خطب منبرية :  الصمود وعداء اليهود


الحمد لله المحمود بجميع المحامد تعظيماً وتشريفا وثناءً، المتصف بصفة الكمال عزةً وقوةً وكبرياءً، به نصول، وبه نجول، وبه نأمل دفع الكروب شدة وبلاءً، ودرء الخطوب ضنكاً ولأواءً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اختص المسجد الأقصى بالفضائل معراجاً وإسراءً، وحذرنا من كيد اليهود ووصفهم بأنهم أشد الناس للمؤمنين عداءً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل هذه الأمة جهاداً وفداءً، وأعظمها قدوةً واصطفاءا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ضربوا أروع الأمثلة صفاءً ووفاءً وطهراً ونقاءً، والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهم اهتداءً واقتداءً واقتفاءً، صلاة لا تطاولها أرضٌ أرضاً ولا سماءٌ سماءً، وسلم تسليما يزيده بهجةً وبهاءً ونوراً وضياءً وبركةً وثناءً.

أما بعد : فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى، تضرعوا بها شدةً ورخاءً، سراء وضراء، واعمروا بها أوقاتكم صباحاً ومساءً، فبها تُدفع المحن والبلايا، والفتن والرزايا، وبها تبوّأ الجنان عاقبةً وجزاءً.

إخوة العقيدة :

لم يبرز التاريخ قضية تتجلى فيها ثوابتنا الشرعية وحقوقنا التاريخية وأمجادنا الحضارية كما برزت فيها الأحقاد الدولية وظهرت فيها المتناقضات العالمية وانكشفت فيها حرب المصطلحات وتعرّى فيها بريق الشعارات وسقط القناع عن التلاعب فيها بالوثائق والقرارات كقضية المسلمين الأولى قضية فلسطين المسلمة المجاهدة الصامدة والقدس المقدسة والأقصى المبارك، حيث تشابكت حلقات الكيد في سلاسل المؤامرة لتمثل منظومة شمطاء من العداء المعلن والمكر المبطّن في تآمر رهيب من القوى العالمية كان من أبرز إفرازاته الخطيرة انخداع كثير من بني جلدتنا بخطط أعدائنا ويتجلى ذلك في إقصاء قضية فلسطين والقدسوالأقصى من دائرتها الشرعية ومنظمتها الإسلامية إلى متاهات ومستنقعات من الشعارات القومية والإقليمية والنعرات الحزبية والطائفية، وذلك لعمر الحق بتر لها عن قوتها المحركة وطاقتها الدافعة المؤثرة حتى تاهت القضية في دهاليز الشعارات والتواء المسارات وظلام المفاوضات ودياجير المساومات وأنفاق المراوغات في معايير منتكسة، وموازين منعكسة، ومكاييل مزدوجة، تسوّي بين أصحاب الحقوق المشروعة والادعاءات الممنوعة حتى خُيّل لبعض المنهزمين أن القضية غامضة شائكة لغياب التأصيل العقدي والشرعي لهذه القضية، أولسنا أمة لها مصادرها الشرعية وثوابتها العقدية وحقوقها التاريخية.

إخوة الإيمان :

اقرءوا التاريخ لتدركوا أن يهودَ الأمس سلفاٌسيِّئ ويهود اليوم خلفٌ أسوأ، كفّار النعم، محرّفوا الكلم، عُبّاد العجل، قتلة الأنبياء، مكذّبوا الرسالات، خصوم الدعوات، شذّاذ الآفاق، حثالة البشرية {من لعنهم الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل}، هؤلاء هم اليهود، سلسلة متصلة من اللؤم والمكر والعناد والبغي والشر والفساد {ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين} حلقات من الغدر والكيد والخسة والدناءة، تطاولوا على مقام الربوبية والألوهية {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا} تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، لقد رموا الرسل بالعظائم، واتهموهم بالشناعات والجرائم، آذوا موسى، وكفروا بعيسى، وقتلوا زكريا ويحيى، وحاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم، عملوا له السحر، ودسوا له السم بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون}.

أمة الإسلام :

فاليوم تواجه الأمة الصراع على أشده مع أعداء الأمس واليوم والغد، مع أحفاد بني قريظة والنضير وقينقاع عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، فهل يعي بني قومنا حقيقة أمة الغضب والضلال بعد أن تفاقم شرهم، وتطاير شرارهم، وطفح بالعدوان كيلهم، فالصراع أخذ يتفجر ويتعاظم، والاستغلال والأطماع تزداد وتتفاقم، والتمادي بالاستخفاف بالعرب والمسلمين ومقدساتهم بلغ أوج خطورته من جرذان العالم نقضة العهود والمواثيق، من عشش الغدر والتخريب والمكر في عقولهم، وسرى الظلم والطغيان في عروقهم فأبوا إلا الصلف والرعونة والفساد والأذى، فاستحقوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لما جنحت الأمة للسلم تحقيقا للمصالح الكبرى ودرءا للمفاسد العظمى لم يجنحوا لها ولا عجب فهو سلام مع جهة لا يرضيها إلا تصفية الخصم، واستلاب أرضه، وتشريد أهله، والعبث باقتصاده، وإلغاء كرامته، وانتقاص سيادته، وتقطيع أوصاله، وتناثر أشلائه، ألا فلتعلم الأمة أن هؤلاء القوم قوم تاريخهم مفضوح، وسجلهم بالسواد مكلوء، ولن يرضوا إلا بتحقيق أطماعهم – لا بلغهم الله مرادهم، يريدون إقامة دولة إسرائيل الكبرى وأن تكون القدس عاصمة لهم، كما يطمحون ويطمعون إلى هدم المسجد الأقصى وبناء هيكلهم المزعوم على أساسه، يريدون إبادة دولة التوحيد والقرآن وإشادة دولة التوراة والتلمود على أنقاضها عليهم من الله ما يستحقون، فعلى مبادرات السلام السلام مع قوم هذا ديدنهم عبر التاريخ، وتلك أطماعهم ومؤامراتهم، ولعل ما شهدته الساحة الفلسطينية هذه الأيام من مشاهد مرعبة ومآس مروعة حيث المجازر والقذائف والدبابات، جثث وجماجم، حصار وتشريد، تقتيل ودمار في حرب إبادة بشعة وانتهاك صارم للقيم الإنسانية وممارسة إرهاب الدولة الذي تقوم به الصهيونية العالمية مما لم ينسه التاريخ بل يسجله بمداد قاتمة تسطره دماء الأبرياء الذين رويت الأرض بمسك دمائهم من إخواننا وأخواتنا على أرض فلسطين المجاهدة، عشرات المساجد دمرت، ومئات البيوت هدمت، وآلاف الأنفس أزهقت، كم من نساء أُهينت، وأطفال يُتّمت، ومقابر جماعية أُقيمت، فإلى متى الذل والمهانة، والضعف والهزيمة والاستسلام؟ أما آن لهذا الهوان أن ينتهي، وللضعف والذل أن ينقضي، وليل الليل الطويل أن ينجلي، فهل تفيق أمتنا من سُباتها؟

نداء حار إلى قادة المسلمين أن أدْرِكُوا فلسطين قبل أن تضيع، واعملوا على إنقاذ الأقصى قبل أن يُستقصى، إن من يشن هذه الحرب الضروس ومن يقف وراءها انطلاقا من فلسفة الإبادة العنصرية لن يفلت من قبضة الجبار جل جلاله، كما لم يسلم من غضب الشعوب وسخط التاريخ، إنها مأساة يعجز اللسان عن تصويرها ويخفق الجنان عند عرض أحداثها، يعييَ البيان عن ذكر مآسيها ويقصر الوصف عن بيان أبعادها وخطورتها، مأساة بكل المقاييس ومعضلة بكل المعايير، ليس لها من دون الله كاشفة، فرحماك ربنا رحماك، واللهم سلّم سلّم.

إن هذه الكارثة من أوضح الدلائل على سجيّة القوم وما يكنونه لأمتنا ومقدساتنا ، إنه لأمر تبكي له العيون دما، يقتل الأبرياء العزل على أيدي سفاحي الصهاينة، ورثة النازية والفاشية، فأي حق لهم في فلسطين الأرض العربية الإسلامية التاريخية إلى قيام الساعة التي تبوأت منذ فجر التاريخ مكانتها المرموقة لدى المسلمين بل هي جزء من ثوابتهم وأمانة في أعناقهم، ولن يفرطوا بشبر من أرضها بإذن الله ما دام فيهم عرق ينبض، وإن الحق الذي يدعيه يهود في فلسطين خرافة لا سند لها، وصلافة لا مبرر لها، لقد مضى أكثر من خمسة عقود من الزمان على قضية المسلمين الكبرى والمأساة تتجدد يوما بعد يوم فأين المسلمون؟

لقد نكأت الأوضاع المستجدة الجراح، فأين منا خالد والمثنى وصلاح، يا ويح أمتنا ما ذا أصابها أيطيب لنا عيش ويهدأ لنا بال ويرقأ لنا دمع ومقدساتنا تئن وقدسنا تستنجد وفلسطيننا تنادي والأقصى يصرخ قائلا

كل المساجد طُهّرت وأنا على شرفي أدنّس، كل ذلك يحدث على مسمع من العالم ومرأى، وكأن المسلمين لا بواكي لهم، أين العالم بهيئاته ومنظماته؟ أين مجلس أمنهم وهيئة أممهم؟ أين هم من بكاء الثكالى، وصراخ اليتامى، وأنين الأرامل، واغتصاب الأرض، وتدنيس العرض؟ فسلام الله على جنين الصمود، ونابلس الشموخ، أين شعارات ومنظمات حقوق الإنسان الزائفة؟ ماذا يريد الضمير العالمي؟ وأين هي المقاطعات السياسية والاقتصادية على مجرمي الحرب والمستهترين بالأعراف الدولية والقرارات العالمية؟َ.

فيا صناع القرار، يا قادة العالم، يا أصحاب الرأي، يا من تدعون محاربة الإرهاب ماذا تسمون ما فعله هؤلاء المجرمون بالمسلمين في فلسطين؟ وسيرجع إليك الطرف خاسئا وهو حسير حينما يتهمون أصحاب الحق المشروع، المقاومين للظلم والبغي والاحتلال بالإرهابيين، فهل تطلعات أكثر من مليار من المسلمين في الحفاظ على مقدساتهم تعد وحشية وإرهابا؟ {سبحانك هذا بهتان عظيم}.

أيها الإخوة المرابطون على أرض فلسطين المجاهدة الصامدة أرض العز والشموخ والفداء والتضحية والجهاد والإباء، يا أهلنا في الأرض المباركة فلسطين، يا أحبتنا في أرض الإسراء والمعراج، عذرا إن وجدتم في كثير من أبناء أمتكم التخاذل والتثاقل، لكم أرّقنا أنّ أقصانا أسيرٌ بأيدي الطغاة البغاة العتاة، فما يُذكر الأقصى – أقر الله الأعين بفك أسره وقرب تحريره- إلا وتعتصر قلوبنا حسرة وأسى على ما جرى له ويجري مما فطّر الأكباد وأدمى القلوب، وصبراً أيها المرابطون لقد سطرت انتفاضتكم المباركة بأحرف العز والنصر والشرف ملحمة من أروع النماذج في التاريخ المعاصر، لقد أعدتم الأمل في النفوس فثقوا بنصر الله لكم متى نصرتم دينه {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} قلوبنا معكم، والله ناصركم، والمال نبذله فواصلوا دربكم واستنهضوا الهمم.

هنيئا لكم تقديم الأرواح رخيصة في سبيل الله، ودعاؤنا أن يتقبل الله قتلاكم شهداء، وأن يكتب لمرضاكم عاجل الشفاء، وأن يحيينا وإياكم حياة السعداء، لا تيئسوا من روح الله، فالنصر قادم بإذن الله {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}، {ألا إن نصر الله قريب}.

الله أكبر : هذه بوارق النصر تلوح، ورائحته تفوح، تتوجها انتفاضة جهادية باسلة لا تزال هي الورقة الرابحة، وشمعة الأمل المضيئة في أيدي المخلصين من أبناء هذه الأمة، حيث لم تفلح سياسة لي الذراع وألوان الصلف والتعسف، إنها أرواح تتهادى لنصرة دين الله وإعلاء لكلمة الله، وما أكثر النماذج الحية في أمتنا المعطاء التي أنجبت الأبطال والشهداء، ولئن كان سياق العاطفة يغلب في طرح هذه القضية المؤرقة فأي عاطفة يجمل بها أن تجمد وتتبلد في أوضاع ملتهبة وأحداث متفجرة غير أن عاطفتنا لا ينبغي أن تطغى على عقولنا وحكمتنا فتخرج بها عن الضوابط الشرعية والأنظمة المرعية في كفاح موهوم أو غوغائية مثيرة لا بد من الجد في مسالك الإصلاح والاستيقاظ من الغفلة والتغفيل وبث الوعي العميق والتحصيل الوثيق بخطى مؤصلة ومنهجية مدروسة تواجه دسائس اليهود بكل حزم وحكمة.

أمة الجهاد والفداء :

إن من واجب المسلمين الوقوف مع إخوانهم في العقيدة في فلسطين وغيرها ودعمهم ماديا ومعنويا بالإنفاق في سبيل الله، فالجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس في كثير من آي الكتاب وسنة النبي الأواب كما لا يخفى على أولي الألباب {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} وقال صلى الله عليه وسلم{جاهدوا المشركين بألسنتكم وأموالكم وأنفسكم}.

والمسلم الحق لا يتردد في البذل والعطاء في مواطن الجهاد والفداء {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عننفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.

أيها الأحبة في الله :

ألا وإن مما يبعث على التفاؤل هذا التفاعل الإسلامي والتعاطف الإيماني والترابط الأخوي الشعبي لأمتنا الإسلامية مع إخوانهم المسلمين هناك، وقد تابع الغيورون بكل تقدير وإعجاب ما أسفرت عنه حملة التبرعات المباركة لدعم انتفاضة الأقصى مع ما يؤمل من بذل المزيد من نصرة الحق وأهله وردع الظلم وأهله، فهنيئا لهذه البلاد المباركة مبادراتها الإيجابية العملية البناءة، ولا غرو فلها القدح المعلى والدور المجلى في نصرة قضايا المسلمين ووقوفها معهم لا سيما عند الكوارث، تشد أزرهم، وتضمد جراحهم، انطلاقا من واجبها الإسلامي كونها قبلة المسلمين ومحط أنظارهم، ولقد كانت قضية فلسطين إحدى ثوابت سياستها الخارجية في مؤازرة شتى قضايا أمتنا الإسلامية جعلها الله في موازينها وزادها من الخير والهدى والتوفيق بمنه وكرمه، والدعوة موجهة إلى المسلمين جميعا في دعم هذه الحملات الخيرية المباركة لنكون يدا واحدة تسبق أفعالنا أقوالنا في نصرة الإسلام والمسلمين والدفاع عن مقدساتنا وعدم التفريط بأي من ثوابتنا العقدية والشرعية وحقوقنا التاريخية مهما كلفنا ذلك من ثمن، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والذلة والصّغار على أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والوثنيين وسائر المفسدين، {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}، {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز}،  {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}.

<  فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس – إمام وخطيب المسجد الحرام

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *