قضايا دعوية – إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها


بدء ظاهرة “الأمة المسلمة” ونشأتها 2/2

الانطلاقة العملية الثانية بقيادة محمد

…ثم كانت الانطلاقة العملية الثانية التي قادها محمد  في الفرع الثاني من أسرة إبراهيم -فرع إسماعيل-، والمقيمة في منطقة المسجد الحرام، فبلورتْ مفهومَ “الأمة” وأصبح الشعارَ المميِّزَ لرسالتها، ولَمَّا يزَل مصطلحا متميِّزا، لا يقابله في اللغات الأخرى مصطلحٌ مُوازٍ. كذلك أصبح اسم “الأمة” مصدرا اشتقت منه أسماء مؤسسات الرسالة الجديدة، والعاملين فيها، والممارسات الجارية مثل : “الإمامة” و”الإمام” للصلاة أو الحكم، و”آمين البيت الحرام” أي الحج. و”آمين” أي مقتدين. لذلك كانت ترجمة هذا المصطلح تشويها لمحتواه، ومن الواجب أن يبقى كما هو في أصله العربي في أية ترجمة كانت.

ولقد كان جوهر هذه الانطلاقة الجديدة تصحيح الاعوجاج الذي لحق بالمنهج الذي مَهَّدَ له إبراهيم وبَدَأَهُ موسى وعيسى، ثم استأنف المسيرةَ المستقيمة لهذا المنهج، نحو غاياته العليا على يد محمد . ولذلك ركَّـزَتْ توجيهاتُ الرسالة الجديدة على ما يلي :

1- إصلاح ما انحرف من منهاج إبراهيم عليه السلام، وذلك بدعوة فرع ذرية إسماعيل من قريش وفروعها إلى التخلص من طابع”أمة السدنة” ونوازع التكسب بالمقدسات، وما أدخلته حمية العصبيات القبلية من مظاهر الشرك والوثنية. ثم دعوة فرع ذرية إسحاق من اليهود والنصارى للتخلص من طابع “شعب الله المختار”، وما رافقه من تشويهات لأصول العقيدة والرسالة، لصالح المترفين، وأرباب الجاه والسلطان والكهانة، ثم دعوة الفريقين للاجتماع في صفوف “أمة الرسالة” الجديدة، لاستئناف المهمة الأساسية، مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله بين الناس كافة.

2- القضاء على الانشقاقات التي حدثت في ذرية إبراهيم، وتسببت في تقسيم نواة “الأمة المسلمة” إلى يهود ونصارى، وماتلا هذا الانشقاق من انشقاقات أخرى تتنافى مع الغاية الكبرى التي بدأها -إبراهيم- لإخراج “أمة الرسالة” التي تعمل على جمْع البشرية كلها على منهاج واحد، في الفكر والاجتماع، فتتوثق روابطها، ويرقى نوعها، وتعود إلى سابق عهدها : أمةً واحدةً، وربًّا وَاحِدا.

ولتحقيق هذا الهدف تكررت الدعوة في القرآن إلى أهل الكتاب للإقبال إلى -كلمة سواء- أي منهج موحد مستقيم أساسه “ملة إبراهيم الحنيف”.

3- اتخاذ الخطوات العملية التي تسهل هذه الوحدة المنشودة، بين الانشقاقات التي  أصابت مفهوم الرسالة، بعد إبراهيم عليه السلام. ومن أجل هذه الوحدة كانت قبلة الصلاة نحو أول بيت بناه إبراهيم، وكان الحج إليه، ليكون مؤسسة للتربية العالمية، وكانت حادثة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لإعادة الربط بين رسالة المسجدين، وتكامل دورهما في التربية والدعوة والتعليم.

ولترسيخ هذه المعاني، كان الحديث عن تجربة قوم موسى في منطقة المسجد الأقصى- في مطلع سورة الإسراء -ليكون هذا الحديث تحذيرا ل “أمة الرسالة” الجديدة لئلا تقترف ما اقترفته سابقتها من -أمة موسى- التي غفلت عن الوظيفة الأساسية للمقيمين حول المسجد الأقصى، وانحرفت لاستغلال بركات المنطقة الجغرافية والطبيعية في الترف والشهوات والمفاسد والصراعات، وبذلك استحقت أن يبعث الله عليها عبادا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، ودمروا مؤسسات اللهو الدنيوي، التي ألهتهم عن وظيفة الدعوة وتبليغ الرسالة. وهذا ما فهمه أبو بكر الصديق حين حذر جيوش الفتح الإسلامي التي وجهها إلى منطقة ماحو ل الأقصى من الانحراف عن أهداف الرسالة الإسلامية فقال : (إنكم تقدمون ا لشام وهي أرض شبيعة، وإن الله ممكنكم حتى تتخذوا فيها مساجد فلا يعلم أنكم إنما تأتونها تلهيا، وإياكم والأش)(3).

4- تقديم التفاصيل الكاملة لما يجب أن يكون عليه تنظيم “أمة الرسالة” ومؤسساتها وقيمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ونشاطاتها المختلفة في الداخل ثم تنظيم علا قاتها بالجماعات البشرية في الخارج.

وكان التحدي الأكبر الذي واجهه الرسول  بعد هجرته إلى المدينة، وشروعه في بناء أمة عالمية، يتعايش فيها مختلف الأجناس والأعراق، هُوَ -قِيَمَ العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ الجاهلية- ولقد اتخذت جهوده لمجابهة هذا التحدي مظاهر عدة منها :

– المظهر الأول : هو تزكية أعضاء الأمة المسلمة الجديدة من قيم العصبية القبلية باعتبارها قيما جاهلية نتنة بالية لا تصلح لهم بحال، وتنظيم علاقاتهم طبقا لقيم التقوى الملائمة  لطور العالمية الجديد.

– والثاني : هو التحذير من الردة إلى قيم العصبية الجاهلية وإدراج هذه الردة في قائمة الكبائر المخلدة في النار(4).

– والثالث : التنبيه إلى دور قيم العصبية في فتن المستقبل، وما ستجره على الأمة المسلمة من كوارث ومذابح ودمار، وهو ما تقدم تفصيلاته الأحاديث النبوية الوادة تحت -كتاب الفتن- في مصنفات الحديث المختلفة.

أهمية إخراج الأمة المسلمة

الإطارا لعام الذي يحدد أهمية إخراج الأمة المسلمة ويحدد مكوناتها هو قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالِهم وأنفُسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضُهم أولياء بعض. والذين آمنوا ولم يُهاجروا مالكم من ولايتِهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدِّين فعليكم النّصْر إلا على قوم بينكم وبينهم مِيثاق والله بما تَعْملون بصير. والذين كفروا بعضُهم أولياء بعض إلا تَفعلوه تكن فِتنة في الأرض وفسادٌ كبير. والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مَغفرة ورزق كريم. والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بِكُل شيء عليم}(الأنفال : 72- 75).

هكذا يبدو واضحاً من الآية الأولى رقم 72 أن التربية الإسلامية لا تتوقف عند إعداد >الأفراد المؤمنين< وإنما تتخذ من هذا الإعداد وسيلة لهدف آخر هو إخراج >أمة المؤمنين< التي يتلاحم أفرادها عبر شبكة من الروابط الاجتماعية التي تندرج تحت أسماء : الهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة، والتي تكون محصلتها النهائية هي -الولاية- أي أن يتولى كل عضو رعاية شؤون الأعضاء الآخرين. أما الأفراد المؤمنون الذين يبقون خارج -مهجر- الأمة المؤمنة، فهؤلاء لا فاعلية لإيمانهم، ولا روابط، ولا ولاية بينهم، وبين >أمة المؤمنين<.

ومع أن الآيات المذكورة أعلاه تتضمن -كما قلنا- أهمية (إخراج الأمة الإسلامية)، وتتضمن المكونات الرئيسة لهذه الأمة، إلا أن الحديث هنا سوف يقتصر على أهمية (إخراج الأمة المسلمة) بينما يؤجل الحديث عن مكوناتها لاحقاً.

مظاهر أهمية إخراج الأمة

أما مظاهر هذه الأهميةفهي كما يلي :

الأهمية الأولى : هي ماتنبه إليه الآية الثانية آية 73 من السورة حول الأضرار التي تنجم عن عدم (إخراج الأمة المسلمة)، وتتمثل هذه الأضرار في ضررين رئيسين هما :

الضرر الأول : هيمنة قيم الكفر في الأرض، وإخراج >أمة الكفر< حيث لا يقتصر الكافرون على ممارسة كفرهم كأفراد متناثرين وإنما يتجمعون في أمة يوالي بعضها بعضاً. فإذا لم تقم >أمة الإيمان< فسوف تتولى >أمة الكفر< القيادة في الأرض، وتهيمن على مقاليد التوجيه والتخطيط والتنفيذ في كل ما يتعلق بشؤون السلم والحرب سواء.

د. ماجد عرسان الكيلاني

والضرر الثاني : إن انتقال القيادة العالمية إلى >أمة الكافرين< سوف يؤدي إلى استغلال خزائن الله من المقدرات البشرية والمادية استغلالاً سيئا ثم يكون من نتائج هذا الاستغلال السيء ملء الأرض بالفتن والفساد الكبير : فتن في ميادين السياسة، وفساد في ميادين الاجتماع، وتشيع الصراعات والحروب الداخلية أوالإقليمية أو العالمية، وينتشر الفساد الكبير، الذي يتمثل في الانهيارات الأخلاقية، وشيوع التحلل والفواحش، وانتشار الفلسفات والأفكار الهدامة وغير ذلك.

والأهمية الثانية لقيام >أمة المؤمنين<، هي ما توجه إليه الآية الثالثة آية 74 من السورة حول الفوائد والمنافع التي تترتب على إخراج >الأمة المسلمة<، وهي ثلاث فوائد :

الفائدة الأولى : تجسيد الإيمان في >جنسية< مميزة و>هوية< خاصة، وفي حضارة إسلامية، لها ثقافتها ونظمها الاجتماعية، وتطبيقاتها في ميادين السلوك والقيم، والعادات والتقاليد، الممتدة عبر الزمان والمكان. ولذلك وصفت الآية بأن أفراد >الأمة المسلمة< المجاهدين المتآوين المتناصرين في مهجر واحد >هم المؤمنون حقا<. أما الأقليات الإسلامية المبعثرة هنا وهناك فهذه لا تدخل في وصف >المؤمنون حقاً< لأنه لا تتمكن من أن تعيش إيمانها في >جنسية متميزة< وتطبيقات اجتماعية لها ثقافتها ولغتها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، ولها قيمها وعاداتها وتقاليدها وأخلاقها. وبالتالي لا تفرز حضارة متميزة، تنحدر عبر التاريخ، وتشد إليها الرحال، ليتعلم الناس في مؤسساتها التربوية والإدارية كيفية الحفاظ على النوع البشري ورقيه. وإنما تذهب جهود هذه الأقليات هدراً في روافد >أمة غير مسلمة< ثم تذوب وتختفي بعد جيل أو جيلين. ولذلك لن يكون قبول حياة >الأقلية< إلا ضرورة مؤقتة، حتى ينجح العمل الإسلامي الصائب في إيجاد مهجر تقوم فيه >أمة المؤمنين<، فإذا قامت صارت حياة الأقلية رضى بالاستضعاف في الأرض، وظلماً للأنفس، ووضعها في بيئات مرهقة للإيمان، تهدد بذهابه والانتهاء بأصحابه إلى عقوبة الله.

ولذلك حدد القسم الثاني من الآية الأولى العلاقة بين >الأمة المسلمة< و>الأقليات المسلمة< المتناثرة خارج -دار الهجرة- بأن أفرغ هذه العلاقة من -الولاء والولاية- أي عدم المسؤولية عن الأقليات، إلا ما كان من نصرتها إذا تعرضت لاضطهاد ديني، من قبل أمم لا تربطها بالأمة المسلمة مواثيق ولا معاهدات، وإن الباحث ليلمح في هذه العلاقة السلبية بين >الأمة المسلمة< و>الأقليات المسلمة< خلق نوع من الأوضاع القلقة غير المريحة التي تجبر الأقليات المذكورة على الهجرة إلى مهجر >أمة المؤمنين<.

والفائدة الثانية : هي الاستقرار الاجتماعي والاستقرار السياسي المشار إليهما بـ{لهم مغفرة}. فالمغفرة هي تجنيب الأمة المسلمة عقوبات أخطاء الأمم. وعقوبات الأمم في القرآن الكريم متنوعة، منها ثوران الأحقاد الداخلية، أو إشاعة الفتن والحروب في الداخل، أو تسليط الغزاة من خارج :

{قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجُلكم أو يلبسكم شيعاً ويُذيق بعضكم بأس بعض، انظر كيف نصرِّف الآيات لعلهم يفقهون}(الأنعام : 65).

{بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خِلال الدّيار}(الإسراء : 5).

والفائدة الثالثة : هي الا زدهار الاقتصادي المصحوب بالتماسك الاجتماعي، والعلاقات الكريمة بين طبقات الأمة وأفرادها، والمحافظة على كرامة الأمة وعلى قيمها وأخلاقها في الداخل، وسمعتها التاريخية في الخارج. فـ>الأمة المؤمنة<، رزقها >رزق كريم< يحفظ كرامات الأفراد رجالاً ونساءً، فلا تضطرهم لقمة العيش إلى التفريط بكراماتهم وحرماتهم ولا إلى تجارة الفواحش والمنكر. وهو >رزق كريم< يحف كرامة الأمة التاريخية فلا يلطخ سمعتها، ويصمها بعار الغزو والاستعمار والتسلط والاحتلال، وهو يحفظ كرامتها الحضارية، فلا يضطرها إلى ممارسة الفضائح، ونقض المواثيق، والتآمر على الأصدقاء، وإيثار المنافع المادية على علاقات الرقي الحضاري. وهو >رزق كريم< يحفظ كرامة الأمة الاجتماعية، فلا تحتاج إلى تقدمة أعراضها ونسائها كراقصات ومغنيات وغوانٍ في أماكن اللهو والفاحشة لتجلب السائحين وطالبي المتع المحرمة الضارة! وأخيراً هو >رزق كريم< يحفظ للأمة المسلمة كرامتها عند الله، ويمنحها كرامة الدرجات العلى في الآخرة، سواء في المنزلة أو المأوى.

والأهمية الثالثة لقيام >أمة المؤمنين< : هي ما توجه إلىه الآية الرابعة آية 75 من السورة من خلال الإشارة إلى أن الأمة المسلمة هي مجتمع مفتوح غير مغلق. فباب الهجرة إليه مفتوح، والانضمام إليه، له شرط واحد فقط هو الإيمان والمشاركة في حمل الرسالة، مع مراعاة روابط الأرحام بين المهاجرين في جميع الأزمان، حتى لا يؤدي اختلاط المهاجرين بدون ضوابط، إلى التفكك الاجتماعي. فالله عليم بقوانين الاجتماع السليم وغير السليم وبالنتائج الحسنة أو السيئة.

وبسبب هذه الأهمية (لإخراج الأمة المسلمة) أدرك رجالات الأمة الإسلامية الأوائل أهمية إخراج >الأمة المسلمة< ومتطلبات العضوية فيها. من ذلك ما قاله عمر بن الخطاب حين قرأ قوله تعالى : {كُنتم خير أمّة أخرجت للناس} قال : >يا أيها الناس من سره أن يكون من تلكم الأمة فليؤد شرط الله فيها<(تفسير الطبري، 43/4، 44.

…………………………………….

(ü) عنوان كتاب الأمة رقم 30 من تأليف د. عرسان الكيلاني.

1- الطبري، التفسير، ج 2، ص 234.

2- د. أحمد فخري، مصر الفرعونية، ط 3 (القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية، 1971) ص 433.

3- عبد الله بن المبارك المروزي، كتاب الزهد والرقائق، تحقيق عبد الرحمن الأعظمي، (بيروت، مؤسسة الرسالة، بلا تاريخ) ص 141.

4- صحيح البخاري، باب الفتن. صحيح مسلم، باب الإمارة.

مسند أحمد، ج1، ص 409، 430

سنن النسائي، كتاب البيعة، وكتاب الزينة.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *