خطب منبرية : ثلاث وصايا للعام الدراسي الجديد


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه….

فيا عباد الله الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل…

عباد الله : في الأمس القريب فتحت مدارس ومؤسسات العلم أبوابها، وأقبل عليها أبناؤنا، فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعل هذا العام عاماً مباركاً، وأن يجعله عام عزة ونصرة للإسلام والمسلمين.

الــوصية الأولى :

للمـدرسين والمدرسـات

يا معشر المدرسين والمدرسات، والمربين والمربيات الفاضلات، يا من جعلكم الله مشاعل للنور والرحمة.. هاهم أبناء المسلمين وبناتهم قد أقبلوا عليكم محبين مجلين، أقبلوا عليكم بكل شوق وحنين ينتظرون منكم علوما نافعة، ينتظرون منكم الوصايا الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، فخذوا بمجامع تلك القلوب إلى الله، ودلوها على محبة الله ومرضاته، واغرسوا فيها الإيمان والإحسان والعبودية لله {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال : إنني من المسلمين}(فصلت : 33).

يا مشاعل النور والرحمة :

ما كان لله دام، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، فأخلصوا رحمكم الله لله القول والعمل.. قال الحسن البصري رحمه الله : لا يزال الرجل بخير إذا قال، قال لله، وإذا عمل، عمل لله.. الإخلاص هو الهدى والنور، عاقبته الرضا والسرور، وجنات الفردوس والحبور، ما كان في قليل إلا كثره، ولا يسير إلا باركه. قال بعض السلف رحمهم الله : “كم من عمل قليل كثرته النية”.

واعلموا رحمكم الله، أن رسالة العلم، ورسالة التعليم، ائتساء واقتداء بأشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم خير المعلمين وإمام المربين وسيد المدرسين والموجهين، قال معاوية رضي الله عنه وأرضاه : >فبأبي وأمي ما رأيت معلماً كرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكرهني ولا ضربني ولا شتمني<(أخرجه مسلم)، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه : >ما لمست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد صحبته عشر سنين ما قال لي يوماً أف<(أخرجه البخاري ومسلم)… كان صلى الله عليه وسلم خير المعلمين.. كان صلى الله عليه وسلم خير المربين، كان حليماً رحيماً رفيقاً رقيقاً، ييسر ولا يعسر، ويبشر ولا ينفر، كان صلى الله عليه وسلم خير المعلمين كان طليق الوجه دائم البر والسرور، قال جرير رضي الله عنه وأرضاه : >ما لقيت النبي صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي<(أخرجه البخاري ومسلم).

أحبابي الكرام : لأبناء المسلمين على مدرسيهم حقوق وواجبات، أمانات ومسئوليات برأت من حملها الأرض والسماوات، وأشفقت من عبئها الجبال الشُّم الشامخات الراسيات، حَمَل هذه الأمانات المدرس، حملتها المُدرسة، حملها كل واحد منهما أمانة على ظهره، ووضعها في رقبته وعنقه، فطوبى ثم طوبى للمخلصين والمجدين والمجتهدين والمثابرين الناصحين، ثم ويل وويل للمستهزئين والمستخفين والمضيعين.. قال تعالى : {وليحملُنَّ أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم وليُسألن يوم القيامة عما كانوا يَفترون}(العنكبوت : 13).

يا معشر المعلمين والمعلمات والمربين والمربيات :

انعقدت عليكم الآمال بعد الله ذي العزة والجلال، انعقدت عليكم في هداية الناس من الضلال، في تعليم الجاهل وتربية السفيه، سيأتيكم أقوام وفئام، يأتيكم الجاهل بجهله، والسفيه بسفهه، فاصبروا رحمكم الله وصابروا واغرسوا بأيديكم بذوراً قريباً يكون ثمارها، وقريباً يكون حصادها، اغرسوا بأيديكم العلوم النافعة، واغرسوا بأيديكم الأخلاق الجامعة لخيري الدنيا والآخرة.. التعليم رسالة عظيمة تقلدها الأنبياء، وورثها العلماء، وقام بها الأخيار والصّلحاء، فطوبى لمن عرف حقها، وأدى حقها على الوجه المطلوب الذي يُرضي الله جل جلاله..

أيها المدرس أيتها المدرسة، يا عباد الله :

تضيع رسالة التعليم إذا ضاعت حقوقه وواجباته، تضيع رسالة التعليم من المدرسين والمدرسات بالسهر إلى ساعات متأخرة من الليل مع الأصحاب والأحباب، فتضيع حقوق التلاميذ والتلميذات، ويأتي المدرس، وهو المربي، إلى درسه وقد خارت قواه.. وأعياه السهر فلا يعطي شيئا.. وتأتي المدرِّسة وهي في غاية الكسل والخمول، لا تستطيع القيام بالواجب الملقى على عاتقها.. بهذا تضيع رسالة المؤسسة وتذهب أدراج الرياح..

من المدرسين والمدرسات من هم في ذُرى العلياء -وهم كُثُر والحمد لله- وهم يجدون ويجتهدون، فكونوا عباد الله مثلهم أو خيراً منهم، وارتقوا عن هذه الأمور التي تضيع بها الحقوق والواجبات.. فالله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، مادامت النيات معقودة على الإخلاص وإتقان العمل..

الــوصية الثانية :

لــلآبـــاء والأمهــات

يا معشر الآباء والأمهات :

الله الله في حقوق المدرسين والمدرسات وحقوق الأبناء والبنات، اغرسوا في قلوب أبنائكم وبناتكم حب العلم والعلماء، اغرسوا في قلوب أبنائكم وبناتكم إجلال المعلمين والمعلمات وتوقيرهم واحترامهم طلباً لمرضاة الله سبحانه وتعالى، علموهم الأدب قبل أن يجلسوا في مجالس العلم والطلب..

هذه أم النبراس والقبس الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه وعليها : لما أراد أن يطلب العلم ألبسته أحسن ثياب ثم أدنته إليها، أدنته تلك المرأة الصالحة، ومسحت على رأسه، وقالت : (يا بنيّ! اذهب إلى مجالس ربيعة، وأجلس في مجلسه، وخذ من أدبه ووقاره وحشمته قبل أن تأخذ من علمه).. علمته قبل أن يجلس في مجلس للدرس والطلب..

وهذا رب العزة والجلال يُخاطب حبيبه وكليمه موسى \يقول : {اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني}(طه : 13- 14).

علمه سبحانه وتعالى الأدب : {اخلع نعليك}، وعلمه أدب الحديث : {فاستمع لما يوحى}، ثم أوحى إليه بالتوحيد و الشريعة : {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري.}. (شروط تلقي العلم).

الأدب ثم الأدب قبل أن يجلس الإنسان في مجالس العلم والطلب، يتعلم للعلم الوقار، يتعلم له الحشمة والوقار.. وينطلق الأبناء والبنات، وقد غرس الآباء والأمهات في نفوسهم المعاني السامية، معاني الإسلام الكريمة التي تدعوهم إلى احترام الكبير، وتوقير كل من أمر الله له بالتوقير.

يا معشر الآباء والأمهات :

تضيع رسالة العلم، إذا ضاعت حقوق المدرسين والمدرسات، إذا أصبح الآباء والأمهات لا يُتابعون الأبناء والبنات، ولا يسألون عن أحوالهم، ولا يتفقدون حالهم.. تضيع رسالة العلم بضياع هذه الأمانة العظيمة، فاشحذوا هممكم رحمكم الله واحتسبوا الأجر عند الله بالمتابعة والملاحظة والتوجيه للأبناء والبنات.

يا معشر الآباء والأمهات :

أعينوا الأبناء والبنات على ما للعلم من مشاق ومتاعب.. هذه أم سفيان الثوري رحمة الله عليه وعليها، يا لها من أم صالحة، توفي أبوه وكان صغير السن حدثا، فنشأ يتيماً لا أب له، ولكن الله رزقه أما صالحة كانت عوضاً له عن أبيه، أم وأي أم هذه الأم الصالحة، لما تُوفي زوجها تفكر سفيان رحمه الله في حاله وحال إخوانه وحال أمه فأراد أن يطلب العيش والرزق، وينصرف عن طلب العلم، فقالت له تلك الأم الصالحة مقالة عظيمة مباركة قالت له : (أي بني، اطلب العلم أكفك بمغزلي). فانطلقت الأم تغزل صوفها وتكافح في حياتها حتى أصبح سفيان علماً من أعلام المسلمين، إماماً من أئمة الشريعة والدين.. وكل ذلك في ميزان حسنات هذه المرأة الصالحة عظم الله ثوابها عن المسلمين.

يا معشر الآباء والأمهات :

تضيع رسالة العلم، وتقتل المعنويات، وتضيع الأمانات إذا استخف الآباء والأمهات بحقوق المعلمين والمعلمات، والمربين والمربيات والمدرسين والمدرسات.. حينما ينطلق الأبناء والبنات إلى مقاعد الدراسة دون توجيه ولا إرشاد ولا تربية، يعبثون هنا وهناك، ويلغون كيف يشاؤون حتى تضيع طاقات وإمكانات بعبث العابثين وسخرية المستهزئين حتى إذا أوذي ابنه وقوِّم على السبيل، أقام الدنيا وأقعدها، فانطلق ذلك الأب لكي يسب هذا ويشتم هذا ويستخف بالمدرسين ويهينهم أمام الناس.. فأي معنوية ننتظرها إذا أهين المعلم والمدرس والمربي أمام إخوانه من السفلة والرعاع؟؟.. أصبح كثير من المعلمين لا يستطيعون القيام بكثير من الواجبات والحقوق بسبب تفريط الآباء والأمهات.. ألا فاتقوا الله رحمكم الله.. اتقوا الله في حقوق المدرسين عليكم. واتقوا الله في حقوق المدرسات عليكم.. فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

ثم اسأل نفسك أيها الأب، واسألي نفسك أيتها الأم : من منا الكامل؟

وأنت بين أبنائك وبناتك كم تظلم، وكم تؤذي، وكم تضرب، وكم تتجاوز من حدود الله جل وعلا؟ ولكنك تنسى الإساءة في عظيم إحسانك إلى أبنائك، فكيف بهذا المعلم أو المدرس الذي قام لابنك وعلمه وأدبه، ويريد الخير له.. فاحتسبوا رحمكم الله في إكرام المدرسين والمدرسات في المؤسسات، وصدق الشاعر حين قال :

إن المعلمَ والطبيبَ كلاهما

لا ينصحان إذا هما لم يُكرما

فاقنع بدائك إن جفوت طبيبا

واقنع بجهلك إن جفوت معلماً

أكرموا المعلمين والمعلمات، واغرسوا في قلوب الأبناء والبنات حبّهم وتوقيرَهم وإجلالهم والصبر على “أذيتهم” يكن لكم في ذلك الخير الكثير..

üüüüüüüü

الحمد لله رب العالمين وبعد :

الــوصية الـثـالـثـة :

لأبنـائـنـا وبـنـاتـنـا

يا معشر الأبناء والبنات ها هي أيام العلم قد أقبلت فأقبلوا عليها بجد وإخلاص.. خير الوصية وأجمعها وأعظمها على الإطلاق وأشرفها : الوصية بتقوى الله عز وجل، وصى الله بها الأولين والآخرين، وذكّر بها الأنبياء والمرسلين، وحث عليها الأخيار والصالحين فقال في كتابه المبين : {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}..

اتقوا الله فإن الله يهدي بالتقوى من الضلالة، ويُعلّم بتقواه من الجهالة، ومن يتق الله يجعل له فرقاناً {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً}.

يا معشر طلاب العلم : تذكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : >من تعلم العلم ليماري به السفهاء أو يجادل به العلماء فليتبوأ مقعده من النار< وأنتم تسلكون سبيل العلم اذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : >من سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقاً إلى الجنة<.

أشرف العلوم وأزكاها وأحبُّها إلى الله جل وعلا علوم الدين، وأشرفها علم العقيدة والإيمان ثم علم الشرائع والأحكام، فجدُّوا واحتسبوا.. ننتظر منكم خيراً كثيراً، وما ذلك على الله بعزيز {ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله واسع عليم}.

إذا علم الله في قلوبكم أنكم تريدون أن تكونوا من أهل العلم الصلحاء، ومن الأخيار العلماء الأتقياء وفقكم وسددكم وألهمكم ويسر لكم الخير حيثما كنتم.

كما نريد العلماء، ونريد من يقوم بثغور الدين، فإننا كذلك نريد من يقوم بسد ثغور الدنيا، ننتظر العلوم على اختلافها ما لم تُعارض شريعة ربنا، ننتظر الطبيب بطبه، والمهندس بهندسته، وكل عالم ينفع الأمة بعلمه، ننتظر الخير الكثير، وهذه ثغور الإسلام تنتظركم يا شباب الإسلام فجدوا واجتهدوا، واعلموا أن الغايات والأهداف النبيلة لا تدرك بالمنام، ولا تطلب في الأحلام، ولكن تُوجِبُ الجد والاجتهاد والكفاح والصبر والصلاح والإصلاح، فإذا أخذ الله بيد عبده وفقه وفتح له أبواب الخير ويسرها له.

اتقنوا يا طلاب العلم العلم ولا ترضوا بالقليل، واسموا إلى المعالي، وتخلقوا بالأخلاق الكريمة والفضائل، واجتنبوا سفاسف الأمور والرذائل من إضاعة الحصص والدروس في الضحك واللهو والفكاهات، فذلك دمار لكأيها الشاب، أيتها الشابة، وإن كان يصنعه غيركم فاردعوه، فإنه يؤذيكم في مستقبلكم، ويضيع عليكم في تحصيلكم، فتعاونوا رحمكم الله للبلوغ إلى المصالح العظيمة، ودرء المفاسد الكثيرة.

هذه ثلاث وصايا، أسأل الله تعالى أن ينفع بها السامعين، ورب سامع أوعى من مبلْغ وليبلغ الشاهد منكم الغائب

ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله الرحمة المهداة والنعمة المسداة، فقد أمركم الله بذلك.

ذ. محمد بوهو

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *