إغفاءة وإفاقة


في فترة اللاوعي رَدَّدْنَا الشعارات الجوفاء، كتبنا عن حُلْم الرحيل إلى ما وراء البحار عن الحرية وعن أشياء أخرى، وبَدَا لَنَا الشرق أبا شيخا من عصور الحكم العثماني البائد ولشد ما ازدرينا ذاك الشيخ الأحمق، أما الغرب فكان والدا متفهِّما متحررا يعيش اللحظة بسعادة، ولا يكلف نفسه الرجُوعَ إلى ما فعله السابقون قبله ليحتَكِم إليه فيما يَفْعَلُهُ مع ابنته أو زوجته.

كان نَوْما تَوَاطَأْنَا على الاستغراق فيه، فبدت لنا أشباح  خلناها شخوصا آدمية، أما يزال الغرب ذلك الأب الرحيم، الضاحك بحنان لابنته الصغيرة؟ كَلاَّ، كَانَ الغربُ يمثل أَمَامَ أَعْيُنِنَا المُنْبَهِرَة غيْر الممنعة ضد داء الرمد، دور المصلح الصالح، كلا، إن من يجترئ على بتر بطن من كان بالأمس خلا وصديقا لا يمكن أن يكون صالحا مصلحا، وإن من يتسلل خفية إلى جذور صديقه الثقافية ويجتثها ويحول الناس عنها، أبدا لن يستطيع إقناعنا مهما استبدل جلده أو لمعه بصدق طويته، إن الخدعة لا تتمكن من المرء إلا مرة. قد كنا فيما مضى ندين بثقافتك  التنويرية البراقة، لكن الحقيقة انجلت واكتشفنا أيها الغرب أنك تحمل لنا من الكره  والبغضاء قََدْرَ  ما اختزنت من ذهب وفضة، فهل ترانا ننخدع بك ثانية، ونمد إليك أيادينا البيضاء نعاهدك على الحب والسلام؟ إن هذا لن يحدث سيدي، لأن يَدَكَ الممدودة إلينا بمكر، يكمن تحت جلدها لُغْمٌ لعينٌ قد ينفجر في وجوهنا فَتَعْمَى أبصارُنا كما وَدِدْنَا أن تكون، لَقَدْ كانت كالليل أو أشدَّ سوادا، ولكنها الحقيقة ولا يمكن أن يتَغَيَّرَ لَونُها.

نسرين المكي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *