كيف ندعو إلى الله في مناسبات الآخرين؟


دعيت يوما للمشاركة في حفل بمناسبة مرور مائة عام على وفاة شخصية “نصرانية”. فكرت في الأمر مليا قبل أن أجيب، واستجمعت كل ما كتب سلبا وإيجابا عن هذه الشخصية.

فكرت في المكان والحضور الذي سيقام فيه الحفل، والذي يقع في عمق منطقة مارونية، والمنتظر أن يحضره معظم أهالي تلك المنطقة من النساء والرجال والولدان، فضلا عن زعمائها ومرجعياتها ا لدينية والسياسية وفاعليتها التربوية والاجتماعية والاقتصادية.

إن وضعي كداعية يجعل الأمر في غاية الدقة، ولا بد من تغليب المصلحة الإسلامية العليا على أي مصلحة أخرى. فكيف أتصرف؟

– أن أعتذر للمشاركة فهذا أهون الخيارات، وليس من طبيعي البحث عن السهل الهين.

– أو أن أوافق على المشاركة محدد دوري في هذا الإطار وشرعية ذلك والجدوى من ذلك، وبخاصة أن صورة الإسلام باتت مشوهة لدى الآخرين من خلال ما يرتكب باسم الإسلام من أعمال هنا وهناك، والإسلام من ذلك براء؟ وكانت قد تسللت إلى تلك المناطق فئة لا تحمل من الإسلام إلا اسمه، عملت على تشويه صورتنا لدى الناس، متهمة”الحركة الإسلامية” بالتطرف والإرهاب والدموية، مقدمة نفسها على أنها الحركة الإسلامية الأصيلة المعتدلة الوحيدة في العالمين.

هذا فضلا عن أن “الحرب اللبنانية القذرة” أقامت حواجز نفسية بين الطوائف المختلفة وشكلت تراكمات من الكراهية والحقد بين المواطنين.

قلت في نفسي أليس من واجبنا كدعاة أن نتصدى لذلك كله؟ ألم يكن الخطاب الإسلامي موجها إلى الناس كافة؟ أولسنا مطالبين بدعوة الناس جميعا إلى منهج الله وإقامة الحجة على العالمين مصداقا لقوله تعالى : {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما} النساء.

أوليس هذا منهج النبي  الذي بعث البعوث، وسير الدعاة إلى كل العباد والبلاد والممالك، وعلى قاعدة الخطاب الإلهي الحاني: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ال له فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}(آل عمران).

ثم أوليس من مصلحة الاسلام أن يكون “النصارى” حلفاء مشروعنا المقاوم في مواجهة المشروع الصهيوني، وفي وقت تعمل فيه إسرائيل على الاستفادة من كل التناقضات المذهبية والطائفية وإضعاف جبهتنا الداخلية؟

القرار الأخير: بعد أن قمت بجولة التأمل والتفكير والدراسة هذه، رجح عندي خيار المشاركة لرجوح مصالحه على  مفاسده، حيث إنمفاسده لا تخرج عن إطار جهل بعض الناس بهذه الاعتبارات التي تجعلهم دائما على طرف نقيض منا في كل المواقف والتصرفات.

أخذت قراري n متوكلا على الله- وأبلغته إلى أصحاب العلاقة.

الحفل: يوم المناسبة قصدت مع عدد من الإخوة مكان الاحتفال، وكانت الطرقات تغص بالناس  مقيمين ووافدين- من مناطق مختلفة، وما إن وصلنا البلدة التي يقع فيها الحفل وغادرنا السيارات، حتى كانت الأهازيج تملأ الفضاء “وحفنات الأرز” تتساقط على رؤوسنا وثيابنا، وكأنها المطر المنهمر. وهذه عادة لبنانية للدلالة على عظيم الحفاوة والتكريم.

الخطاب: توقفت في خطابي عند عدد من المحاور :

الأول: محور الكلام عن شخصية صاحب الذكرى .

الثاني: محور الكلام عن الإسلام.

الثالث: محور الكلام عن وجوه التعاون الإسلامي النصراني في بناء لبنان، وفي مواجهة التحديات الخارجية، وفي مقدمتها تحديات الكيان الصهيوني.

أما عن المحور الأول، فقد كان التركيز على الجانب المتميز في شخصية صاحب الذكرى، وهو محاربته للظلم أيا كان، مما عرضه إلى مكائد دولية قضت بنفيه على  متن بارجة فرنسية نقلته إلى إيطاليا، حيث بقي فيها حتى وفاته.

والاسلام الذي حارب الظلم بكل أشكاله ليتعاون مع كل الفئات ضمن هذه الدائرة، وهذا ما فعله رسول الله  في “حلف الفضول” قبل الإسلام، وأعلن عن استعداده لمثل ذلك في الإسلام.

أما عن المحور الثاني، فقد كان التركيز على الخطاب القرآني في مخاطبة أهل الكتاب والتعامل معهم. والقرآن الكريم والسنة الشريف يزخران بالأدلة الحضارية على ذلك. من ذلك قوله تعالى: {لاينها كم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} ( الممتحنة). وقوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون}(المائدة)، وقوله تعالى : {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} (العنكبوت : 46).

ومن ذلك قوله  : “من أذى ذميا فأنا خصمه” ومن كنت خصم خصمته يوم القيامة” (الخطيب البغدادي).

وأما عن المحور الثالث، فقد ركزت على ان تقوم بين المسلمين والنصارى جبهة عريضة واحدة تسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة والحرية للجميع، وعلى محاربة الطائفية بسلاح الدين، وبناء المجتمع على أساس القيم والأخلاق.

وختمت كلامي أخيرا بدعوة الجميع إلى جبهة واحدة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وأخطار المشروع الصهيوني.

وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

د. فتحي يكن

المجتمع ع 1371

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *