خطب منبرية – علاقة الأستاذ بالتلميذ


الحمد لله المبتدئ بالنعم، بارئ النسم، ومنشر الرمم، ورازق الأمم الذي علمنا ما لم نكن نعلم وكان فضل الله علينا عظيما. فهو سبحانه ولي النعمة والإحسان، وصاحب الفضل والامتنان، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو. الأمر كله منه وإليه، والهدى به والاعتماد  عليه، قال تعالى: {ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى}. ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله إمام المعلمين، وقائد المربين فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وعشرته وأصحابه والقائمين بأمر دعوته. قال تعالى: {ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم}ل

أما بعد: فيا معشر المسلمين. لقد جرت سنة الله في الحياة بأن يأخذ المتقدم بيد المتأخر، ويعلم الكبير الصغير، ويرشد الأستاذ التلميذ، ولولا أ ن العارف يعلم الجاهل، وأن المهتدي يرشد الضال، وأن القوي يأخذ بيد الضعيف لما استقام أمر هذه الحياة، ومن هنا كان التعليم أشرف عمل يقوم به الإنسان في هذا الوجود، ويجب ألا يغيب عن ذي بصيرة أن الله تعالى هو المعلم الأول للخلائق، وفي تقرير هذه الحقيقة يقول عز من قائل: {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان}. ويقول أيضا: {وعلمك ما لم تكن تعلم}ل

فذكر الله التعليم منسوبا إليه في معرض الامتنان بالفضل الجليل

أيها الإخوة في الله اعلموا جيدا أن وظيفة التعليم وظيفة شريفة ووظيفة سامية لأنها وظيفة الأنبياء وفي هذا الصدد يقول إمام المرسلين وخاتم النبيين: “إنما بعثت معلما” وإذا تأملنا مراتب الإسلام فنجد التعلم أفضل، وهو أن يعلم الإنسان علما ويعمل به، ويعلمه غيره، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم كما قال رسول الله[ لعلي بن أبي طالب

أيها الإخوة:  وإلى عهد قريب كانت العلاقة بين المعلم والمتعلم قائمة على الحب والوفاء والتكريم والتبجيل والتعظيم والتوقير. فالمعلم والد يؤدب بالحسن، ويهذب بالحكمة ويقسو حيثما تجب القسوة وكلما دعا الأمر إلى ذلك. ولكنها قسوة من يريد الخير لابنه وتلميذه. والمتعلم ابن بار مطيع يرى في إجلاله لأستاذه مظهرا كريما من مظاهر الأدب وحسن الخلق، وكأن التلميذ يعتبر نفسه عجينة بين يدي أستاذه المحب له الحريص على نفعه وهدايته. يصنعها كيف يشاء ويشكلها ويصوغها كما يرى. وعلى التلميذ أن يسمع ويطيع ويستمر الأمر على تلك الحال حيث يحافظ التلميذ والطالب على وفائه لأستاذه ومعلمه حتى تخرجه أو انقطاعه عن حلقة التعليم، وهولا يزال يذكر مدرسه في كل ناد يخطب بالخير، ويحتفل لقدومه ولقائه، ويجل محضره ومجلسه، ولا ينسى سابق فضله عليه، ويتأدب أمامه ويستحي منه، ويزوره ويتودد إليه

والمعلم المدرس من جهته يظل على صلته بتلميذه ويواصل توجيهه وإرشاده، حسب طاقته وقدرته وإمكانه. ويتتبع خطواته في الحياة، ويفرح بتوفيقه ونجاحه

أيها الاخوة هكذا كانت العلاقة بين التلميذ والمعلم وبين الطالب والأستاذ علاقة حسنة مبنية على الحب والود والإخلاص. أما اليوم مع الأسف الشديد فقد تحولت العلاقة إلى جحيم وإلى عذاب أليم. فلا محبة ولا وفاء بين التلميذ والمعلم. إن الطالب ينسى حق أستاذه وهو بين يديه يغترف من علمه وفضله فكيف به إذا بعد عنه؟ل

وإن كثيرا من المدرسين من لا يؤدي حق تلميذه وهو مكلف شرعا. والسبب في ذلك أنهم لا يعرفون الحكم الشرعي إزاء هذا الواجب وبذلك تخلصوا من قيود الشرع. ونتج عن ذلك أن انفصمت الرابطة الكريمة بين التلميذ ومعلمه والطالب وأستاذه وفسدت العلاقة بينهما فسادا ينذر بأخطر العواقب إذا انتشر اعتزاز التلميذ بشخصه وأسرف بعض المعلمين والأساتذة في الاعتزاز بمكانتهم. فقد يتجاهلون شخص التلميذ ويتحكمون فيه، مع أن التلميذ يحتاج إلى الشعور بكيانه وذاته

والمعلم والأستاذ الناجحان هما اللذان خلطا الشدة باللين والحزم بالرفق وكونا في تلميذهما صورا من شخصهما بدل أن يلغيا شخص تلاميذهما. يقول المثل: “أريد حياته ويريد قتلي”ل

د. عبد الله الغزيوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *