قضايا فقهية معاصرة ك د. صلاح الصاوي يناقش شراء المسكن بالقروض الربوية مناقشة المرتكزات الفقهية للمجيزين 4- الرد على المرتكز الثاني :2/2 تنزيل الحاجات منزلة الضرورات في إباحة المخطورات


إن إطلاق القول بتنزيل  الحاجات منزلة الضرورات في إباحة المحظورات سوف يفتح الباب أمام عشرات من الصور والتطبيقات الأخرى التي لعل بعضها لم يدر بخلد من أطلقه، وقد تنتهي بنا إلى استباحة ما حرم الله بالكلية في باب المعاملات:

– قد يأتينا الطالب ليقول: إنه محتاج إلى الاقتراض الربوي لاستكمال دراسته، إذ لا طاقة لأحد في هذه المجتمعات بالمعروفات الدراسية، اللهم إلا أبناء كبار ورجال الأعمال، وقليل ما هم

– وقد يأتينا الطبيب بعد تخرجه ليقول: إنه في حاجة إلى تجهيز عيادة أو  مستشفى ليبدأ حياته العملية، ويبني نفسه اقتصاديا، ولا يجد السيولة اللازمة لذلك ولا القرض الحسن.

– وقد يأتينا هذا الطالب بعد تخرجه ليقول: إن به حاجة إلى الزواج ولا يجد السيولة ولا القرض الحسن، ويريد أن يستخدم بطاقة الائتمان لشراء مستلزمات الزواج ويسدد ذلك على أقساط، مع ما يتضمنه ذلك بطبيعة الحال من الزيادات الربوية.

– وقد  يأتينا بعد ذلك ليقول : إن به حاجة لاستقدام والده وبعض من أفراد أسرته لشهود عرسه أو يريد هو أن يسافر إليهم ليشركهم في فرحته، ويريد أن يستخدم لشراء التذاكر اللازمة بطاقات الائتمان، مع ما تعنيه من الالتزام بدفع الزيادات الربوية.

– وقد يأتينا كذلك ليقول: إنه بحاجة لشراء سيارة، ويريد أن يشتري سيارة جديدة عن طريق القروض الربوية، وقد لا يفوته أن يقول: إنه حريص على أن يدرك بها صلاة الجماعة وأن ينال فضيلة الصف الأول.

– وقد يأتينا كل صاحب مشروع خاص عارضا حاجته إلى قرض  ربوي لتمويل استثماراته التي يريد أن يستغني بها عن ذل التوظف ومفاجآته، وأن يفرغ قلبه بعدها للعمل الإسلامي، والإسهام في بناء الجالية المسلمة.

– وقد يأتي التاجر  ليقول: إنه يبيع بالنسيئة، وحاجته إلى خصم ما لديه من أوراق مالية لدى البنوك حاجة ماسة، فالناس لا يملكون السيولة الكافية للشراء بالأجل،  وهو لا يملك رأس المال الكافي لكل هذه التسهيلات، أو يأتي ليقول إنه لامكان في هذه المجتمعات للكيانات الاقتصادية الصغيرة الهزيلة ويريد التوسع في تجارته من خلال بعض القروض الربوية ليصلب عود استثماراته ويقوى على المنافسة !

– وقد يأتي الزارع ليقول: إن حاجته إلى قرض ربوي لتغطية نفقات زراعته حاجة ماسة، لا سيما من يعملون في مجال استصلاح الأراضي، و لا يخفى ما تكلفه من النفقات الباهضة.

-وقد تأتي الجالية المسلمة لتقول: إن حاجتها إلى إقامة مدرسة إسلامية حاجة ماسة، وهي لا  تملك السيولة اللازمة لذلك وتريد الترخيص بقروض ربوية لسداد هذه الحاجة.

– بل قد تأتي لتقول: اشترينا قطعة أرض لبنائها مسجدا، وقد تقاصرت إمكاناتنا دون إتمامه،  والحاجة إلى إتمامه حاجة ماسة، وليست أهمية إقامة بيت لله بأدنى من أهمية إقامة البيوت الخاصة التي رخصتم في شرائها بقروض ربوية، ويريدون بدورهم الترخيص بقرض ربوي لإتمام هذا البناء ! وهذا الاحتمال والذي قبله قد وقع بالفعل في كثير من المناطق مما لا أظنه يغيب عن المجيزين لهذه النازلة.

– بل قد لا يقف الأمر عند حدود الربا وحده بل قد يأتي من يسحب ذلك على محرمات أخرى حيث إن كثيرا من المشروعات الاقتصادية في هذه البلاد تشوبها المحرمات، فالمطاعم ومحلات الأغذية تحتوي على الخمور ولحم الخنزير، وقد يلزم أصحابها من يشتريها أن يتعامل معها كما هي باعتبارها وحدات نمطية متكررة، وقد يأتي من يقول لنا من المستثمرين المسلمين: إن به حاجة لدخول هذا المجال بدلا من التقوقع في الوظائف أو المشروعات الهزيلة الفاشلة، ويريد الترخيص له بتملك هذه المشروعات على ما تحتويه من المحرمات.

ونستطيع أن نتمثل خطورة هذه التداعيات عندما نستصحب ما جاء في أوراق مؤتمر رابطة علماء الشريعة من أن المقصود بالضرورة في مجال العادات إنما هو الحاجة وليس الضرورة بمفهومها في باب العبادات، وبما جاء في بيانه الختامي من أن المسلم غير مكلف شرعا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية  ونحوها مما يتعلق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام لأن هذا ليس في وسعه، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام ا لتي تتعلق بهوية المجتمع وفلسفة الدولة واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي، وإنما يطالب المسلم بإقامة الأحكام التي تخصه فردا، مثل أحكام العبادات وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والميراث وغيرها من الأحوال الشخصية بحيث لو ضيق عليه في هذه الأمور ولم يستطع بحال إقامة  دينه فيها وجب عليه أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة ما وجد إلى ذلك سبيلا.

-وإنه لتتعين الإجابة على مثل هذا التساؤل: هل هذا الترخص مقرر لدفع حرج ومشقة أم للتوسع في جلب المنافع وتحقيق المصالح؟ إن كانت الثانية فأولى أن تكون الصياغة تنزيل الحاجات والتحسينات منزلة الضرورات في إباحة المخطورات !! وذلك لأن صاحب الأسرة  المحدودة قد يقول: إنه على الرغم من كونه لا يستشعر حرجا في مقامه، ولا يشكو نقصا في دخله، ولا كثرة في عياله، إلا أنه يريد أن يتملك منزلا بالربا ترفها وتنعما، أو لأنه بمنطق المصلحة وحسابات الكسب المادي يرى أن هذا هو الأحظى له والأنمى لأمواله.

– بل لا يبعد أن تحتج بذلك الدول في بلادنا، وتسوغ به ما تحتاجه من قروض ربوية في المحيط الدولي، بل ولتسوغ به ما تقدم عليه من مشروعات سياحية مع ما تتضمنه من أنشطة محرمة كالفجور والخمور والسفور ونحوه بدعوى تنشيط مرفق  السياحة وتوفير العملة الأجنبية ! ولا يغني في الرد على ذلك أن يقال: إ ن الفتوى خاصة بما كان من ذلك خارج دار الإسلام، لأن الفتوى تستند إلى قاعدة عامة وهي تنزيل الحاجات منزلة الضرورات في إباحة المحظورات، ولم يقل أحد ممن مضى من أهل العلم بتخصيص تطبيقها على ما وقع من عقود خارج دار الإسلام، فيصبح تخصيصها بذلك تخصيصا بغير مخصص وتحكما بغير دليل !

وأما الوقفة الأخيرة على المرتكز الثاني (تنزيل الحاجات منزلة الضرورات في إباحة المحظورات) فقد خصصها الدكتور صلاح الصاوي للحديث عن التفريق بين تحقق الحاجة أو الضرورة على المستوى الفردي وبين تحققها على مستوى الجماعة. ذلك أنه قد يصح القول بتحقق الحاجة على المستوى الفردي لانعدام البديل المشروع  الذي تندفع به هذه الحاجة ويعسر تبني نفس المقولة على مستوى الجماعة إذا كان في مقدورهم أن يسعوا في الخروج من حالة الاضطرار أو الاحتياج التي تحيط بهم، لكنهم يتقاعسون عن ذلك ويتخاذلون، فما قد يرخص به بالنسبة للآحاد قد لا يرخص بمثله للمجموع، وقد تمهد عند أهل العلم أنه قد يرخص في الشيء بالجزئية ويمنع منه بالكلية.

وتطبيق ذلك على هذه النازلة أنه -إذا صح جدلا تحقق الحاجة العامة لانعدام البدائل على  مستوى الآحاد، وهو غير صحيح – فإنه يعسر إطلاق القول بانعدام البدائل على مستوى المجموع على هذا النحو، لأن في مقدور الأفراد مجتمعين أن يتجاوزوا حالة الاضطرار المفترضة، وأن يخرجوا منها بإيجاد البديل المشروع، لا يعوقهم عن ذلك عائق، ولا يمنعهم منه مانع، ففضول الأموال مكتنزة، والحرية الاقتصادية متاحة، والعقول التي تدير ذلك بكفاءة واقتدار متوافرة، فما الذي يحول بين هذا المجموع وبين المبادرة إلى إنهاء هذه الحالة من الاضطرار بإنشاء المؤسسات التي تدير هذا الأمر في إطار من الربانية ومن خلال مرجعية الشريعة؟ !وعلى هذا فلو اقتصر القرار علىالترخيص في ذلك لمن يقع في حالة احتياج ظاهرة من الآحاد بعد عرض نازلته على من يثق في  دينه من أهل الفتوى لكان له متسع من النظر، أما أن يطلق لقول بالترخيص، ويتوجه بخطابه إلى عموم الجاليات فهذا الذي يضاعف الخطأ مرتين: مرة يوم أن افترض انعدام البديل، ومرة يوم أن افترض انعدام القدرة على إيجاده على مستوى المجموع، هذا مع ملاحظة أنه إذا اجتمعت الهمة على طلب البديل وصدق العزم على ذلك فإن الأبواب تفتح والصعوبات تذلل بإذن الله، سواء أكان ذلك على مستوى الآحاد أم على مستوى التجمعات.

الحلقة القادمة : الرد على المرتكز الثالث( أن ما حرم سدا للذريعة أبيح للحاجة).

ذ. عمر داود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *