الصيام والبناء الحضاري


 حقيقة  الحضارة

لقد تعددت وجهات نظر الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى كلمة (الحضارة)، لبيان مفهومها مفردة ومركبة، وتنوعت التعريفات وتفاوتت في تحديد المفهوم.

وقد يتبادر إلى الذهن أن الحضارة هي حياة المدن والقرى الكبرى بمظاهرها المفارقة لحياة البادية، غير أن البحث العلمي لا يؤيد هذا الفهم على إطلاقه.

وقد حاولت تصنيف تعريفات الحضارة حسب ما قرأت فجاءت عندي على ثلاث مراتب :

المرتبة الأولى: سميتها تعريفات قاصرة، لأنها لم تنظر إلى مفهوم الحضارة من كل الجوانب اللازمة في “الحد” ليكون جامعا مانعا. وأمثلة ذلك كثيرة :

– منهم من جعل الحضارة مرادفة للمدنية، ومنهم من جعلها مرادفة للتاريخ، ومنهم من جعلها مرادفة للاقتصاد، ومنهم من جعلها مرادفة لطريقة التفكير والعمل، ومنهم من جعلها مرادفة للطاقة، ومنهم من جعلها مرادفة لثمرات العقل.

المرتبة الثانية: تعريفات مقاربة فقط، لمفهوم الحضارة، وذلك إما لإبهامها وإجمالها، كمن جعل الحضارة هي الديانة المسيحية، أو الدين الإسلامي، أو شرعة الوحي ومنهاجه.

ومعلوم أن الحدود أو التعريفات وإن كان يشترط فيها الإيجاز، فإن من عيوبها عدم النص على أركان الماهية. وإما لغياب بعض العناصر الضرورية، وذلك كمن قال : الحضارة هي نظام اجتماعي، يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي. فالظاهر من هذا التعريف أن الحضارة لا علاقة لها بالسماء. وأن منتهاها حصول التوسع في الإنتاج الثقافي.

– وكمن قال: الحضارة هي تفاعل لأنشطة الإنسان في هذا الكون. وهذا التعريف إضافة إلى إجماله فهو مثل سابقه في بتر العلاقة مع الله، وسقط منه ذكر ثمرة الحضارة.

– وكمن قال: الحضارة هي ممارسة الإنسان لمبادئه وقيمه ومفاهيمه وأهدافه في هذا الكون.

ولا نجد كذلك في هذا التعريف صلة بالسماء، والقيمُ والمبادئُ هنا مطلقة، والمشركون والمجوس والوثنيون يعتقدون أن لهم مبادئ وقيما.

– وكمن قال: الحضارة هي تفاعل الأنشطة الإنسانية لجماعة ما، في مكان معين، وفي زمان محدود أو أزمان متعاقبة، ضمن مفاهيم خاصة عن الحياة.

وهذا التعريف بدت فيه العناصر المادية الضرورية للحضارة والجماعة الإنسانية، وتفاعلها، والزمن المحدد أو المتعاقب، والمكان المعين، والمفاهيم الخاصة عن الحياة.

وهذا التعريف وإن لم يصرح فيه بعنصر الكون المتفاعل معه، إلا أنه يستنبط بدون عناء؛ لكن غابت منه العلاقة بالسماء! ومع ذلك يمكن اعتباره تعريفا مقبولا للحضارة غير الإسلامية.

المرتبة الثالثة: تعريفات استوفت عندي مفهوم الحضارة. ومثالها: الحضارة (1) تفاعل الأنشطة الإنسانية للجماعة المحققة لخلافة الله في الأرض، عبر الزمن، وضمن المفاهيم الإسلامية عن الحياة والكون.

هذا التعريف هو الذي يصح إطلاقه عندي على الحضارة العالمية، بمفهومها الشامل المستمر. لأنه تضمن العناصر اللازمة المادية والمعنوية، ولا يلاحظ عليه أنه لم ينص على المكان، لأن الحضارة التي جاء بها الوحي لا تحصر في مكان ولا تحد بزمان، فهي موجودة حيث يوجد المسلمون المتحضرون.

ومن خصائص الحضارة الإسلامية، التي تجعلها عالمية وشاملة ودائمة:

1- أنها قامت على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة.

2- أنها إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة.

3- أنها جعلت للمبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها.

4- أنها تؤمن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها.

5- أنها دعت إلى تسامح ديني لا نظير له في حضارة دينية أخرى.(2).

وفي هذا يقول مصطفى السباعي رحمه الله : “كلما كانت الحضارة عالمية في رسالتها، إنسانية في نزعتها، خلقية في اتجاهاتها، واقعية في مبادئها، كانت أخلد في التاريخ، وأبقى علىالزمن، وأجدر بالتكريم”(3).

فالحضارة الإسلامية إذا هي الحضارة التي يسعد بها الإنسان، ويطمئن بوجودها الخلق، لأنها ليست حضارة بطش ولا اعتداء. ولا استبداد ولا إرهاب، وهي في نفس الحال ليست حضارة استسلام ومسكنة وخنوع، وإنما هي حضارة الإيمان والعلم والقوة والتسامح والعدل.

وأي حضارة غلبت عليها المادية صارت بلاء على الناس، وحربا على الخلق، وفسادا في الكون.

وأي حضارة استسلمت للرهبنة، وقادها الزهد الفاسد، وغرها الورع الزائف أسرع إليها الانهيار، وحاق بها الذل، وآلت إلى مخالب الضواري.

وقد أخبرنا القرآن الكريم عن حضاراتسادت قرونا، كحضارة عاد وثمود ومدين وفرعون ثم بادت، لأنها لم تستوف عناصر البقاء ومكابدة الزمان.

وقد لخص لنا القرآن الكريم عناصر الحضارة الإسلامية، في سورة من قصار السور، هي سورة “العصر”.

يقول محمد علي الضناوي: “تضمنت هذه السورة التجمع الإنساني والزمن، والإيمان (الصبغة) والتفاعل المستمر: العمل والتطبيق، والتنفيذ للمبادئ والمفاهيم”(4).

وأضفت إلى ما قاله الضناوي عنصرا خطيرا نصت عليه سورة “والعصر”، وهو عنصر الصيانة والحفظ لنتائج العناصر الأخرى، وهو مستنبط من قوله تعالى: {وتواصوا بالصبر}.

هذه كلمة موجزة جدا عن مفهوم الحضارة.

 أثر الصيام في البناء الحضاري

فإذا التفتنا إلى حقيقة الصيام وأسراره وآثاره في البناء الحضاري، وجدنا المسلم الصائم حقا، هو الذي يسهم في بناء الصرح الحضاري بكل مكوناته الأساسية ومجملاته الكمالية.

فما هو البناء الحضاري؟ وما هو الصيام الذي يعين على النهضة الحضارية؟ ومن هو الصائم الذي يتفاعل مع مكونات الحضارة تفاعلا إيجابيا مرضيا عند الله والناس؟

إن البناء الحضاري هو الذي يراعَى فيه أولا، بناء النفوس والعقول والأبدان بناء ربانيا، قبل بناء الدور والمواصلات والموانئ والأسواق والمحطات والمطارات وغيرها. وذلك هو منهج البناء النبوي في مكة والمدينة. قبل قيام الدولة الإسلامية.

فالبناء الحضاري يقوم ويتماسك ويثبت لعوادي الزمن، إذا امتزجت مكوناته المادية بروح الإيمان والتقوى والمراقبة.

إن البناء الحضاري يعني امتلاك أسباب السعادة ووسائل الرفاه، في كل مرافق الحياة، لكن مع الأمن، والحرية، والكرامة، والعدل لكل الناس. فهذه الشروط هي روح البناء الحضاري، وإدامه وجماله. وهي التي تحقق السعادة الحضارية، وتمكنها من الاستمرار والدوام.

فإذا غاب الأمن، أو قيدت الحريات أو ديست كرامة الناس أو زور العدل في أي أمة، فإنها لا تعتبر حضارية بالمفهوم العلمي الصحيح، ولا يعد بناؤها حضاريا ولو ملكت من الأدوات والوسائل المادية ما ترهب به العالم أجمع، كأمريكا وشبهها في زمننا هذا. إذ الانتفاخ المادي بدون أمن ولا عدل، ولاحرية، ولا كرامة هو منشئ الطغيان والاستعمار، هو مظهر التطاول والدافع إلى استرقاق الغير بكل وجوه الاسترقاق.

وهذا التاريخ يشهد أن السعادة لم تتوفر في أي حضارة بشرية على وجه العدل والإيمان الصحيح، إلا في الحضارة الإسلامية والحق ما شهدت به الأعداء.

ولذلك فليس كل صيام مرشحا لينهض بالبناء الحضاري، ولو طال وقته، وكثر ممارسوه، لأن الإمساك فقط عن الأكل والشرب والجماع قد يكون لدوافع مرضية، أو لأغراض رياضية، أو لسباق مرطوني، أو لغير ذلك … فلا ينتج البناء الحضاري المحمود.

والصيام الذي يبدع البناء الحضاري، أو يسنده ويقويه، ويوسعه ويصونه، إنما هو صيام الإيمان والاحتساب، قال صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”(5).

فصيام الإيمان هو الصيام وفق الشرع في حدود زمانه وفي إطار أحكامه وآدابه، وفي القصد منه، والإخلاص فيه، وفي صيانته مما يفسده، وفي تكميله وتجميله بالنوافل والقربات، وخاصة تلك التي يعود نفعها على الناس والخلق.

وصيام الاحتساب هو صيام الصبر والرضى والأمل والاعتزاز، هو صيام الصبر على الجوع والظمأ والشهوة، وعلى ترك العادات التي تفسد العقل أو البدن أو المال أو العمر، وعلى خلع الغضب والغرور والعجب، وعلى المبالغة في دفع المضار عن الخلق، وجلب المنافع لهم، وعلى مغالبة روح الاعتداء والانتقام والاستعباد، وعلى مشاق الأعمال ومتاعب الأمانات. ومشاكل الحياة، وعلى مجاهدة النفس، ودفع تزيينات الشيطان، وعلى ارتقاء مدارج الجهاد، حتى مكابدة الأعداء وإرهابهم وكف شرورهم بقوة المسلمين الصائمين. وقد كان شهر رمضان شهر الفتوحات والانتصارات، يوم كان المسلمون يصومون حقا، وعلى مقابلة إساءات الخلق بالعفو واللطف والحسنى مادام فيه رضى الرب سبحانه.

باختصار فالصيام الذي تنهض به الحضارة، هو الصبر على ترك كل منكر في الشرع وعلى فعل كل معروف فيه، وبلا تذمر أو سأم، وبلا استكثار ولا امتنان، لكن مع السرور النفسي والفرح القلبي والرجاء الإيماني في حسن العوض، والاعتزاز بهذا التكليف الرباني المشِرّف والمكرم، والافتخار بهذا الانتماء إلى خير دين وأتمه وأكرمه.

وإذا رجعنا النظر في عناصر الحضارة الإسلامية لنتبين أيها يتفاعل مع الصيام، لما وجدنا غير الإنسان. فالإنسان هو وحده الذي يتفاعل مع المكان بمعطياته المادية، ومع الزمن بحسن تقسيمه واستغلاله، ومع المفاهيم بحسن تفهمها وتفهيمها وإعمالها، ومع المنهج بالسير على ضوئه وخطواته لتقل التكاليف وتكثر الثمار وتجود.

فلا حضارة بغير تفاعل الإنسان مع المكونات الطبيعية والمفاهيم والمنهاج.

فما هي إذا آثار الصوم على الإنسان؟ وكيف يكون تفاعل الصائم مع البناء الحضاري؟

1- إن الصيام يربي في نفس الصائم المحتسب مراقبة الله تعالى، لأنها المراقبة الدائمة التي لا تتعطل، ولا تحجب، ولا تقصر على الإحاطة بظاهر أو باطن، قال تعالى: {يعلم السر وأخفى}(طه :7) وقال سبحانه: {وهو معكم أينما كنتم} (الحديد: 4).

فالصائم المحتسِب بخلاف الإنسان الذي اعتاد مراقبة الخلق التي تتعطل بطبعها أحيانا، وتنطلي عليها الحيل، ولا تحيط بأي شيء لا زمانا ولا مكانا ولا علما ولا قدرة ولا استدراكا.

2- والصيام يجعل الصائم المؤمن بمزايا الصوم منضبطا في نفسه وداخله، مسيطرا على جوارحه، متحكما في أقواله وأفعاله، مرتبا لأحواله وأعماله، منتظما في شؤونه وحياته.

3- والصيام يحبب للصائم البذل والجود، بالوقت والبيت والمتاع والمال، ويؤهله ليسخو بنفسه عند داعي الجهاد.

4- والصيام يحيي في نفوس الصائمين روح الصدق والإخلاص، في العبادة في المحراب، وفي العبادة في رحاب الكون، وفي العبادة في جودة الإنتاج، وجمال الإخراج، وفي نزاهة الأحكام، وفي تربية الأنام.

5- والصيام يحرر الصائمين من أغلال الأنانية والاستعلاء، ويسمو بهم في مراقي التواضع والحياء، حتى يتطهروا من أدران الهوى ويتخلصوا حيال الشيطان.

6- والصيام يتيح الفرص للصائم كي يصغي إلى نداء القرآن الكريم، ويكثر من مجالس العلم والذكر، ويغتنم من حلقات التصفية والترقية.

7- والصيام بأحكامه وآدابه يربط الصائمين بخير القرون، قرون الصحابة والتابعين، قرون الإيمان القوي، والعلم النافع، والعمل الصالح، والجهاد العادل، والتضحية الخالصة، والفتوحات المربية، فيشعر الصائم أنه ينتمي لخير أمة أخرجت للناس لأمة الوسطية والعدل، لأمة الرحمة والمجد.

8- والصيام ينمي المشاعر النبيلة، ويقوي الأحاسيس الاجتماعية الكريمة، ويصقل الأرواح فيذوق الصائمون حلاوة الإيمان ويدركون سر التكاليف الشرعية، ويسعدون بالأخوة الإيمانية، فتدفأ معنوياتهم، وتنسجم طاقاتهم، وتشتد عزماتهم، وتتغير إلى خير وبركة مظاهرهم وأحوالهم.

9- والصيام بكل ذلك وغيره، يُكِوّن في الصائم الإرادة المؤمنة القوية، المتبصرة، الواثقة، المتوتبة، التواقة دائما إلى حياة أعز وأكرم.

فإذا انتهى الصيام بالصائمين إلى هذه المناقب، وأفضى بهم إلى تلك المراتب، فأنْعِمُ به من صيام مُرَبٍّ! وأَسْعِدْ بهم من صائمين أقوياء أمناء! وأَكْرِم بهم حينئذ من مخَلِصين حضاريين، وأُبْشِرْ به من بناء حضاري متين كريم!

———————

استعنت بالمراجع التالية: من روائع حضارتنا للمرحوم مصطفى السباعي. ومقدمات في فهم الحضارة الإسلامية لمحمد علي ضناوي. ومنهج الحضارة الإنسانية لمحمد سعيد رمضان البوطي. والحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية، للدكتور توفيقيوسف الواعي.

(1) مقدمات في فهم الحضارة الإسلامية: 18

(2) من روائع حضارتنا: 46

(3) ن .م: 45

(4) مقدمات في فهم الحضارة الإسلامية: 19

(5) البخاري عن أبي هريرة ]  كتاب الصوم. باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *