توسمات جارحة : مسؤولية المرأة في ضوء القرآن الكريم


قد يبدو الحديث عن مسؤولية المرأة الإنسانية والاجتماعية والسياسية, واعتبارها ,مثلها مثل الرجل, خليفة الله في الأرض تكرارا لما ردده المصلحون منذ أن تخلفت المرأة عن هذه المسؤولية  وأسلمت زمام أمرها لمن قادها نحو جاهليتين : جاهلية التقليد الأعمى لما وُجد عليه الآباء والتعصب لعادات وتقاليد متعفنة ليس لها أي جذر في الأصلين القرآن والسنة والغلو في أخذ مختلف الأمور , وجاهلية التقليد الأعمى لكل ما هبت به ريح الغرب من إباحية وفجور وفسق.وهي ضائعة بين الجاهليتين تتأرجح شمالا ويمينا , تنغمس في هذه أو تلك , أو تأخذ من كلتيهما ما يلائم شخصيتها المضطربة.لكن عذري أن مثل هذا التكرار يدخل في باب التذكير, لأن الذكرى تنفع المومنين وتنبههم إلى ما هم عنـه غافلون.

وفي مجال التذكير بمسؤولية المرأة الإنسانية التي قررها الله تعالى في كتابه قوله عز وعلا : {ومَنْ يعمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وَهُوَ مُومِنٌ فَأُوْلئِكَ يَدْخُلونَ الجنَّةَ وَلَا يُظْلَمونَ نَقيراً}(النساء : 124).ويقول تعالى :{مَنْ عَمِلَ صالحا منْ ذكَرٍ أو أنثى وهوَ مومِنٌ فلنحيننّه حياةً طَيِّبَةً ولنجْزِينَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ماَ كانوا يعْمَلون}(النحل : 97).وهي آيات توجه الخطاب للرجل والمرأة معا تأكيدا على المساواة المبثوثة في كل نصوص الشارع قرآنا وسنة لأن الأصل فيه توجيه الخطاب لهما معا وحكمهما واحد إلا إذا ثبت فارق شرعي يبين غير ذلك.وهي أيضا تُوَثِّق المسؤولية بالصلاح الذي هو أساس العمل الجاد و المسؤول عند الرجل والمرأة على السواء , وبدونه تتردى المرأة في ظلمات العبودية والظلم والجهل والإباحية وإن وصلت إلى أعلى المناصب أو هوت إلى مذلة الاستسلام.وانطلاقا من هذه المسؤولية الإنسانية التي لا تفصل  بين الرجل والمرأة يقرر صلى الله عليه وسلم المساواة التامة في الأصل والمسؤولية وتأكيد الشخصية واستقلالها في قوله : >إنما النساء شقائق الرجال<(1). وعبر عن المرأة بالشقيقة لما تكشف عنه من مطلق المساواة في الإنسانية وتحمل مسؤولية هذه الإنسانية أمام الله عز وجل ثم أمام نفسها ومجتمعها.

وفي مجال التذكير بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية نذكِّر بقوله تعالى  :{فاسْتَجابَ لهُمْ ربُّهُمْ أَنِّي لا أُضيعُ عَمَلَ عاملٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ,بعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ,فَالذينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِها الأنْهَارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ}(آل عمران : 195). وهي آية جامعة تُشرِّع نشاط المرأة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية حسب احتياجات المجتمع الإسلامي دون قيد أو شرط إلا ما يفرضه الشارع من آداب تصون هذا النشاط لِيُصْبَغ بالصلاح المشروط من أجل تقبّل العمل عند الله تعالى , وذلك حتى تحقق وجودها وتكفل لنفسها ولأسرتها حياة كريمة ومكانة لائقة و تكتسب مقام العامل الناضج المشارك في العمل الصالح.

وإذا تذكرنا هذه المسؤولية الإنسانية والاجتماعية والسياسية فإنها لاشك تسلمنا إلى إعادة النظر في كيفية معاملة المرأة على ضوء ذلك وهو موضوع نرجئه إن شاء الله إلى العدد القادم.

< دة.  أم سلمى

——–

1- رواه أبو داود في صحيح الجامع الصغير.حديث رقم 2329.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *