وليمة الأعراس: بين آداب الشرع، وأعراف الناس


إن الدين الشامل الجامع عند الله هو دين الإسلام، الرسالة الخاتمة، التي نظمت الحياة، تنظيماً عاماً وشاملاً، فلم تترك شيئا منها للأهواء والشهوات. وكان من صفة كمال الإسلام أنه اهتم بأفراح الناس ومصائبهم، إذ رسم لهم الطريق القويم في اتقاء وقوعها وتجاوزها بأقل ضرر. فكيف هو الحال في الأفراح والمسرات؟

هذا ما سنحاول بسطه، بتوفيق الله، من خلال موضوع الوليمة عموما ووليمة العرس خصوصا.

تعريفها:

الوليمة في اللغة مأخوذة من الولم، وتعني الجمع. نقول : أولم، أي صنع الطعام وجمع الناس إليه، وفي القاموس : كل طعام صنع لدعوة وغيرها، أو طعام العرس خاصة، أما الوليمة في التداول العامي فتفيد اجتماع الناس على المأكل والمشرب المقرون بنوع من الطرب والإحتفالية.

حكمها:

مما لاشك فيه أن الدين الذي ارتضاه الله لنا هو دين التآخي والتآلف، دين يدعو إلى تمتين أواصر الود والمحبة بين العائلات والأسر، وتوكيد الصلات الاجتماعية بين سائر أفراد المجتمع قصد تكوين مجتمع متماسك مترابط. لهذا ذهب جمهور الأمة إلى أن الوليمة سنة مؤكدة، بحسب ما اتسع له الجهد طبعاً، من مأكل ومشرب، فقد روي عنبريدة قوله أن رسول الله  قال لما خطب على فاطمة : >إنه لابد للعرس من وليمة<.

مقدراها:

جاء في الحديث الصحيح : >يمن المرأة خفة مهرها، ويسر نكاحها، وحسن خلقها، وشؤمها غلاء مهرها، وعسر نكاحها، وسوء خلقها< نستخلص من هذا الحديث أن الإسلام شديد الحرص على إقامة فرصة الزواج للجميع، سواء في ذلك الأغنياء والفقراء، ولا يتيسر هذا إلا إذا كانت وسيلة الزواج مدلّلة وطريقته ميسرة، بل إن يسر المؤونة يجلب البركة، ويحقق السعادة. إلا أن اليُسر أو العُسر أمران اعتباريان يختلفان تبعا لتباين الناس في الضيق والسعة، ولكل جهة عاداتها وتقاليدها. لذلك لم يحدد الشارع سقفا معيناً لأكثر أو أقل ما ينفق في الوليمة. إنما السنة مراعاة حال الزوج. فعندما أراد عبد الرحمان بن عوف أن يولم، وهو من أغيناء الصحابة، قال له رسول الله  : >أولم ولو بشاة< لأن الشاة أمر ميسور عنده. لكن عندما جاءه شاب فقير يقول تزوجت على مائة وستين درهماً، استكثرها  فأنكر عليه قائلا : >كأنكم تنحتون الفضة من عرض الجبل<.

آداب الدعوة إليها:

تعد الوليمة مناسبة كريمة لإحياء الرحم وصلة الأهل والأصحاب، مباركة للزوجين في زواجهما، إذ السنة أن يقول المدعو إلى الداعي : >بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير< ولا خير في وليمة يدعى إليها الأباعد، ويُتركها الجيران والأقارب. يأتيها الأغنياء ويُحرمها الفقراء، مما فيه خدش لشعورهم، بأن يكونوا في مكان دون مكان الأغنياء أو أن يكون طيب الطعام للأغنياء، ودونه للفقراء، فتنقلب حينئذ الوليمة من وسيلة لجلب الود والمحبة إلى أداة لزرع الضغينة، وبث الشقاق وهدم ما تبقى من روابط اجتماعية، منعاً لمثل هذا، حذر الرسول الكريم من مثل تلك الولائم فقال : >شر طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويحرم منها الفقراء…

وجوب إجابة الدعوة:

إن تلبية الدعوة للوليمة أمر واجب، ومن حق المسلم على المسلم، حضورها في الوقت المحدد، لما فيها من إظهار الإهتمام بالداعي وإدخال السرور عليه، وتطييب نفسه، عن ابن عمر أن رسول الله  قال : >إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها< وعن أبي هريرة أن رسول الله  قال : >ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله<. هذا إذا كانت الدعوة خاصة كقولهم : أدع فلانا وفلانا بالتعيين، أما إذا كانت الدعوة عامة، كقولهم : أيها الناس أجيبوا إلى الوليمة، لم تجب، ولم تُستحب.

وتحرم إجابة الدعوة إذا كان هناك معصية من المعاصي، أو ظهر تصد الداعي في التودد لشخص رغبة فيه أو رهبة منه. فقد دعي رسول الله  إلى وليمة، فلما أتاها وجد هناك تصاوير، فرجع ولم يدخل، مشرعا بذلك مسلكا اسلاميا قويما : إما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو فالحديث الشريف : >من لم يُزِل المنكر، فليُزل عنه<.

هذا هو الميزان الشرعي في إقامة الوليمة، يزيل العقبات أمام الزواج، فييسر سبل الإحصان، ويجعل استمكال الدين سهلا هيناً، بل يجعل من الزواج سبيلا للقوة والغنى، قال تعالى : {وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}(النور : 32).

الوليمة في الواقع العملي:

أما الوليمة في عرف الناس وعادتهم، لم يبق فيها للإسلام طعم ولا رائحة، بل فيها وبها يحارب الدين جهاراً نهاراً، وتنصهر الفطرة على نار التقليد انصهاراً، حيث تفنن الناس في تزيين المنكرات وتسمية المعاصي بغير مسمياتها، وتبدير أموال ضخمة تنو بالعصبة أولي القوة، وتُستتبَع بأقساط وديون ربوية تربك ميزانية الأسرة لسنوات عدة، لكن الغريب هو تلك المنافسة القوية التي تلقاها الأسر الغنية من زميلاتها الفقيرة، إلا أن هذا العجب يزول ويتلاشا إذا علمنا أن “فرحة العمر” لا تقدر بثمن، ولن تجد من مبرر لهذه التصرفات المجنونة سوى عادة سامة أو هوى يعمي، أو تقليد يقتل، أو مباهاة مهلكة.

لقد أصبحت البيوت العادية غير قادرة على احتضان و ليمة تذكرها السنون! فاستنجدوا باستئجار الفنادق الشهيرة والصالونات الفخمة، وذلك حتى ينعم الجميع بمقعد في مستوى الحدث، وحتى يتجنب المولمون آفة الوقوع في الإحراج!

أما مطعمهم ومشربهم، فلا عين رأت، ولا خطر على بال مسلم، من الأشكال والأصناف والألوان والأذواق والقناطير المقنطرة من المشوي والمقلي والمطهي الذي يصير أغلبه إلى القمامة، ذلك أن المدعوين لا يأكلون كثيرا خوفا من وصفهم “بالجوع”! أما شرب الخمر فليس فيه إحراج، وإن هذى وافترى لأن الدعوة تكسبه حصانة لا تسقط. أما الفقراء فحضورهم لا فائدة فيه لأن الحكمة من الوليمة أصبحت هي المفاخرة والمباهاة.

رغم كل هذا، لم تحقق الوليمة خيراً لا لأصحابها ولا للأمة أجمع، إذ لم يلبث الفخر الكاذب أن ينقشع، والسخاء المموه ينقلب إلى حسرة دائمة، وشقاق حاد كثيراً ما ينتهي بطلاق بعد أشهر قلة. بهذا عزف الشباب عن الزواج ففسد وأفسد. وعنست البنات، وانتشرت الرديلة، وكثرت الشكاوى وتبادل التهم بين الجنسين، حتى صار الزواج دربا من المغامرات التي قل من يقطعها بسلام.

أخيراً، نضرع إلى العلي الكبير أن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وأن يعيننا على تجاوز أزمتنا الروحية حتى نحقق ما تنعم به السلف من عز وسعادة. آمين، والحمد لله رب العالمين.

 عبد الرزاق الكولالي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *