فضاءات فكرية : تأويل النص في الخطاب النسوي المغربي


تقديم : استطاع الخطاب النسوي المغربي منذ سنة 1975 وإلى اليوم، بلوغ أربه في تحقيق رصيد كمي مهم من الإنتاجات الفكرية التي تعكس تصوراته. وهكذا كانت الأولية التنظيرية مع مساهمات الأستاذة عائشة بلعربي في المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ثم مع إنتاجات فاطمة المرنيسي. وتأتي بعد ذلك معالم أخرى على شاكلة مساهمات : هند التعارجي، ونعمان جسوس، ورحمة بورقية، ورشيدة بنمسعود، وفاطمة ازريول، وآسية أقصبي، وغيرهن.

وإنه من الحقيق أن نجاهر ونكاشف بأن الإحاطة بهذا الخطاب النسوي لم تتحقق لحد الآن إذا سلمنا بأن الإحاطة ضابط رئيس في تأصيل الخطاب المضاد. وواقعنا الثقافي شاهد على أن الردود على الخطاب النسوي المغربي لا تعدو أن تكون ردود أفعال، بقدر قبسة العجلان، في صيغة مقالات يسعى أصحابها إلى نقد رؤى الخطاب النسوي، أو إلى الطعن الشخصي في أهله.

فما هو المطلوب إذن لتفكيك هذا الخطاب النسوي ؟ وكيف السبيل إلى تأصيل خطاب شرعي خاص بالمرأة ؟

إن المطلوب في المبتدأ هو تحليل البنى المعرفية، والقواعد المنهاجية التي تميز هذا الخطاب النسوي، باعتبار هذا الخطاب حقلا معرفيا نشأ في فضاء التغريب. والتغريب في هذا المقام مجال حضاري له تصورات وأدوات ومقاصد محددة. فلا عجب إذا كان التغريب يمتلك شبكات مفاهيمية، ومنظومات معرفية تحدد مسالكه. ومن نماذج تلك الشبكات المفاهيمية : العلمانية، الفرنكفونية، الحداثة، الشمولية، اللامقدس،…وإن مما يحرك هذه المساهمة المتواضعة، هو سبر غور الخطاب النسوي، لالتماس أصوله، والوقوف على بناه، لأن المقصد هو وضع ذلك الخطاب في نسقه المعرفي المركزي.

< ذ. بدر المقري <

صورة المسألة النسوية

في الخطاب النسوي المغربي

يعطي الخطاب النسوي للمسألة النسوية صورة وتصورا. فالصورة هي ما به يحصل إدراك المسألة النسوية. والتصور هي حصول صورة المسألة النسوية في عقل المتلقي. والخطاب النسوي في جمعه بين الصورة والتصور، إنما يحرص على درك تقديم نفسه باعتباره مركزا أحاديا قادرا لوحده على حل الإشكالية النسوية. فكيف يكون هذا الخطاب النسوي المغربي يا ترى مركزا وما سواه هوامش وأطرافا ؟

إن أول أمر لافت في الخطاب النسوي، هو أنه قسيم الخطاب الشرعي من حيث الاصطلاح. فهو يندرج معه في المرحلة الأولى وهي الأس، ثم يقابله ويعارضه في المرحلة الثانية. تأملوا معي استعمال الخطاب النسوي المصطلحات الآتية : التأويل، الظني، القطعي، الاجتهاد، النقلي، العقلي، القياس، الكتاب، السنة…

والفيصل بين الخطابين، هو أن الخطاب النسوي يعطي المصطلحات التي تعتبر بداهة مكونا من مكونات الخطاب الشرعي، حمولة دلالية ومفهومية تطابق وتناسب بناه. والأجدر هنا هو التنبيه على أن ما يدير دفة إعطاء الحمولة الدلالية والمفهومية، هو التغلب الكلي للمعاني والحدود التي تناقض كلية ما هو ثابت في الخطاب الشرعي.

وإذا كان المتلقي يرجو من المصطلح ضبطا ودقة ووضوحا، فإن المصطلح في الخطاب النسوي يتخذ منطقا مركبا، يترك المتلقي في أمر مريج، حيث يكون في غمة ولبس واضحين. وعلة كل ذلك أن الخطاب النسوي هو خطاب معارضة الخطاب الشرعي، أي خطاب المقابلة على سبيل الممانعة. وما استعمال الخطاب النسوي المصطلحات الشرعية إلا من باب إقامة الدليل على خلاف ما أقام الدليل عليه الخطاب الشرعي على شاكلة قولهم : “بيديك أضربك”.

إنه لا يصعب الاقتناع بإعطاء الخطاب النسوي صبغة المغالطة. ولنا حرص شديد على استعمال المغالطة في بعدها المصطلحي العلمي، لأن المغالطة هو ما كان مركبا من مقدمات شبيهة بالحق، ولا تكون حقا.

ويمكن أن نلمس ذلك عن كثب في قضية التأويل. ولا بأس إذا كان المفتتح بتقديم تعريف مصطلح التأويل. فالتأويل شرعا هو صرف الآية القرآنية الكريمة عن المعنى الظاهر إلى معنى يحتمل إذا كان المحتمل الذي يرى، موافقا للكتاب العزيز الكريم والسنة النبوية المطهرة. مثل قول الله تعالى وتبارك : “يخرج الحي من الميت”، إن أردنا به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا، وإن أردنا إخراج المؤمن من الكافر، أو العالم من الجاهل كان تأويلا(1).

فما هي دلالة التأويل في الخطاب النسوي المغربي ؟

إن التأويل في هذا الخطاب ذو دلالة وجودية، لأنه معلم لرفض المذهبية الإسلامية للعالم. فالتأويل قاعدة توظف لعصرنة الإسلام في مقابل أسلمة العصر. ولا عجب البتة بعد كل ذلك، إذا كان الخطاب النسوي يبتغي أربا رئيسا، إعادة قراءة النص القرآني، والنص الحديثي، وإعادة تشكيل التصور الإسلامي أي رؤية العالم، والكون، والوجود بربقته وأصليته.

وجوهر إعادة قراءة النص الشرعي، وإعادة تشكيل التصورالإسلامي، هو التأويل. ومن ثم كان النظر في التأويل باعتباره مصطلحا وأداة، وحدا ومنهاجا، يحيل في الخطاب النسوي على مرجعية تؤمن بإعادة النظر في الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة، ومع تقديم شروح وتفسيرات وقراءات جديدة خاصة بأحكام الله عز وجل المتعلقة بالمرأة. ومن امتدادات ذلك على سبيل المثال لا الحصر، أن هذا الخطاب النسوي عندما يؤول الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة، فإنه يرجح دوما كفة ما يناقض الثابت في الإسلام عقيدة وشريعة، فالتأويل يكون تحديث وعصرنة الأحكام الشرعية.

وإذا كان مصطلح الاجتهاد يقرن دائما بمصطلح التأويل، فإن الأجدر هو أن يلم المتلقي بخيوط الاجتهاد. ويكون المقصود بالاجتهاد في المآل، فتح باب مطابقة الأحكام الشرعية للمواثيق الدولية الخاصة بالمرأة، وبعبارة أخرى إلزام المرجعية الإسلامية بملاءمة المرجعية الغربية الوضعية التي تمتلك تصورا مغايرا للمسألة النسوية يراعي في المقال الأول خصوصيات الغرب.

تقول خديجة أميتي : “أعتقد أن المشكل المطروح هو مشكل كيفية التعامل بعقلانية مع تنوع المرجعيات. فالمنظمات النسائية ومعها القوى الديموقراطية تحاول مد الجسور بين مرجعية حقوق الإنسان والمرجعية الدينية المتنورة انطلاقا من اجتهاد عقلاني يراعي التطور الحاصل في المجتمع … فجوهر الخلاف بين المنظمات النسائية، والحركات الإسلامية يكمن في عملية تأويل النصوص الدينية، واستنباط الأحكام الخاصة بالمرأة… فهم يختارون تأويلا جامدا يضع حدودا للعقل ويحد من حقوق المرأة، ونحن نختار الأوفق والأنسب لما تقتضيه المصلحة… فالحركات النسائية وهي تطالب بتغيير المدونة لم تخرج عن الإسلام، ولا عن الشريعة الإسلامية. فهي فقط تطالب بإعادة فتح باب الاجتهاد… فالإسلام مصدر لا يمكن تجاهل أهمية دوره في المجتمعات العربية، كما أنني لست من اللذين يتصورون أن المجتمع يمكنه أن يكون واحدا ومنسجما على فكرة أو إيديولوجيا واحدة، لأن هذا قد يؤدي إلى تعطيل طاقاته، وإفقار إبداعاته، بل أرى أن التنوع الفكري هو ما ينبغي دعمه وتشجيعه…”(2).

جوهر التأويل في الخطاب النسوي المغربي

يتخذ التأويل في الخطاب النسوي المغربي طابعا إكراهيا لأنه يلزم المتلقي، ويحمله على نقيض الأحكام الشرعية، لبلوغ مقصد التحديث والعصرنة. تقول الأستاذة رحمة بورقية : “كل خطاب يريد أن يكون وحيدا، أو خطاب الحقيقة هو خطاب مستبد، وخطاب للإقصاء. وإن تعدد الخطابات يوحي بالحوار والجدل… إن الخطاب الأقوى… هو الخطاب المجتهد الذي يحرر نفسه من تملك الحقيقة… الذي يجعل منا أناسا تعيش المعاصرة… ومعناها أن نكون أبناء وبنات عصرنا، أي أن نحمل في وجودنا، وفي كياننا معاصرة أصيلة، أو أصالة معاصرة”(3).

ويتخذ التأويل كذلك طابعا إيهاميا بقيامه على ألفاظ لها معان قريبة وغريبة، إذا سمعها المتلقي العادي سبق إلى فهمه القريب منها، بينما مراد الخطاب النسوي الغريب والبعيد منها. تقول فاطمة المرنيسي : “نحن نطالب بالتمتع بحقوقنا الإنسانية والعالمية كاملة والتي تمر بالضرورة عبر المطالبة بالذاكرة، أو بإعادة القراءة، وإعادة بناء ماضي الإسلام…”(4).

فمفاهيم المطالبة بالذاكرة، وإعادة القراءة، وإعادة بناء ماضي الإسلام هي إيهامية، وتقصد المرنيسي بالمطالبة بالذاكرة إحياء كل ما يمكن أن يخدم الخطاب النسوي. ومن حق المتلقي في هذا المقام أن يسائل مرجعية المرنيسي متمثلة في النماذج الآتية : “كيد النساء”، “ألف ليلة وليلة”، “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني (ت 356هـ) الذي يصبح حجة فاضحة، وواضحة في إسقاط “قدسية” الحجاب،

انطلاقا من روايات تاريخية عارية من كل توثيق، خاصة بسيرة السيدة سكينة بنت الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

وتقصد فاطمة المرنيسي بإعادة القراءة، إفراغ الإسلام من جوهره باعتباره نظاما متكاملا وشاملا، وتقصد إعادة بناء ماضي الإسلام، تحديثه وعصرنته عوض أسلمة العصر.

ويتخذ التأويل طابعا أكثر خصوصية، عندما يبتغي عدم تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجانبه. فهذا المختار بن عبد اللاوي يلح على أن إقامة الأحكام الشرعية على ركني القرآن والسنة، أمر لا يخلو من السطحية والاختزال ؛ ومن ثم لا يمكن الجزم -حسب زعمه-بأن هناك دلالة نهائية لأي نص، ولا وجود لنص قطعي الدلالة. فملكات الفهم والإدراك، لها دور أساسي في تحديد معاني النصوص الشرعية، وفي تجديدها وتجاوزها إلى معان أخرى جديدة -فالمعنى- حسب قوله- ليس إنتاجا خالصا للنص، بقدر ما هو إسقاط خارجي للقارئ. وينتهي الكاتب إلى أن تقسيم الأدلة الشرعية إلى أدلة نقلية، وأدلة عقلية، ليس إلا إسقاطا ميكانيكيا لمنطق التقابل الأرسطي : الجواز/الضرورة(5).

ويتخذ عبد الصمد الديالمي نفس السبيل في دعوته إلى إعادة النظر في مفهوم “جمهور الفقهاء” وإلى الانتقال في التشريع الإسلامي من المنظور النخبوي، إلى المفهوم الديمقراطي، مع ظهور معطى جديد هو : “الرأي العام”. ولذلك يقترح الديالمي إبعاد قاعدة : (لا اجتهاد مع وجود النص)، معتبرا أن كلام الله في متناول فهم كل إنسان مسلم، وداعيا إلى عدم سجن النص القرآني في المعاني الظاهرة(6).

مرجعية التأويل في الخطاب النسوي المغربي

سأكتفي بمعلمة واحدة، وهي الحداثة التي سنفككها إلى القواعد الآتية :

1- القاعدة الأولى : عصرنة الإسلام وتحديثه.

2- القاعدة الثانية : ضرورة الانتقال من الصورة إلى المضمون، وليس المضمون إلا التنمية والاقتصاد والإنتاج والتوزيع. وأما الصورة في الحداثة فهي الإسلام.

3- القاعدة الثالثة : تلازم العلمانية والحداثة لتحقيق وحدة الإنسان.

ولا يمكن بلوغ ذلك إلا بالانتقال إلى المضمون، لأن الإسلام هو الشكل. ومن شأن الشكل أن يمزق الإنسان في الازدواجية. فلا عجب البتة إذا كان الخطاب النسوي يؤمن بان الإسلام علماني، وبأن العلمانية هي أساس الوحي. وبعبارة أوضح فإن الخطاب النسوي يعتبر الإسلام في لبه علمانيا، ثم طرأ عليه الطابع الديني من الخارج، ليكون ركام التاريخ في المنتهى هو صانع الإسلام.

4- القاعدة الرابعة : يتخذ الخطاب النسوي الفرنكفونية، منطلقا وأسا لغويا، ثم تصورا وجهازا مفاهيميا. فلا تزال العربية بقدسيتها قديمة لأنها لغة دينية. ومن شروط الحداثة أن يتم التعامل بلغة العقل، عوض لغة الدين.

فلا سبيل لأن يدلي العقل المتلقي بأدوات إجرائية، كالإيمان، والإحسان، والغيب، والشهادة، وغيرها. فالعقل -في مجال الخطاب الحداثي العلماني- يعتبر في هذه الحالة غير تاريخي. والمرمى والمبتغى هو درك حداثة بدون إيمان، وتاريخ بدون وحي. وفي ظل هذه القاعدة الحداثية، يمكنإدراك مقاصد المعالجة العلمانية للمسألة النسوية خاصة، ويمكن إدراك إعادة قراءة الثوابت العقدية الإسلامية عامة، مثل ربط عيد الأضحى بمجالات “العنف الأضحوي، والقرباني الديني، والسياسي، والمتخيل الديني”(7).

خاتمة

إن الفيصل المنهاجي في معالجة المسألة النسوية، هو التمييز بين منطلقين :

أ- منطلق الخطاب الشرعي الرباني.

ب- منطلق الخطاب الوضعي.

وهو كذلك التمييز بين عقلين :

أ- عقل معينه الوحي، وجوهره هو الاستجابة للنداء الرباني.

ب-عقل يؤمن بأن حقائق الوحي نسبية، وهي في حاجة إلى ذيل وتكملة.

ومن الهوادي التي تبدو لنا في التمييز بين الخطابين، اليقين في أن قيام الهوية الحضارية هي العقيدة. وتزداد قضية الهوية تشعبا مع العولمة، التي لا تحمل هوية ثقافية محددة، بل هي تسعى إلى تهميش وإقصاء كل ثقافات ذات طابع أخلاقي. ومن تبعات ذلك نفي ما يثبته العقل المسلم، وإثبات كل ما ينفيه هذا العقل.

إن ما يجب التنقير فيه هو اتخاذ الخطاب النسوي المغربي الغرب مرجعا أسا، مع العلم بأن هذا الغرب ليس عالميا، بل هو متفرد. وإذا كان الحرص شديدا على الجمع بين الحداثة والتغريب، فإنه من الحقيق أن نكاشف بأنه ليس بالضرورة أن تكون مغربا لتبلغ درجة الحداثة.

ذ . بدر المقري

————–

1 -“كتاب التعريفات” للشريف علي بن محمد الجرجاني (توفي 816هـ) مكتبة لبنان، بيروت، 1990 ص: 52.

2 -“ملحق الأسرة”، جريدة الأحداث المغربية”. الدار البيضاء، 8 أبريل 1999، ص :8.

3 -ندوة جمعية جسور : المسألة النسوية ودور الاجتهاد في الإسلام” -جريدة الاتحاد الاشتراكي- الدار البيضاء، 27 فبراير 1999، ص 4.

5 -“ندوة جمعية جسور…” ص: 4.

6 -نفس المرجع والصفحة.

7 -انظر على سبيل المثال : “العنف الأضحوي بين القرباني والسياسي”. نور الدين الزاهي، “مجلة الاجتهاد”، العدد 25 السنة 6، بيروت، 1415هـ/ 1994م، ص : 49-62.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *