آيات ومواقف : {ألم يان للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله..؟}


قال تعالى: {ألم يان للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق؟ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون} الحديد: 16.

الناظر فيما وصلت إليه أحوال الأمة من بُعْدٍ عن الله، وقلة تدين، وفعل جملة من المحرمات، وارتكاب عدد من المنكرات، بما في ذلك الكبائر والموبقات: الشرك والربى والزنى والقتل وشهادة الزور وسب الدين والتبرج والحكم بغير ما أنزل الله وإشاعة الفاحشة، ونشر الفجور والفسوق… وما إلى ذلك مما لا يعد ولا يحصى من المعاصي والآثام، يكاد يصاب باليأس  والإحباط في إصلاح هذه الأوضاع، وإرجاع الأمة إلى صراط الله المستقيم! غير أن تحريم الإسلام اليأس من جهة وتبشيره برجوع الأمة إلى رشدها  من جهة ثانية كما في قوله تعالى: {والعاقبة للمتقين} وغيرها من الآيات والأحاديث يجعل المرء يعمل ويجد ويجتهد، ويضاعف عمله آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، قوالا للحق، لا يخاف في الله لومة لائم وهو ينظر إلى المستقبل بأمل كبير.

غير أن هذا المسلم يتساءل مع نفسه والقلةِ الصادقة المخلصة من إخوانه : متى نصر الله؟ متى تصلح الأوضاع؟ متى يختار الناس إتيان الطاعات؟ والتزام القربات؟ وأداء العبادات؟ ويبتعدون عن المحرمات والمنكرات؟ متى يكون ذلك؟

إنه تساؤل مشروع، يدفعه إليه أمله في الإصلاح، وشفقته على حال الناس غير المرضية، مرددا قوله تعالى في سورة الحديد على الآذان والأسماع، وأينما حل وارتحل {ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق..؟} ألم يحن ذلك الوقت بعد؟ وقت خشوع قلوب المومنين لدين الله، وخضوعهم لشرعه؟

إنه تساؤل يرجو هذا المسلم المشفق ويامل أن يصل إلى قلوب بعدت عن الهدى والنور فينقذها من وهدتها، ويخرجها من عصيانها، ويوقظها من غفلتها، وله في عظيمين من عظماء هذه الأمة، ورجلين من خيرة رجالها هما : عبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض رحمهما الله أسوة وقدوة: كيف كانا.؟ وكيف تحولا بعد سماعهما هذه الآية: {ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق…}

1- موقف عبد الله بن المبارك رحمه الله :

قال القاضي عياض  رحمه الله: >سئل ابن المبارك عن ابتداء طلبه للعلم فقال: كنت شابا أشرب النبيذ، وأحب الغناء، فدعوت إخوانا لي حين طاب التفاح  وغيره إلى بستان، فأكلنا وشربنا حتى ذهب بنا السُّكْر والنوم! فانتبهت آخر السحر، فأخذتُ العود أعبث به وأنشد:

ألم يان لي منك أن ترحما         وتعصى العواذل واللوما

فإذا هو لا يجيبني إلى ما أريد، -يعني العود- فلما كررت عليه ذلك إذا هو ينطق كما ينطق الإنسان! يقول: {ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله…} قلت: بلى يا رب، فكسرت العود وهرقت النبيذ، وجاءت التوبة  بفضل الله بحقائقها،  وأقبلت على العلم والعبادة (ترتيب المدارك 3/38).

وقال القرطبي: سئل ا بن المبارك عن بدء زهده فقال: كنت يوما مع إخوان لي في بستان لنا، وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه، فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا، وكنت مولعا بضرب العود والطنبور، فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له راشين السحر، وأراد سنان يغني، و طائر يصيح فوق رأسي على شجرة، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان ويقول: {ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق..؟} قلت: بلى: وكسرت العود، وصرفت من كان عندي، فكان هذا أول زهدي وتشميري. (الجامع لأحكام القرآن: 17/251).

2- موقف الفضيل بن عياض رحمه الله :

قال القرطبي رحمه الله: كان سبب توبة الفضيل بن عياض أنه عشق جارية فواعدته ليلا، فبينما هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع قارئا يقرأ: {ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله..} فرجع القهقرى وهو يقول: ” بلى والله قد آن” فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة وبعضهم يقول لبعض – حين رأوه وقد  كان من قطاع الطرق- إن فضيلا يقطع الطريق، فقال الفضيل، أواه ! أراني بالليل أسعى في معاصي الله، قوم من المسلمين يخافونني ! اللهم إني قد تُبت إليك،  وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام (المصدر السابق). فهل نسمع هذه الآية الكريمة كما سمعها عبد الله بن المبارك والفضيل بن عياض رحمهما الله؟ لقد آن أوان ذلك، فأسرع أخي القارئ، وقل كما قالا >بلى والله قد آن<.

امحمد العمراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *