تحليل سياسي : نــتــائــج الإنـتـخـــابــــات تـكـشـف : واقع الأحزاب السياسية المغربية ومصداقية التمثيل


يبدو أن مفهوم الحزبية عندنا هذه الأيام قد أصابته فيروسات التلوث المتمثلة في أشكال من التصرفات السلبية المضافة إلى ترسبات الأخطاء الخاصة بكل حزب، وهو مالا يسمح لأي حزب عتيد أو فتي بأن يدعي أنه جدير بتمثيل رقم معين من إرادات المغاربة التي تجعله جديرا بتقدير سياسي يسمح له باقتراح وجهة نظره في حكومة منسجمة تمام الانسجام لحل الإشكالات المطروحة بإلحاح.وهذا راجع بالأساس إلى النظرة التحكمية الضيقة التي تمارسها القيادات على مناضليها من جهة، وانعدام رؤى تربوية تكوينية من جهة ثانية،   مما يترتب عنه الفشل في تنفيذ المهام التمثيلية لمناضلي هذا الحزب أو ذاك، مما لا يحتاج إلى دليل، ولعل ذلك ناتج أيضا عن كون نظام الحزبية في حد ذاته -لما تم استيراده وإدخاله في المنظومة الثقافية/السياسية الحضارية المغربية-لم يراع بعض الخصوصيات الثقافية والحضارية التي تعتبر من ثوابت النسيج الحضاري والاجتماعي المغربي، بالإضافة إلى عدم احترام الوظيفة الأساس لمفهوم الحزبية التي من أجلها برزت للوجود باعتبارها أداة حضارية لتنظيم المواطنين وتربيتهم،  فالحزب ينبغي أن يكون عبارة عن مدرسة اجتماعية تنظيمية لتخريج المواطن الأصلح بتنمية مواهبه، واستكمال ثقافته وتوجيهها إلى ما يمكن أن يكون أفيد لمجتمعه وأمته،  حيث ترسخ لديه مجموعة من المبادئ والقيم،  ويتلقى تمرينات إدارية واجتماعية تجعله مواطنا مرنا منضبطا، حتى إذا ما أسندت مسؤولية من مسؤوليات المجتمع لحزبه، وقدم وجهة نظره فيما هو قائم من الإشكالات الاجتماعية،  وجد طاقما كافيا منسجما من مناضلي حزبه الذين يفهمون خطابه، ويساعدونه على تقديم الخدمات اللازمة بصدق ليتجاوز بأمته خندق المشاكل المزمنة كما هو مجتمنا المغربي اليوم.

لعلنا في حاجة إلى لحظة توقف والإمساك عن إنشاء أي مؤسسة تمثيلية رسمية حتى نعيد النظر في أدوات البناء إن كنا نريد بصدق إعلان القطيعة مع الماضي، إن المؤسسات الهشة التي أنشئت في الظروف التي نتج عنها الواقع المتأزم لا يمكن أن تخلق واقعا أفضل ما لم تعد إلى نفسها وتتخلص من  رواسب الماضي وسلبياته،  ولذا أقول لابد من لحظة استراحة تتهيَّأ فيها العقول، ونخلص النيات ويقدم النصح بصراحة لنقد ذاتي بناء لتجاوز أخطاء الماضي وسلبياته،  ولذا يمكن القول بأن مفهوم الحزبية عندنا ينبغي أن يعاد فيه النظر جملة وتفصيلا،  لأن الاعتماد على تنظيماتنا الحزبية لتأطير المواطنين، وتكوين الأمناء الذين يتحملون المسؤولية بصدق وأمانة،  وإعادة المصداقية كاملة للهياكل التنظيمية،  وبث روح الصدق،  أمر بعيد المنال، بل يستحيل أن تقوم به أحزابنا الوطنية مادامت على النهج التكويني التنظيمي والسلوكي التي هي عليه، فالأحزاب المؤهلة لمسؤولية التمثيل ينبغي أن تكون منظمة في حد ذاتها  تنظيما يحدد العلاقات بين أفرادها باحترام وتقدير أولا، وأن تتشبع بروح الثقافة الحضارية للمجتمع المغربي الذي تسعى إلى تمثيله ثانيا،  وأن تعمل على احترام الثوابت الحضارية لمجتمعنا وتمتح منها لبناء ما تتصوره من معالم الرقي والتقدم استقبالا .

لماذا لحظة توقف؟

إن منطق التغيير من حالة إلى أخرى لا يتطلب أن تنقلب الأمور بقدرة قادر وطفرة واحدة.ولكن الأمور تبدأ بالتدريج شريطة أن يبدأ التغيير فعلا،   وتتغير الأحوال من سيءإلى حسن،  ومن حسن إلى أحسن،  وبالنسبة لحالنا :هل ثمة إطار للتغيير؟وما محل التعاليق المحقة أو المشوشة من الإعراب؟

جاء في إحدى الصحف الوطنية بخصوص ما نحن بصدده ما يلي: “قد يطول استعراض بعض التفاصيل التي تقيم التميز وتجعل التجارب الانتخابية التشريعية التي عرفها المغرب حتى الآن  تبدو وكأنها جزء من الماضي،  بيد أن مقولة إغناسيورامونيه مدير الشهرية الفرنسية لموند ديبلوماتيك :كل شيء في المغرب يتغير من أجل ألا يتغير أي شيء. لم تفقدها هنا بريقها بعد.

ففي مقابل التفرد،  هناك الاستمرارية،  وإذا كانت انتخابات 2002 لها ما يجعل منها تحمل الصفة الأولى،  فإن عناصر الاستمرارية حاضرة أيضا وتلك مفارقة أصبحت لصيقة بالعهد الجديد.

منذ سنة1963نادت أحزاب المعارضة بضرورة تغيير نمط الاقتراع الذي كانت تعتبره مدافعا عن العرش، لكن السلطة كانت تواجه هذا المطلب بالرفض، وعندما قررت بمناسبة التحضير للانتخابات القادمة استجابة لذلك المطلب القديم.تم تطويعه بالشكل الذي يجعله لا يخل بالثوابت الانتخابية،  وفي مقدمتها أن يكون الأعيان الحزبيون حاضرين في كل برلمان قادم.وكذلك ممثلو المناطق والعائلات، ولم تخرج الطريقة التي تم بها التقطيع الانتخابي عن متطلبات خدمة هذا الهدف ”

يمكن للقارئ أن يخرج من هذه الفقرات بفكرتين أساسيتين هما:

أولا : المقارنة بين سمات التفرد والاستمرارية،  وهو ما يجعله يتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم،  بين الإقدام والإحجام، فإذا ما وجهته قراءته إلى ترجيح كفة التفرد تفاءل وأقدم، وإذا تكدست لديه صور الاستمرارية استهان بكل ما يقال عن الجديد.

جاء في بداية نفس المقال :قبل هذا الموعد كان نفس الاستدعاء قد وجه إليهم ست مرات، أولها حدث سنة1963، في كل مرة كان المشاركون يكتشفون في النهاية أنهم بإزاء خدعة جديدة”والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين” ولعل ضعف الإيمان أدى بنا  إلى تكرار اللدغ ست مرات،  وعليه فالناس يتخوفون أن يكتشفوا في النهاية خدعة سابعة لا قدر الله.

كان يروج منذ أيام أن المرحلة  مرحلةالشباب والمرأة،  وهما عنصران جديدان لضخ دم جديد في جسم الديموقراطية،  ولكن يبدو أن هذا الأمل قد تبخر بعامل تحديد سقف أعلى لتمثيل المرأة في 30 مقعدا تمهيدا لزحزحة هذه النسبة في إطار صراع وكلاء اللوائح،  وبنفس العامل أبعد عنصر الشباب بالمرة والملاحظ أن العنصر النسوي مقصي “ديموقراطيا” بثلاثة عوامل غير رضى الناخب،  مقصي بحصر النسبة العامة في عدد معين، ومقصي بعامل وكلاء اللوائح الذين لهم وحدهم حظوظ النجاح كما سنوضح،   مقصي داخل اللائحة النسوية نفسها، وهكذا يكون الإنصاف عن طريق الديموقراطية عند دعاتها الذين تغدو المرأة االمغرربها وراء شعاراتهم.

الأمر الثاني الذي يمكن للقارئ أن يخرج به من فقرات المقال السابق أن مقاعد التمثيل النيابي حكر على فئة معينة من المواطنين تتلخص في أعيان الأحزاب وممثلي المناطق وكبار العائلات.وبعد  الفقرة التي تتضمن هذه العناصر يردف صاحب المقال بقوله:”وكما لنمط الاقتراع المعمول به ورديفه التقطيع الانتخابي علاقة وطيدة بضمان استمرارية بعض الأحزاب في الواجهة، فإن المنع العملي للمستقطبين، وعدم الترخيص القانوني لبعض التنظيمات السياسية بتأسيس أحزاب سياسية يشكلان الوجه الآخر لنفس اللعبة”

يمكن لهذا الكلام وما يشبهه مما ينشر أن يقرأ قراءات متعددة منها:أن هذه العناصر التي يحرص التقطيع الانتخابي على وجودها باستمرار هي من ركائز الاستقرار، وإذا اعتبرنا الأمر بهذا الفهم أي أن المصلحة العليا للبلاد تقتضي هذا فإنه يمكن القول بأن مفهوم الديموقراطية كما استوردناه يحتاج إلى عناصر أخرى حتى يتكيف مع واقعنا،  ولكن هذه العناصر الجديدة المطلوب توفرها لديموقراطيتنا- ولو مرحليا – لا ينبغي أن تقتصر على العناصر المذكورة بل يضاف إليها عناصر أخرى تظهر في الساحة الاجتماعية حسب الزمان والمكان.

وقد يقلص من بعضها إذا ما ظهر ما هو أجدى منها نفعا.

أما القراءة المباشرة التي يمكن أن تطفو على السطح للقارئ العادي فهي أن العناصرالمذكورة قد احتكرت هذا الامتياز الذي يمكن لكل مواطن متوفر على شروط المواطنة أن يكون من نصيبه بحكم مفهوم الديموقراطية كما استوردناه. وقد يبدو للقارئ العادي أن الأحزاب دخلت هي أيضا في لعبة التواطؤ على الشعب،  وهذا الفهم يدعمه السلوك العملي على الساحة السياسية للأحزاب،  ويتجلى ذلك في كثير من التصرفات السلبية للأحزاب السياسية فيما بينها أولا،  ومع مناضليها ثانيا. ويمكن جرد هذه المادة موثقة في مظانها،  مما يعطي المصداقية للعنوان العام الذي صدرنا به كلامنا هذا >واقع الأحزاب السياسية المغربية،  ومصداقية التمثيل< وهو عنوان عام تتلوه عناوين فرعية تمثل و جهة نظر لنقاش نأمل أن تتغلب فيه الحكمة،  والتعقل وهذه العناوين الفرعية التي نقترح أن يتناولها النقاش هي كما يلي :

1- مفهوم الحزبية في الإسلام.

2- واقع الحزبية بين المفهوم المستورد ومتطلبات الواقع الحضاري الاجتماعي.

3-دواعي نشأة الحزبية في المغرب بين الأهداف والوظائف.

4- بناء الأحزاب السياسية المغربية ومفهوم الديموقراطية.

5- مفهوم الحزبية في المغرب بين التعدد والتسيب.

6- الحزبية التي نريد : ضوابطها ووظائفها.

7- مفهوم الحزبية في المغرب بين الثوابت الحضارية ومستلزمات التطور.

إن هدفنا  العام هو مناقشة مفهوم الحزبية مالها وما عليها،  بعد هذه التجربة التي مرت بها أمتنا باعتبار الحزب مؤسسة اجتماعية من مؤسسات التربية والتكوين.

د. حسـيـن گـنـوان

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *