المـــرأة القرويـــة وتحقيــــق الـــــذات


لقد بات التفكير في النهوض بالعالم القروي من أبرز ما يشغل الساهرين على وضع استراتيجيات المشاريع التنموية ببلادنا -وخاصة مؤ سسات المجتمع المدني- رفعا للتهميش الذي طاله منذ عقود خلت ، فالقرية المغربية أحوج ما تكون في هذه الحقبة الفوارة من الزمن إلى تبني نموذج تنموي شامل يقوم على بث روح المسؤولية من أجل السعي إلى بناء الذات الحضارية انطلاقا من التشبث بقيم العلم والمعرفة والاعتزاز بالهوية ـ ليس تباهيا بذاكرة الماضي ـ ولكن قصد خلق ثقافة إبداعية تضرب بجذورها في عمق تاريخ الأمة، ثم تمتد أغصانها لتنهل من كل طيب فتثمر بذلك ثمارا ناضجة تكون نبراسا فكريا يرسخ مفهوم التكامل بين الرجل والمرأة في كل مجال وفي كل خطوة من خطوات النهوض الحضاري بالمجتمع ويراهن على التنمية الذاتية الداعية إلى الاعتماد على النفس. وإليكم هذا النموذج الجمعوي الذي يحاول جاهداً السير في هذا الاتجاه.

فمن منطلق تصورها الفلسفي للعمل الجمعوي المبني على المقاربة التشاركية نظمت جمعية “ارشيدة للبيئة والتنمية” ملتقاها الثقافي الأول من 2 إلى 4 غشت 2002 بقرية ارشيدة، إقليم تازة تحت شعار “يدا في يد من أجل إنقاذ وتنمية ارشيدة”. تضمن الملتقى محاضرات وندوات تمحورت حول شقين رئيسيين :

<  العمل الجمعوي: واقعه، آفاقه، ودوره في الدفع بعجلة التنمية.

< التعريف بالبلدة على عدة مستويات.

هذا بالإضافة إلى منوعات ثقافية أخرى.

ربما لا يكاد يختلف اثنان حول إيجابيات الملتقى ومن بينها ذلك الحشد الهائل من أبناء البلدة الذين توافدوا عليها من عدة أقاليم في المغرب بل وحتى من وراء حدوده، ليشهدوا عن كثب أنشطة الملتقى من أجل الإفادة والاستفادة، ويحولوا ساحته إلى فضاء تعارف وصلة رحم ولقاء بين اهل البلدة وضيوفها. إلا أن ما ميز ـ برأيى ـ أول تظاهرة ثقافية تنظم بالبلدة هو إباء المرأة ودعمها الكبير للمتلقى من خلال معرض الصناعة التقليدية الذي حول مدخل الساحة التي أقيمت عليها الأنشطة إلى رواق من المنتوجات اليدوية النسوية ذات القيمة العظيمة، منتوجات تزاوجت فيها الألوان وامتزجت بتناغم يكشف عن مهارة تلك المرأة و قدرتها على العطاء انطلاقا من أبسط الوسائل المتاحة، متحدية بذلك ظروف الحياة القروية وما تقف به في وجه المرأة من تهميش وإبعاد، ومعلنة ان قساوة الأيام ممثلة في تقاليد الاختباء1 وغيرها لم تمنع المرأة من اكتساب مهارات شتى بل والإبداع في كل ما اكتسبته، مشاركة أدلت من خلالها بدلوها لتعرب للجميع عن رغبتها الدفينة في العمل والإنتاج من أجل تنمية البلدة آملة أن تلقى يد العون من كل من يحيطون بها، يقول الدكتور المنجرة في أحد مقالاته:

شLe concours effectif de la femme -toutes les femmes- est  vital pour vaincre la misère qui règne dans le monde et pour mobiliser la culture -toutes les cultures-pour la  construction de la paix.  Une paix des  cuurs des esprits et des  amesص(2)

المؤازرة الفعلية للمرأة كل امرأة أمر حيوي من أجل القضاء على البؤس الذي يعم العالم ومن أجل تفعيل الثقافة كل الثقافات لبناء السلام، سلام القلوب ،العقول و الأرواح( لأن الرقي في سلم التقدم والازدهار الحضاري ما هو سوى الاستثمار الراشد لأهم عناصر التنمية : العنصر البشري بشقيه الرجل والمرأة وذلك بجعل مسؤولية العمران الحضاري قاسما مشتركا بينهما ومن ثم إقرار مفهوم التكامل بينهما في كل مجالات الحياة مما يوصلنا حتما إلى ملامسة الحس الإنساني وتطويره لذى كل الطاقات النسوية المعطلة.

لكن موازاة مع طلب الأنصاف ويد العون من المحيط الاجتماعي يبقى حشد القوى واسترسال الخطى النسوية القروية وتسارعها بشكل شمولي تتكامل فيه كل جوانب التنمية دون إلغاء أي جانب أو تغييبه أو التقليل من شأنه وجدواه,يبقى كل ذلك أمرا ملزما للمرأة القروية (في قرية ارشيدة وفي كل القرى المغربية) على اختلاف مستوياتها واهتماماتها حتى لا تشارك عن غير قصد في تعطيل قدراتها الخاصة- والكامنة فيها دون شك- على التجدد والتبلور الذاتي من جهة، ومن جهة أخرى حتى تحقق لذاتها شهودا مجتمعيا يلزم الكل بالتواصل معها كطاقة محورية جديرة بتحويل مشروع التنمية القروية من القوة إلى الفعل لأن مؤسسات المجتمع المدني تجهد نفسها وتتحدى كل الصعوبات كي تبادر وترسم الطريق لكن النمو يبقى بعيد المنال بدون زخم جماهري يستمد قوته من نظام قيم يتجاوز دونية المرأة فيعيد إليها مكانتها الطبيعية في الأسرة وفي المجتمع ويرسخ ثقتها بذاتها فيؤهلها لأن تعي مهمتها الجوهرية في الحياة ومن ثم تمارسها بقوة إرادة وبحسن إدارة كي لا تبقى تنمية المجتمع عملية مشلولة مبتورة  و منفصلة عن الخلية المركزية في النسيج الاجتماعي ألا وهي المرأة الإنسان بكل أبعادها الثقافية  المتسامية.

————-

1  ـ تقتضي تقاليد البلدة اختباء المرأة في البيت منذ يفاعتها بحيث لم يكن بوسع النساء الخروج عادة إلا بالليل (طبعا إذا دعت الضرورة لخروجهن).

2  ـ الدكتور المهدي المنجرة

– Après la conférence de pekin : pour une évaluation critique et une interpretation actualisée de la” “situation de la femme musulmane

مجلة المنعطف عدد 15/16,سنة 2000,صفحة 6.

 ذة. أمينة خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *