التعليم الـمُؤخِّر والتعليم الـمُقَدِّم


هناك كلمتان متناقضتان، إحداهما خفيفة على القلوب محببة إلى الأسماع، وثانيهما ثقيلة على الأسماع مبغضة إلى النفوس، تستعمل المحببة في المدح والتزيين، والتشجيع والتأييد، وتستعمل المبغضة في التقبيح والتبغيض، وفي الخذلان والتشنيع، فهما سلاح إعلامي مؤثر، بيد من يجيد استعماله، أو بيد من يعان على ذلك

هاتان الكلمتان هما: التقدم، والتأخر. أو التقديم والتأخير. فما هو التقدم؟ وما هو التأخر؟ل

إن التقدم عند الحكماء، هو الانتقال، أو الخروج من حياة الجهل والضعف والفقروالمرض والذل، إلى حياة العلم والقوة والغنى والعافية والعز، وهو أيضا وبإجمال: الانتقال من حياة حسنة إلى حياة أحسن، وهكذا رقيا وعلوا

أما التأخر فهو أن تكون الأمة تحيى حياة أحسن وأطيب، فتبدأ في التراجع والتأخر إلى مراتب أقل فأقل، حتى يكون الموت أشرف عندها من الحياة، ويقدم أفرادها على الانتحار بشتى أشكاله، مفضلين الموت على الحياة!ل

ومفهوم التقدم والتأخر يشمل الجانب المادي والجانب الأدبي من الحياة، كما  يشمل مفهوم التأخر الجانبين كليهما

وما أظن عاقلا منصفا، يرفض هذا التفسير للتقدم والتأخر

وإذا اتضح هذا الأمرجليا، وجب أن نتساءل وبموضوعية: لماذا يطالب بعض المغاربة من حين لآخر، ومنهم زعماء سياسيون، ومثقفون مفكرون، وكبراء مسؤولون، لماذا يطالبون بوقف التعليم الديني في المغرب؟ ويحتجون بأنه هو السبب الرئيس في تأخر المغرب والعالم الإسلامي المتمسك بهذا التعليم، عن ركب الحضارة ومسيرة التقدم؟ فنسألهم مستفسرينل

هل تقصدون أن مناهج التعليم الديني قديمة ومتخلفة لا تساير العصر، ولا تلبي حاجاته، ويجب إعمال النظر في برامجه ومناهجه وأهدافه، من قبل أهل العلم والرأي والاختصاص، لتواكب تطور الحياة في كافة الميادين؟ل

إن كان قصدهم هوهذا، فهم أهل كلمة حق، وذوو غيرة على الدين والوطن، وهم مأجورون على دعوتهم الإصلاحية واقتراحاتهم التقدمية

فيجب الإصغاء إليهم حينئذ، والدعاء لهم والثناء عليهم، والتعجيل بمراجعة البرامج والمناهج والخطط المتعلقة بالتعليم الديني، وفق الرؤية الإيمانية الاستراتيجية التي تحافظ على كيان الأمة وشخصيتها وهويتها واستمرار تقدمها

ولكن تصريحاتهم الشفوية المتكررة وكتاباتهم المختلفة، لا تدل على شيء مما ذكر لا نصا ولا احتمالا، وإنما تصرح بوضوح وتنصيص وقوة بأن التعليم الديني هو السد المانع من تقدم ا لمغاربة، وهو الصخرة التيتعرقل سرعة السير نحو الرقي والازدهار في هذا البلد

ونحن لا نستعجل على هؤلاء بحكم شرعي، لعلهم يكونون جاهلين أو مستغفلين، وقد أمهل القرآن الكريم معارضي الرسولواستدرجهم نحو الحوار الهادئ والجدال بالتي هي أحسن، حتى تبصر من أراد الله به خيرا، وأقام الله عز وجل الحجة على  المتكبرين

نسأل إخواننا المعارضين للتعليم الديني، والمتهمينه بكل سوء، أن يقدموا للمغاربة أمثلة صادقة للتأخر الحضاري الذي أصاب المغاربة بسبب التعليم الديني فقط في مختلف مجالات الحياة، وتثبت تلك الأمثلة أمام الدراسة العلمية المنهجية لمفهوم التقدم الحضاري ومراحله. إنهم لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا، لأن الله عز وجل يقول : {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} وهم يقولون: “إن هذا التعليم يهدي للتي هي أعوج، وأنتم تعلمون أن مجال التعليم الديني هو الدراسات القرآنية والحديثية. فماذا تقولون أيها المسلمون: أنصدق الله ورسوله، أم نصدق هؤلاء ونكذب الله ورسوله!ل

ونسألهم ثالثا : ما هي مناهج التقدم وبرامجه وخططه ووسائله التي منعنا منها الدين الإسلامي، وربانا التعليم الديني على بغضها وتركها؟ فليذكروا لنا أمثلة من الحلال والمباح والمسكوت عنه، منعنا الدين منها ولم يشجعناعليها! أم يريدون أن يرفعوا عنا ضوابط شريعة الله كلها؟ فليأتوا بشريعة أخرى من عند غير الله هي أهدى وأقوم من شريعة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أم يريدون شريعة تربوية تعليمية حكمية من عند أنفسهم أو من عند معلميهم، نسمعها من أفواه هؤلاء ونقرؤها بأقلامهم. فليقرأوا قوله سبحانه: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ومن أشقى ممن اتبع هوى غيره من الضالين الظالمين!ل

فهل علمتم من هم الذين ينسبون التأخر والتخلف إلى التعليم الديني، بل إلى الدين الإسلامي!ل

إن أي مواطن مغربي عاقل يقدر أن يقدم كثيرا من الأمثلة الواقعية القائمة التي تشهد بفساد التعليم غير الديني، وبسوء نتائجه في مختلف المجالات منذ حورب التعليم المغربي الأصيل، وتوسع التعليم الغربي الحديث على حساب التعليم المغربي الإسلامي. والمنصفون يعلمون ما قدمه التعليم الإسلامي للمغرب عبر التاريخ، فلم يعرف المغاربة نظاما شاملا للحكم، ولا وحدة ترابية إلا بعد مجيء الإسلام، واقتناع المغاربة الحكماء بتربيته وتعليمه، ونظامه في الحياة الشامل ولم يعرف المغاربة منذ خروج جيوش الاحتلال الأمانة والتضحية والإخلاص والاجتهاد إلا في المسؤولين الذي كان لهم نصيب من التعليم الديني في مراحل تنشئتهم وتكوينهم . وما عرفنا عن أكثر الذين وضعوا تعليما عصريا غير معقم بالدين إلا خيانة الآباء والأبناء، وممالأة الأعداء، وكل من يدعو إلى نبذ التعليم الديني أو تهميشه، فإنما يدعو -عن جهل أو قصد- إلى انفراط عقد نظام الحكم، وإلى تمزيق الوحدة الوطنية. فنظام الحكم والوحدة الوطنية مفتقران إلى الدين على ا لدوام يبقيان ببقائه، ويزولان بزواله لا قدر الله، وهذه طبيعة المغاربة كما يعرضها تاريخهم المجيد

فما الفرق بين من ينسب التأخر والتخلف للتعليم الديني؟ وبين من يتهم المتمسكين بإسلامهم بالعنف والإرهاب، والتشدد والتطرف؟ ألا ترون أن المنطق واحد والهدف واحد، وإن اختلف التعبير ونسأل المعارضين للتعليم الديني: هل هم على علم كاف بفلسفة التعليم الإسلامي الحق، أو هم يقيسونه على التعليم الوثني أو على التعليم الكنسي؟ فالقياس فاسد من عدة  وجوه

ونقول للمعارضين للتعليم الديني: لو أخذ الدين حصته الكافية زمانا، ومعاملا، واعتبارا في شهادات التخرج، وعند إسناد الوظائف والمهمات، كما كان المغرب قبل فرض التعليم العصري عليه، لما كانت هناك دعوة لبقاء الازدواجية والثنائيةفي التعليم المغربي. ولكننا نرى ا لتعليم الغربي الغريب يطرد التعليم المغربي الإسلامي الوطني الأصيل، ويتهمه بتأخير المغاربة عن ركب التقدم والحضارة. وهذا كذب وافتراء على الله وعلى رسوله. فالله تعالى يقول في كتابه: {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي  له ما في السماوات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور}  ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المتواتر: “من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار” ويقول عليه الصلاة والسلام: “تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي” أو كما قال صلى الله عليه وسلم

وهؤلاء يعترضون على الله تعالى وعلى رسولهصلى الله عليه وسلم

إذا كانت قلوب إخواننا المعارضين للتعليم الديني في المغرب. موافقة لألسنتهم فهم يعلمون حكم الشرع فيهم، وإذا كانت قلوبهم  مخالفة لألسنتهم وما تسطره أقلامهم وإنما يفعلون ذلك إرضاء لساداتهم وكبرائهم، فهم في الحقيقة أكثر رجعية وتأخرا وجمودا من منافقي عصر الرسالة، لأنهم نافقوا الرسول . لكن منافقي هذا العصر ينافقون الكفار، وقد قال تعالى عن المنافقين السابقين: {يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون، اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مومن إلاًّ ولا ذمة وأولئك هم المعتدون}ل

ونسأل المغاربة مرة أخرى: هل يريدون أن يبقوا مسلمين هم وأبناؤهم وأحفادهم إلى يوم القيامة، أو سيطرحون مسألة الإسلام، على طاولة الاستفتاء، على أنها مسألة شخصية، أو قبلية أو إقليمية. وإذا قيل قديما: من جاء على أصله فلا سؤال عليه، فالعكس اليوم هو الواقع!ل

اعلموا أنه ما تجرأ المتجرئون على التعليم الديني بل على الدين كله إلا لأنهم وجدوا المغاربة يوشكون أن يجهلوا الإسلام الحق، فأغاروا عليه من كل فج، وطلعت رؤوس من الشياطين من كل واد ناعقة بعدم جدوى الدين وتعليمه وتربيته، فمن شاء أن يحافظ على إسلامه في نفسه ونسله، ويواجه هؤلاء ويطفئ نارهم، فليبحث لنفسه ولأهله عن ساعات إضافية في التعلم الديني، واللغة العربية، فهذه هي الساعات الإضافية المجانية التي زهد الناس فيها، ورغب المغاربة عنها وهي أولى بالطلب والتحصيل من الساعات الإضافية في العلوم المادية لمن كان يتدبر أو يعقل

تعالوا نحقق إيماننا بربنا ونصحح عبادتنا، ونجدد علمنا بالإسلام، حتى إذا قاتلنا الكفار قاتلناهم ونحن على بصيرة من أمرنا، وعلى بينة من ديننا، وعلى حسن علاقة بآخرتنا

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، آمين، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *