خطب منبرية : انتكاس القدوة


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله  بالحق  بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة.

من يطع الله تعالى ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله تعالى ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله تعالى شيئا.

إن أصدق الحديث  كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وشر  الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة،  وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

عباد الله : كنا نتساءل: لماذا ظهرت فينا الفتن وأصابتنا المحن، وأوجعتنا المصائب على يد الإنس  والجان،  وغضبت علينا مخلوقات الرحمان؟ وصرنا اليوم نعرف الإجابة، نسمعها في البيوت والمساجد والشوارع، في المدن والقرى على لسان الصغير والكبير، والغني والفقير: إن ما أصابنا بما عملته أيدينا، بما اقترفناه من منكرات وآثام، وظلم وإجرام، وشرك وحرام، بما كسبته جوارحنا الملوثة بالمعاصي… وكأننا جميعا نستدل على واقعنا بقول الله عز وجل: {وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} إلا أن تذكرنا  لهذه الآية وغيرها، لا يثير فينا حياء ولا خشية، ولا ندما ولا حسرة، فكأننا رضينا بهذا الوضع، وقبلنا هذا الحكم فلا نريد به بديلا،  أو كأننا يئسنا من تغييره وتبديله فرضخنا له مكرهين مرغمين.

عباد الله : إن الله أضاف الكسب إلينا، وجعله من آثار أفعالنا، التي يخلقها فينا، ليخبرنا أنه كما يخلق فينا القدرة على الفعل، يخلق فينا القدرة على الترك إذا استعنا به، وعزمنا وأردنا، وقد أخبرنا سبحانه بثواب ترك المعاصي، إذا تركناها لله، كما أخبرنا  بجزاء المعاصي إن فعلناها بقصد وإرادة، ولم نتب منها، وأخبرنا سبحانه أن ما يصيبنا من المكاره ليس مقابل كل المعاصي التي صدرت منا، وإنما كل هذه الضربات التي تنزل بنا هو جزاء قليل من المعاصي. أما الكثير منها فهو سبحانه يعفو عنه ويصفح. ولو عاقبنا سبحانه على كل معاصينا، ولم يعف عن قليل ولا كثير لأصابنا ما لا نحتمله، ولا قبل لنا به ولهلكنا جميعا. قال تعالى: {ولو يواخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} أي لأهلك كل دابة تدب على الأرض، ليس الإنس فقط. وأنتم تعلمون – عباد الله – أن الخلق الذي تأتي منه المعاصي إنما هو الإنس والجن فقط. وهذا معناه أن كل هلاك يصيب المخلوقات الأخرى سيحاسب عليها الإنس  والجن الفاسق العاصي، المتمرد على أمر الله سبحانه. وأكبر عقاب ينزله الله على العصاة المصرين، الذين دأبوا على النفاق والوقاحة واقتحام الحرمات والجرأة على المقدسات هو رفع الحياء من نفوسهم، ومحو الخشية من قلوبهم، وإطفاء نور الهداية من بصائرهم، واستدراجهم إلى كل شر، وإبعادهم عن كل بر، فلا ترى إلا خبيثا مخبثا، سفيها  مسفها خائنا مخونا، مقيت ممقتا، لا قناعة بالحلال، و لا صدق في الكلام و لا محبة في القلوب، يقودهم الشيطان من أنوفهم، أو يسوقهم ويدفعهم من رقابهم، لا يرجى منهم خير، ولا يوقى منهم شر.

أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم و قف على ناس جلوس فقال: ألا أخبركم بخيركم من شركم؟ قال فسكتوا. فقال ذلك ثلاث مرات. فقال رجل: بلى، يا رسول الله، أخبرنا  بخيرنا من شرنا. فقال: خيركم من يرجى خيره، ويومن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره” لعل هذا المجلس من الصحابة كانوا يحاولون أن يعرفوا علامات الخيرين الأبرار، وعلامات الجاهلين الأشرار، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يتركهم في البحث والسؤال وقد لا يتوصولون إلى الجواب الصحيح. فخفف عنهم العناء، وعلمهم مما علمه الله وأبان لهم أن خيرهم هو الذي يلجأ الناس إليه. ويكثرون ببابه ويرتاحون لرؤيته ولقائه. لأنهم ينتفعون به، ولا ينالهم منه أي أذى، وأن شرهم هو الذي لا يطمعون في خيره، ولا ينجون من كيده وشره، فميزان الخير عند  رسول الله هو حب الخير للناس والتواضع لهم وقضاء حوائجهم، وجلب الخير لهم، ودفع الشر عنهم وإكرامهم وإعزازهم. ومقياس الشر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأنانية والكبر والبخل، وإرهاب الناس وإذايتهم وإذلالهم وإهانتهم. وأي خير في الذي  يحبس خيره عن الناس، و لا يحبس عنهم شره وأذاه.

شكا أحد المسلمين لصاحبه كثرة الفئران في بيته فقال له صاحبه: لِمَ لا تقتني هرا ينقض عليها؟ فقال المشتكي: أخشى أن تسمع الفئران صوت الهر فتهرب إلى دار جاري، فأكون قد أحببت لجاري ما لا أحبه لنفسي، هكذا كانت قلوب المسلمين وأرواحهم وفهومهم لكلام الرسول عليه الصلاة والسلام و تطبيقهم له أما الذين تربوا على يديه صلى الله عليه وسلم فكانوا يتسابقون إلى الخير والإحسان ويتنافسون فيما يرضي الرحمان. حدثت خصومة بين طلحة بن عبيد الله والإمام علي رضي الله عنهم في قطعة أرض صغيرة، مجاورة لضيعة طلحة. ورفعت الخصومة إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه فخرج بنفسه إلى عين المكان مع الصحابة، وخرج طلحة وعبد الله بن جعفر وكيلا عن عمه علي، فسأل سيدنا عثمان الصحابة، وكان معهم سيدنا معاوية فأخبر سيدنا عثمان بأن عمر بن الخطاب  سبق أن حكم بأن تلك الأرض لعلي. فقال سيدنا عثمان: انتهى الأمر إذا والأرض لعلي كما حكم عمر، ولا نقض لحكمه. فتوجه عبد الله بن  جعفر يبشر عمه عليا بالحكم، فلما أخبره قال له علي، انطلق إلى طلحة وأخبره أن الأرض له، فانطلق، وأخبره. فقال له طلحة إني ذاهب معك لزيارة علي، فلما جاءه قال له: جئتك لأمرين أحدهما جئت لأشكرك،  وثانيهما لابدمن قضائه، فقال علي: مر أفعل. فقال طلحة: إن تلك الأرض وضيعتي وما فيها من عبيد ودواب وآلات هي لك، وقاما متحابين، متباكيين متعانقين. رضي الله عنهم جميعا”.

بالله عليكم هل تنتهي  منازعاتنا وخصوماتنا في الإدارات والمحاكم بهذا الكرم و هذه المودة، وهذا الإخاء وهذا الصفاء. اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا آمين والحمد لله رب العالمين.

üüüüüü

الحمد لله  كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والهدى، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار.

وبعد :

فلقد كثر في  أيامنا هذه اللوم والتوبيخ لحكام العرب والمسلمين. فلماذا هذا اللوم وذلك التوبيخ، والحكمة تقول: كيفما تكونوا يول عليكم ! وما ينفع اللوم والعتاب في نفوس عميت عن الآخرة، ونسيت يوم الموقف! وما ينفع اللوم والتوبيخ في قلوب ملئت رعبا وخوفا من أمريكا، و عقول انشغلت عن قدرة رب العزة بقوة البشر الحقير! لقد عرف التاريخ أمثال هؤلاء الحكام و لكن ليس بهذه الكثرة، وبهذا التكتل و الاتفاق على الخذلان والخزي. لقد أسمعت لو ناديت حيا: ولكن لا حياة لمن تنادي. وما الذي فعله الأفراد والشعوب الذين يوجهون غضبهم نحو حكامهم  ؟ بماذا آذوا العدو؟ وبماذا أخافوه وأزعجوه؟ باللهو والطرب؟ أم بالغناء واللعب؟ أم بالخصومات والتنازع؟ أم بالحسد والتنافر؟ أم بهتك الأعراض وبيع الأسرار؟ أم بالغش والتزوير؟ أو بكثرة الزنا وشرب الخمور؟ أبهذه الأخلاق نرعب العدو، ونخيف الصهاينة؟! أبهذه الأخلاق نقوم حكامنا ونؤطر رعاتنا؟! ألم يقل القائل: وما من ظالم إلا سيبلى بأظلم؟ ألم يقل الله سبحانه: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}. فالكثير منا لا يتخلى عن ثمن كوب  شاي أو قهوة ولا عن ثمن فطور أو كسوة، ولا عن ثمن وليمة أو أضحية، يقدمها ثمن رصاصة للمجاهدين، أو لقمة  خبز لأبناء المقاتلين، أو كسوة تستر عورة من عورات المنكوبين. بل منا من لا يتخلى عن ثمن سيجارة أو صحيفة، إعانة لفلسطين، بل منا من لم يتخل عن بضائع العدو، بل منا من لا يرى نجاة إلا من الخضوع للعدو.. ولو قدم الفقراء ما بوسعهم: درهما، أو ثمن ملعقة أو شفرة أو  كوب، أو ثمن عشاء لجمع الكثير،  الكثير! فكيف لو تفضل الأغنياء بما يقدرون عليه ولا يضرهم،  وهم يعلمون قول الرسول عليه الصلاة والسلام (ما نقص مال من صدقة) فكيف لو تكرم الأمراء والملأ والوزراء بما يناسب غناهم ويلائم مكانتهم.

عباد الله : إن الأمة إذا أفاقت وزالت الغشاوة عن بصائرها تستطيع أن تفعل العجب، تستطيع أن تؤثر في حكامها بالأخلاق الحسنة، تستطيع أن تغير ما  بها من أوضاع مزرية، تستطيع أن ترهب الأعداء، وتكسب نتائج المعركة بإذن الله، ألا فلتقتنع الشعوب والأفراد بأن كثيرا من حكامهم نيام أو صبيان، أو معتوهون، أو سفهاء لا رأي لهم، أو مكممون ملجمون، أو مخدرون، ألا فليدعوهم و كراسيهم، و لا يحرجوهم مع أمريكا، وليغدروهم إنهم منهزمون، وعلى الشعوب أن تقوم وتقاوم، وتجاهد حتى تحقق النصر، وتعيد الاعتبار لقادتها وسادتها، و لنقل لهم ما قاله الشاعر:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فأنت الطاعم الكاسي

ولكن أين الأفراد والشعوب؟ ماذا قدمت أحزابهم  وتكتلاتهم ومنظماتهم وجمعياتهم؟ بماذا شارك ذكورهم و إناثهم، تجارهم وصناعهم وزراعهم، حتى الزكاة التي هي حق الله وحق المحتاجين يريد بعض المسلمين أن يوزعها على من حوله: على ابنته وابنه وحفيده وخادمه وسائقه وصهره وصديقه، وإن كانوا في حال الكفاف وهناك  وهنا من هو تحت الصفر بكثير، ممن قال تعالى فيهم: {يحسبهم الجاهل- أي بأخبارهم وأحوالهم- أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا}.

لقد كثر  طلاب الزكاة في هذه الأيام، ولو تدبر أولئك المزكون وأولئك المحسنون قوله تعالى: {يحسبهم الجاهل} لتحروا ولتثبتوا ولبحثوا عمن يستحق الزكاة. فالمزكي الذي لا يعرف المستحق جاهل. والمزكي الذي يبعثر زكاته دون علم هو جاهل أيضا، لأن الله أمره بإيتاء الزكاة، وبمعرفة مستحقها، حتى لا تقع في أيدي أهل الجشع والحرص الذين لا يقنعون ولا يشبعون ولا يستحيون.

عباد الله : لقد تجلى لكم عيانا وفي ضحى النهار، وبالأدلة القطعية أن أمريكا هي التي تنتج الإرهاب وتمارسه وتصدره، فلقد رأيتم كيف خوفت كثيرا من القادة فلم يحضروا ابتداء بل دعوا غيرهم إلى عدم الحضور، وأرهبت آخرين فانصرفوا بعدما حضروا وسمحت للبعض من أجل فرض السلام اليهودي أو لإفشال القمة، وإن كنتم تعلمون مسبقا أن هذه القمم صارت شؤما على العرب والمسلمين. لكن الذي نعجب منه أن الشروط التي اشترطها الإسلام في الإمامة سلخ منها الكثير من قادة العرب والمسلمين، لقد كانت القيادة العليا تعني القمة في الإيمان والعلم  والرأي والكرم والشجاعة والذكاء  والحكمة. فأصبحت القيادات العليا تعني عند الكثير القمة في السفه والحمق والجهل والجبن والبلادة والخور.

فقد انتهى دور الحكومات والدول والقيادات العظمى وجاء دور الأفراد الأفذاذ الذين لا تفتنهم دنيا، ولا تحبسهم مصالح شخصية،  ولا يقعدهم إرهاب، ولا يثنيهم ترغيب عن التعجيل بدخول الجنة عن طريق الاستشهاد والتضحية. فهل جاء دور أصحاب أحد؟

لقد كان العرف والعادة أن يقتدي الناس بولاة أمورهم وقادتهم وسادتهم. أما اليوم فقد تغيرت جهة القدوة وتبدلت،  فعلى القادة والشعوب والأفراد أن يقتدوا بسادتهم  وأبطالهم وكرمائهم و خيّريهم. علينا جميعا أن نقتدي بالشهداء العظماء في فلسطين، فهم السادة وهم القادة، وهم الأسوة الحسنة، وهم الأبرار الأخيار، نسأل الله أن  يكرمنا بما أكرمهم، ويحيي قلوبنا وأرواحنا كما أحياهم، وأن يظهر المقتدين بهم في كل مكان آمين.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين.

وارض ا للهم عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة الميامين رضوا بالله ربا وبالإسلام  دينا  وبمحمد رسولا. آمنوا بأن الخلافة أمانة  ومسؤولية فأجهدوا أنفسهم في نصرة الدين وحماية الأمة. وعن التابعين ومن  تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم فقد الأمل وزال الرجاء من كثير من القادة والدول والشعوب والأفراد. ولم يبق واثقا بك معتمدا عليك راغبا فيما عندك إلا القليل. اللهم وأنت أعلم بهم وبأعدائهم  وفيك الرجاء وفيك كل الأمل فبارك في هذه القلة الثابتة الصامدة، وأنزل عليها من سكينتك و بركتك، وتأييدك ونصرك ما يزيدها عزا وقوة، وغلبة  وكثرة، حتى تخجل الكثرة المتخاذلة. من نفسها وتلحق بالجبهة المباركة دفاعا عن أرضها ومقدساتها وكرامتها.

آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

<  د. محمد أبياط

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *