم فتنة الدهيماء (السودان المظلمة) لا تدع أحدا من هذه ا لأمة إلا لطمته لطمة. فإذا قيل : انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مومنا ويمسي كافرا، حتى يسير الناس إلى فسطاطين : فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذلكم، فانتظروا الدجال من يومه أو من غده.

الله أكبر (3) :

عباد الله : إن رسول الله  لا يخبرنا بالفتن لنتجمد ونستسلم، وننتظر لطمها وصفعها، وإنما يريد أن نتحصن لها بالعلم الصحيح، والإيمان العميق، والعمل الصالح، وأن نتمسك بالعروة الوثقى ، عروة الكتاب والسنة، عروة الوحي. وحينئذ لن تهلكنا تلك الفتن كلها، ولن تجهلنا، ولن تحني رؤوسنا، ولو لطمت وصفعت.

اللهم خلصنا لعبادتك، وطهرنا بشريعتك، وأعزنابطاعتك وتحنن علينا بألطافك، واجعلنا مع من أحببت من أصفيائك وأوليائك آمين والحمد لله رب العالمين.

د. محمد أبياط

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *