في رحاب السنة : طلب الرزق بالحرام يمحق بركة الدين والدنيا


عن أبي أمامة  رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : >إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده  إلا بطاعته< (أبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني في صحيح الجامع 2080.).

شرح الحديث  :

إن قضية الرزق في هاته الأيام أصبحت ظلمات بعضها فوق بعض. فلقد تعذر الحلال واستشرى الحرام. مما جعل الكثير من بني جلدتنا يصيبه اليأس الشديد من أن يتحصل على لقمة عيش  من رزق  حلال. ومن أجل ذلك رأيت أن أتناول موضوع الرزق بنظرة إسلامية، من أجل أن يدب اليقين في القلب بأن الله هو الرزاق، وأن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته. إذن ما هو الرزق؟

إننا حينما نتحدث عن قضية الرزق فإن الفكر ينصرف بلا تردد إلى الرزق المتمثل في الدرهم والدينار. مع أن قيمته في مؤخرة الأرزاق التي يسوقها الله إلى عباده. فنعمة الإسلام أعظم نعمة ساقها الله إليك أيها الأخ الحبيب وأيتها الأخت الفاضلة. وكذلك إذ جعلك الله من أتباع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فهذا رزق عظيم. وحفظ القرآن وحسن الخلق زرق عظيم. والصحة والستر وراحة البال رزق عظيم،  والأمانة وحب الخير للناس رزق عظيم والدعوة إلى الله على بصيرة رزق عظيم لمن تدبر.

كل هذه الأرزاق غفل عنها الكثير  من المسلمين وشغلوا أنفسهم باللهث وراء الدرهم والدينار. بل إن الصبر نعمة  عظيمة. فقد قال صلى الله عليه وسلم: >من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر<(البخاري  ومسلم).

نعم فالصبر نعمة لا يعلم قدرها إلا  من لامس الإيمان شغاف قلبه. أما المال فإنه قد يجعل الإنسان ينشغل عن طاعة ربه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: >ما قل وكفى خير مما كثر وألهى< أبو يعلى، عن أبي سعيد، صححه الألباني في صحيح الجامع 5653.

ومن أجل ذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم، >اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا< أي ما يكفي لقوت اليوم ولا يزيد عليه”. رواه مسلم وغيره.

ولما كان الإنسان في سن الشيخوخة أشد احتياجا إلى تيسير الرزق، وذلك لأن قدرته على السعي لا توازي قدرته في فترة الشباب، كان على الإنسان أن يتخذ ما يستطيع من الاحتياط لتوفير ما يعود عليه بالنفع في شيخوخته. فكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: >اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقطاع عمري< رواه الحاكم عن عائشة وحسنه الألباني في صحيح الجامع 1255.

إن أعظم رزق بعد الإسلام، أن تتوق نفسك للجنة، فتعمل بعمل أهلها، لا بمعصية أهل النار.

إن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن حال أنْعُم أهل الدنيا يوم القيامة فيقول: (“يوتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في جهنم صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط.؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويوتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة. فيصبغ في الجنة صبغة. فيقال له: يا ابن آدم، هل  رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ،ما مر بي بؤس قط. ولا رأيت شدة قط). مسلم، وأحمد عن أنس.

من هنا نعلم قيمة نعمة الإسلام، وحقارة نعم أهل الكفر والإلحاد.

ثم نرجع إلى ما ضمن الله لأنفس الإنسان من رزق قوله تعالى : {وما من دابة في الأرض إلى على الله رزقها} والله لو أيقنت القلوب بهاته الآية، لما وجدنا رجلا يخاصم أخاه على مال أو جاه أو أي شيء من حطام الدنيا فلقد تكفل الله بأن يرزق  الناس والدواب والهوام. فكيف بالمومن الذي رفع راية التوحيد في قلبه ورسخت العقيدة بين جوانحه، فظهرت على جوارحه وأفعاله. وقد قال حاتم الأصم:

وكيف أخاف الفقر والله رازقي

ورازق هذا الخلق في العسر واليسر

تكفل بالأرزاق للخلق كلهم

وللضب في البيداء والحوت في البحر

أما طلب الرزق بمعاصي الله، ولو حصل موقتا، فإن المعصية تزيل النعم، وتحل النقم، فما  زالت عن العبد نعمة إلا بذنب،  ولا حلت به نقمة إلا بذنب كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “ما نزل بلاء إلا بذنب،  ولا رفع إلا بتوبة”.

حتى إذا بقيت نعم قائمة على العاصي، فإن بركة النعم تزول حتما، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: >اللهم إني لا أسألك رزقا قد قدرته لي، ولكني أسألك البركة في هذا الرزق<.

ويحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نبي الله أيوب \ هذا المشهد فيقول: “بينما أيوب يغتسل عريانا. خر عليه جراد من ذهب. فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه تبارك وتعالى يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك” البخاري وأحمد  والنسائي.

ومن هنا فإن الإنسان إذا بارز الله بالمعاصي فإن الله ينزع ا لبركة من عمره وعلمه ورزقه، بل  من حياته كلها وبالجملة فإن طلب الرزق بالحرام بمحق بركة الدين والدنيا، فلا تجد أقل بركة في عمره و دينه  ودنياه ممن عصى الله، وما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق.

ما يستفاد من الحديث :

1- إن العبد يدركه رزقه ولو فر منه.

2- تحري الحلال أمانة واجبة.

3- إن أعظم رزق بعد الإسلام أن تتوق نفسك للجنة.

4-من أسباب الرزق الحلال طاعة الله وعبادته.

5- العمل ضروري لجلب الرزق مع التوكل على الله تعالى

6- ومن أسباب الرزق الحلال الإحسان إلى الضعفاء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم” البخاري.

< ذ. الحسين فلييو <

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *