دراسة : المرأة المسلمة وشروط النهوض


إن الأعراف السائدة في مجتمعات المسلمين وخصوصًا في العصور المتأخرة، لا تمثل الوضع الحقيقي لمكانة المرأة في الإسلام، لأن هذا الوضع يمكننا أن نجده فقط في الكتاب والسنة وفي عهد النبوة وعهد الخلفاء الراشدين.

نحاول في هذه الصفحات التعرف على معالم شروط النهوض التي تمتلكها الأمة في ركن الأسرة، قاعدة النظام الاجتماعي.. وأعني بذلك المرأة والدور الذي يمكن أن تؤديه في عملية استئناف النهوض بعد هذا التاريخ الطويل من الركود الذي أصاب المجتمعات الإسلامية والذي واكبه تهميش المرأة عبر عصور التاريخ.

ومما يدل على ذلك أننا إذا قلبنا صفحات هذه العصور، رجوعًا من العصر الحاضر، أو بداية من عصر الركود وحتى ننتهي بعصر الرسالة، فسوف ندهش للمكانة التي كانت تحتلها المرأة في هذا العصر وسائر عصور النهضة والتقدم.. وهذا يدل على أن عودتنا إلى الماضي لا تحمل في طياتها أي أثر من آثار الجمود والتخلف.. بل الحيوية والتقدم.. كما تحمل في الوقت نفسه الدلالة على ما تنطوي عليه أصول الشريعة وتاريخ الإسلام من شروط النهضة التي تمتلكها الأمة. وليست هذه دعوة للتقوقع على الذات والانقطاع عن العصر والعالم، ولكنها دعوة مخلصة لاكتشاف الذات ومحاولة الانطلاق منها مرة أخرى.

لقد كثرت الكتابات حول الإصلاح الذي جاء به الإسلام في موضوع المرأة، والمكانة التي رفعها إليها بعد الأوضاع التي كانت عليها في الجاهلية العربية وسائر الجاهليات الأخرى.. ولا نقول هنا : الحضارات -كما تحلو تسميتها عند كثير من المؤرخين (الحضارة الأغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الصينية.. إلخ)- لأن التعبير بالجاهليات عند الحديث عن المرأة أدق.. أسوة بالجاهلية العربية.. فالأوضاع متشابهة أو متماثلة.. وكلها تحط من شأن المرأة.. يستوى في ذلك العرب والأغريق والرومان.. وقد لا نستثني أصحاب الديانتين الكتابيتين من اليهود والنصارى.

ويكفي أن نعلم أن المرأة هي التي أغوت آدم بالخطيئة -في الديانة المسيحية – وأخرجته من الجنــة، على الرغــم من أن القــرآن الكـريم يؤكد على أن المعصية إنما وقعـت من سيدنا آدم عــليه السلام، وأمـا أمنـــا حــــواء فكـانت تابـعـة لـه، قـال سبحانه وتعـالى : {فقلنا يا آدم إن ذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}إلى أن قال تعالى : {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى، فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى}(طه: 117-121). على الرغم من ذلك وبناء على نظرة الديانة المسيحية للمرأة، أصبــحت عفــة الرجل مقــترنة بانصرافــه عن النســاء لأنـهن مدخل الشيطــان! وقد تمثل هذه الفكرة أو العقيدة مدخلاً لفهم رد الفعل من النظــام الوضعي أوالعلمــاني الذي أعلى من شــأن الجســد حتى انتــهى به الأمر ونحــن على أبــواب القـرن القـادم إلى التأكيد في لباس المرأة -على سبيل المثال – على عورة الأنثى لا على معنى الأنوثة(1)!

ونذكر هذا للإشارة إلى أن مشكلة المــرأة في البــلاد العربــية والإسلامية لا تُحل عن طريق محاولة إلحاقها بأختها الأوروبية، أو بمجرد انتقالها من امرأة متحجبة إلى امرأة سافرة! أو لأن أبواب المصانع، وسائر أبواب العمل جميعًا قد فتــحت لها بدون استثـناء، ومن غيــر أية قيـود أو ضوابط، فالمسألة في صورتها الحاضرة، وفي جذورها التاريخية والدينية أعمق وأعقد من هذا بكثير.

التهميش المبكر

لقد جاء الإسلام بإصلاح تاريخي في موضوع المرأة، انطلاقًا من مساواتها بالرجل في أمور عدة، كأصل النشأة أولاً وذلك في قوله تعالى : {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}(الحــجــرات: 13)، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثير ونساء}(النساء: 1).

وثانيًا في العقيدة : قال عز وجل : {يا أيها النبي إذا جاء المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم}(الممتحنة : 12)، {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}(النحل: 97).

وثالثــاً في التكاليــف الشرعية والمسؤولية العينية والجزاء، قال سبحانه وتعالى : {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيما ً}(الأحزاب: 35)، وقال : {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض}(آل عمران: 195).

إضافة إلى ما ورد من صحيح السنة المطهرة في هذا المعنى مما سنعرض لبعضه بعد قليل. ولكن يطرح هنا ســؤال : لماذا عادت المــرأة بعد العــصر الأول إلى ما يشبه منزلتها قبل الإسلام ؟ أو لماذا عادت (الروح الجاهلية) إلى الظهور مرة أخرى وبصور شتى ؟

ونقــول في الجــواب : ربما لأن النظـــام الاجتماعي الجديــد لم يتـرســخ بعد الفــتح كما رسخ في بيوت المهاجرين والأنصار.. ولم يَجِدَّ في المجتمـع الإســلامي بعد ذلك ما يستدعي مطاردة الأعراف الجاهلية ومنعها من الظهور مرة أخرى! في الوقت الذي كانت تجير فيه المرأة على لسان النبي  عن الأمة كلها، أي تقوم بإرادتها المنفردة بالتوقيــع عنها : (أجــرنا من أجــرت يا أم هانئ)(1)، وفي الوقت الذي عبر فيهعمر ابن الخطاب رضي الله عنه عن النقلة التي شهدها وضع المرأة بين الجاهلية والإسلام بقوله : (والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم ما قسم).

وتروي لنا كتب السير الواقعة التالية التي جــرت بين عبـــد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وابنه عبد الله.. روى عبد الله الوالد في مجلس له قول النبي : (لا تمنـــعوا إمــاء الله مســاجد ال له)(1)، وكان ابنــــه عبد الله حــاضرًا، فقـــال : (والله لا ندعهن فيتخذنه دخنًا) أي مكانًا للفساد، فغضب أبوه وقال له : أقول لك إن رسول الله يقول : (لا تمنعوهن)، وأنت تقول : لنمنعهن!! والله لا أكلمك أبدًا… إن هذا الكلام المناقض لهدي النبوة هو الذي جرى عليه العمل أو انتهى إليه الأمر في خاتمة المطاف!

وقد عبــر شيخــنا العــلامـة الشيـخ محمد الغــزالي عن هذه المفارقة في تعليقه على مـا روي عن الرسول (حيــن نـزل قـوله تعـالى : {وأنذر عشيرتك الأقربين}(الشعراء: 214)، صعد الرسول ونادى : يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله! يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما . قال الغزالي : (إن نداء المرأة بهذا الصوت الجهير شيء مستـنكر في عصرنا الأخير.. كنا نعد اسمها كشخصها عورة لا يجــوز أن يعرف! ونقول : ما للمــرأة وهذه الشــؤون؟. يكفي أن يحضر رجــل من أسرتــها ليبـــلغها، أما أن تنــادى على رؤوس الأشهاد فذلك عيب).

وربما كان لتوسع الإسلام في بعض البيئات التي كانت تستبد بها أهواء الجاهلية كالمجتمع الفارسي والهندي أثر في بقاء الأوضاع الجاهلية المتعلقة بالمرأة، لأن (حركة التوعية بتعاليم الإسلام والتربية بحدوده وتقواه لم تكن مواكبة لحركات التوسع) والانتشار هذه.

وقد ترتب على بقاء هذه الأوضاع والأوهام الجاهلية، عبر سيادة المظاهر الإسلامية العامة، أن المجتمع الجديد أخذ ينسب كثيرًا منها إلى الدين ليضفي عليها حجة شرعية وليستبقي نفوذها على نفوس الناس. ومن هنا جاءت أو (اتخذت كثير من الحيل الفقهية لتكييف الشريعة بما يناسب الأعراف القديمة، منها ضرب النصوص بعضها ببعض لادعاء نسخ بعض النصوص التي تتسع على المرأة، وإطلاق النصوص المقيدة، ومنها التوسع في تفسير الأحكام المتعلقة بمظهر المرأة ومسلكها والتشديد في تقديرها، بينما يقع التضييق والحصر في حكم يثبت لها حقًا أو حصانة في وجه إمكانية تسلط الرجل. ومنها سحب النصوص والعزائم التي وردت في شأن النبي ونسائه على سائر النساء برغم خصوصية تلك الأحكام. ومن أوسع تلك الحجج الفقهية للتضييق على النساء : استغلال باب سد الذرائع، بفرض قيود مفرطة خشية الفتنة، وبتقديرات مفرطة في الحيطة والتحفظ)(2)، حتى وصل الأمر إلى أن بعض التيارات المحافظة في التاريخ الإسلامي التي تميزت بالتمسك الشديد بالنصوص أو بحرفيتها، والتي تميزت بكراهيتها لجميع ضروب التأويل، يقف أصحابها عكس هذا الموقف حين يكون الأمر أو النص متعلقًا بالمرأة، فيصبحون في هذه الحالة أئمة في التأويل بذرائع مختلفة منها (سد الذرائع) الذي أشرنا إليه.. بالإضافة إلى حجة اختلاف العصر، والزعم بأن (النظم القرآنية السنية رهينة بمجتمع النبي الفاضل، وأن الناس قد أحدثوا من بعده وفسد الزمان، وكان لزامًا أن تتبدل النظم نحو تحفظ أشد).

علمًا بأن منهج الدين هو أن نصلح فساد المجتمع لا أن نستسلم له ونبدل نظم الحياة الإسلامية نزولاً على ظروفه. لقد (انتهى فكر المسلمين وواقعهم إلى تغيير جل الأحكـام المتصـلة بالمــرأة -ما كان أصله في العقيــدة أو الشريعة- لا تخاطب بدعوة ولا تكلف بتربية إلا تبعًا لرجل…). وقد يطول تتبع هذا الفــكر والواقــع.. ونكتـــفي فقط بالإشارة إلى أقسى صور هذا الوضــع أو محصلته الأخيرة وهو عزل المرأة عن المجتمع! حتى عُدّ ظهورها كله كشف عورة، حتى الصوت! وسمّى وجودها حيث يوجد الرجل اختلاطاً حرامًا، وحتى أمسكت في البيت بذات الوجه الذي لم يشرعه الدين إلا عقابًا لإتيان الفاحشة!! كل ذلك (بدعوى تجريدها لتربية الأولاد وخدمة الزوج، سوى أنها لم تتهيأ لرعاية البيت بعلم ولا تجربة. وكيف يصلح مربيًا من عزل عن المجتمع ما دامت التربية الأسرية ليست إلا إعدادًا للحياة الاجتماعية بمادة تربوية تؤخذ كفاحًا من قيم المجتمع وعلاقاته).

علينا أن نقرر هنا على نحو حاسم أن سد الذرائع لا يجـوز له بعد اليوم أن (ينسخ أصل النظام الإسلامي العام، والذي يقضي بإشراك الرجال والنساء واشتراكهم في الحياة العامة بعفة وطهــارة، فإن العـزلة إن كانت تحمي المرأة من الفتنة، فإنها تحـرمـها من فوائد اجتماع المسلمين وتعاونهم على العلم والعمل الصالح، وائتمارهم بالمعروف وتناهيـهم عن المنكر، واهتمـامهم بأمـرهم العـام، وتنـاصرهم عـلى قيـام الكيان الاجتماعي، قـال تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}(التوبة: 71). إن لجلب المصالح الجليلة في اجتماع المسلمين اعتبارًا يعادل سد الذرائع إلى الفتنة في كل وجه علاقة بين الرجال والنساء لم تقطع فيها النصوص بحكم فاصل).

الشراكة والمسؤولية

ونذكر هنا أن جمهور العلماء والمفسرين متفقون على أن (كل ما جاء في القرآن من خطاب موجه إلى المؤمنين والمسلمين في مختلف الشؤون بصيغة المفرد المذكر والجمع المذكر -فضلاً عن الخطاب بـ {يا أيها الناس }- يعد شاملاً للمرأة، دون أي تفريق وتمييز إذا لم يكن فيه قرينة تخصيص. ومن ذلك التكاليف التعبدية والمالية والبدنية، والحقوق، والمباحات والمحظورات، والتبعات، والآداب، والأخلاق الفردية والاجتماعية.. وما ترتب على ذلك من نتائج إيجابية وسلبية في الدنيا والآخرة. ومن ذلك ما خوطب به المسلمون بصيغة المذكر والمفرد والجمع من تدبر آيات الله وتفهمها والعلم بها وتنفيذ مضمونها).

وقد فهمت أم سلمة رضي الله عنها ذلك المعنى في مناداة الرسول من على منبره بقوله : (يا أيها الناس)، فقالت لماشطتها : كُفّي رأسي، قالت الجارية : إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، قالت أم سلمة : إني من الناس.

ويبدو أن الذي حمل جمهور العلماء والمفسرين على الفهم السديد لطبيعة الخطاب القرآني أن أول مرة ذكرت فيها (الأنثى) في القرآن الكريم دلت على هذا الحكم الإلهي الواحد، أو الذي سوّى بين الذكر والأنثى، قال تعالى : {وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى، فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى،فسنيسره للعسرى}(الليل: 3-10). ففي جمع الذكر والأنثى في القسم قرينة على حكمهما المتساوي عند الله; لأن اختلاف الناس في فعل ما هو صالح وما هو عكسه الذي تحدثت عنه الآيات المقسم بها يشمل الذكر والأنثى، (ويكون في هذا أول تقرير قرآني لمبدأ تكليف الذكر والأنثى على السواء تكليفًا متساويًا بكل ما يتصل بشؤون الدنيا والدين، ولمبدأ ترتيب نتائج سعي كلٍ منهما وفقًا للفعل الذي يصدر عن كل منهما، وأول تقرير قرآني لتساوي الذكر والأنثى في القابليات التي يختار كل منهما عمله وطريقه بها).

ثم جاءت الآية الكريمة {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}(البقرة: 228)، لتدعم هذا المعنى بقوة، وتنص عليه على نحو ظاهر، وتعنى الآية : (أن كل ما يحق للزوج طلبه وانتظاره من زوجته من أمور مشروعة من طاعة وأمانة، وعفة وإخلاص، وحسن معاشرة ومعاملة، ومودة واحترام، وثقة وتكريم، وبر وترفيه، ومراعاة مزاج، ورعاية مصلحة، وقضاء حاجات، وعدم مشاكسة وعنف وبذاءة ومضارة ومضايقة… يحق للزوجة طلبه وانتظاره من الزوج.. فالزوجان شريكان في مختلف نواحي الحياة، ومعاملة كل منهما للآخر على هذا الأساس. وكلمة (بالمعروف) في مقامها بليغة المدى، لأن هذه الكلمة عامة تعني ما هو متعارف عليه أنه حق. وهذا لا يقاس بزمن بعينه فيما ليس فيه تحديد في كتاب الله وسنة رسوله، بل يظل يتبدل ويتطور حسب تبدل ظروف الحياة الاجتماعية وتطورها، والضـابط العــام فيه هو أن لا يحـل حرامــًا ولا يحرم حلالاً).

القوامة والحقوق السياسية

ونتابع هنا الحديث عن قوله تعالى : {وللرجال عليهن درجة }، التي جاءت بعد قوله تعالى : {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }. فقد قال المفسرون في هذه الدرجة هي درجة القوامة التي نُص عليها في قوله تعالى : {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}(النساء: 34)، وفحوى هذه القوامة : القيام بشــؤون الأسرة وقيــادة سفيــنة البيــت، من واقــع أن الحيــاة الزوجية حياة اجتماعية ولا بد لكل اجتماع من رئيس أو أمير.. والرجل أقدر على القيام بأعباء هذه الرئاسة بقوته وماله، وليس في هذا ما يتعارض مع ما شرحناه من مدى الحــق الذي جعل فيه الزوجان ســواء، بل إن فهــم هذه القوامة في نطاق الأسرة القائمة على أوثق الوشائج العاطفية والنفسية، وفي ضوء المودة والرحمة التي جعلها الخالق سبحانه موصولة بين الزوجين; قال تعالى : {وجعل بينكم مودة ورحمة}(الروم: 21)، ما ينأى بهذا الحق -القوامة – عن التسلط والإساءة; فضلاً عن العسف والقهر.

بل إن الحق ما ذهب إليه بعض الباحثين حين قال : (إن هذا الحق يستلزم قيام البيت على الشورى لا على التعسف والاستبداد، لأن الإمارة أو الرئاسة تستلزم الشورى; علمًا بأن الآيات الكريمة تنص على تعاون الزوجين وتشاورهـــما في بعض شــــؤون الأسرة)(1)، حتى بعد الطلاق والافتــراق! قال الله سبحانه تعالى : {والوالدات يُرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفسٌ إلا وسعها لا تضار والدةٌ بولدها ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعلمون بصير}(البقرة: 233).

بل إن الشورى التي جعلها الله تعالى من شأن جماعة المؤمنين حين قال : {وأمرهم شورى بينهم}(الشورى: 38)، إنما تبدأ من الأسرة أو من هذا المجتمع الصغير، قبل أن تعم وتصبح من صفات الأمة أو المجتمع الكبير.. والمرأة التي لم تكن بعيدة عن الشورى وممارسة الديمقراطية في البيت، لن تكون بعيدة عن الشورى وممارسة الديمقراطية في المجتمع.. أي لن تكون بعيدة عن ممــارسة حقها السياسي..

بل هي (تـشــارك في تنصـيب القائمــين بأمر المجتمع، انتخابًا ونصحًا، كما ورد في قصة الشورى وإشراك النساء فيها; قال ابن كثـير في البداية والنهاية : (ثم نهض عبد الرحــمن بن عوف رضي الله عنــه يستــشير الناس فيهما -عثـمان بن عفــان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما- ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم، جميعًا وأشتاتًا، مثنى وفرادى ومجتمعين، سرًا وجهرًا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن..).

ملامح الإصلاح والوضع الصحيح

لن استعرض هنا حقوق المرأة في الإسلام، لأن هذا حديث يطول، وقد كتب فيه الكثير. ولكنني أكتفي بالقول : إن الأعراف السائدة في مجتمعات المسلمين، وخصوصًا في العصور المتأخرة، لا تمثل الوضع الحقيقي لمكانة المرأة في الإسلام، لأن هذا الوضع يمكننا أن نجده فقط في الكتاب والسنة وفي عهد النبوة وعهد الخلفاء الراشدين.. وفي بعض صور التطبيق في عصور لاحقة. ونحن اليوم إذا رجعنا إلى تلك النصوص وهذه العهود، فإننا سوف نجد كل ما تطمح إليه المرأة المسلمة من المكانة والمشاركة في الحياة العامة في العصر الحاضر. ولا أعني بهذا أن تبدأ المرأة من محاولة تقليد المرأة في الغرب.. بل من مدى حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري، انطلاقًا من ثوابت الإسلام في باب العقائد والأخلاق والسلوك الاجتماعي.

لقد قدم الأستاذ مالك بن نبي منذ نصف قرن في كتابه (شروط النهضة) التساؤلات التالية : هل يجب نزع الحجاب؟    أو هل يسوغ للمرأة التدخين؟ أو التصويت في الانتخابات؟ أو هل يجب عليها أن تتعلم ؟ ثم قال : (ينبغي ألا يكون جوابنا عن هذه الأسئلة بدافع من مصلحة المرأة وحدها، بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري، إذ ليست الغاية من البحث في إشراكها في هذا المجتمع إلا الإفادةمنها في رفع مستوى المرأة ذاتها، وإذن فليس من المفيد لنا أن ننظر إلى مشكلتها بغير هذا المنظار).

وقد سوّى الأستاذ مالك بن نبي بين المتمسكين بإبعاد المرأة عن المجتمع وأولئك الذين ينادون بإشراكها فيه على طريقة المرأة الأوروبية; في أنهما يصدران عن اعتبار واحد وهو الغريزة، ومن ثم فلا أمل في أن نجد في آرائهما جميعًا حلاً لمشكلة المرأة! يقول مالك : (قد يبدو بعض الغرابة في تعليل الدافع النفسي لموقف المتمسكين بضرورة إبقاء المرأة في سجنها التقليدي بأنه جنسي.. ولكن هذه الغرابة لا تلبث أن تزول حينما نعلم أنه ليس لتفكيرهم من مبرر منطقي إلا ما يتعللون به من الحفاظ على الأخلاق.. الذي يختفي وراءه مغزى التمسك بالأنثى، فالغريزة هنا تكلمت بلسان آخر).

ثم يقول مقارنًا ومحللاً : (ولقد يكون كلام الغريزة واضحًا في رأي من يريد المرأة في صورة تلفت إليها الغرائز، أما عند من يرى أن تخرج في هيئة يقبلها الخلق فإنه من العسير أن نرى دور الغريزة في مثل ذلك التفكير، ولكن قد يكون في منعها من الخروج مبرر خفي مما يستقر في نفس الرجل من دافع جنسي من الخوف على أنثاه أن يشاركه فيها غيره، وإذن فهو يدافع عن أنثاه، وهنا يظهر جليًا ذلك الاعتبار الجنسي في تفكيره).

وإذن فهذه المشكلة ينبغي أن تصفى أولاً من مثل هذه النزعات، ثم تحل حلاً يكون الاعتبار الأول فيه لمصلحة المجتمع، فالمرأة والرجل يكونان الفرد في المجتمع، فهي شق الفرد، كما أن الرجل شقه الآخر.

ولا غرو فالرسول يقـــول : (إن النســاء شقــائق الرجـــال)(3)، والله تعالى خلقهما من نفس واحدة، قال تعالى : {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء}(النساء: 1)، (فالمرأة والرجل قطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهما بغير الآخر. فلئن كان الرجل قد أتى في مجال الفن والعلم بالمعجزات، فإن المرأة قد كونت نوابغ الرجال).

وحتى هذه المقارنة الأخيرة التي ذكرها مالك بن نبي ليست داخلة في باب المفاضلة والترجيح بين مواهب الرجل والمرأة; لأنه تحدث قبل قليل عن المرأة والرجل اللذين يكونان (الفرد) في المجتمع، كل واحد منهما شق هذا الفرد.. والعلاقة بينهما تقوم على التكامل وليست على المفاضلة والمنافسة أو الشراكة المطلقة في كل شيء.

وقد سبق لقاسم أمين أن تحدث عن فرق الدربة والمران أو فرق الظروف، وليس عن فرق الطبيعة أو المواهب، قال : (فالمرأة في رأي أعظم العلماء وأدقهم بحثًا مساوية للرجل في القوى العقلية، وتفوقه في الإحساسات والعواطف، وإنما يظهر للناظر وجود فرق عظيم بينهما في العقل لأن الرجال اشتغلوا أجيالاً عديدة بممارسة العلم فاستنارت عقولهم وتقوت عزائمهم بالعمل، بخلاف النساء فإنهن حرمن من كل تربية! فما يشاهد الآن بين الصنــفين من الفــروق هو صنــاعي لا طبــيعي). ثم قال : (لا نريد بهذا التساوي أن كل قوة في المرأة تساوي كل قوة في الرجل، وكل ملكة فيها تساوي كل ملكة فيه، ولكنا نريد أن مجموع قواها وملكاتها تكافئ مجموع قواه وملكاته. وإن كان يوجد خلاف كبير بينهما لأن مجرد الخلاف لا يوجب نقص أحد المتخالفين عن الآخر).

ويلتقي مالك بن نبي مع قــاسم أمين في وجوب إشراك المرأة في المجتمع أو إعادة دخولها فيه، وفي وجوب تحريرها لا من قيود القرآن والسنة، لأن الإسلام هو الذي ارتاد ميدان تحرير المرأة من الأغلال التي كبلتها عبر عصور التاريخ.. ولكن من قيود الجاهلية; سواء كانت جاهلية القرن الرابع عشر الهجري (أي جاهلية الغلو والتشدد والتقليد الأعمى لما وجد عليه الآباء، وجاهلية القرن العشرين الميلادي، أي جاهلية العري والإباحية والتقليد الأعمى للغرب). يقول قاسم أمين : (يجب استبدال المنزلة المنحطة للمرأة بأرفع منها! يجب أن تربى المرأة على أن تدخل في المجتمع الإنساني وهي ذات كاملة لا مادة يشكلها الرجل كيف ما شاء.. يجب أن تربى المرأة على أن تجد أسباب سعادتها وشقائها في نفسها لا في غيرها).

نحن نملك إذن، على أبواب الألفية الميلادية الثالثة، إمكان النهوض بتعديل وضع المرأة الاجتماعي، لأننا نملك الأسس القرآنية اللازمة لهذا التعديل.. بل إننا نرى أن هذه الأسس كفيلة بتصحيح وضع المرأة الغربية كذلك.. ومن الجدير هنا الإشارة إلى خروج المرأة للعمل بعيدًا عن أي قيد أو ضابط، نظرًا لأن اقتصاد الأسرة أو نظام النفقات في الإسلام لم تعرفه المرأة في الغرب، يقول مالك بن نبي:

(فمن المعلوم أن المرأة الأوروبية كانت ضحية هذا الاعتبار، لأن المجتمع الذي حررها قذف بها إلى أتون المصنع وإلى المكتب، وقال لها : عليك أن تأكلي من عرق جبينك، في بيئة مليئة بالأخطار على أخلاقها، وتركها في حرية مشؤومة، ليس لها ولا للمجتمع فيها نفع، ففقدت -وهي مخزن العواطف الإنسانية- الشعور بالعاطفة نحو الأسرة، وأصبحت بما ألقي إليها من متاعب العمل صورة مشوهة للرجل، دون أن تبقى امرأة! وهكذا حرم المجتمع من هذا العنصر الهام في بناء الأسرة، وهو العنصر الأساس فيها، وجنت أوروبا ثمار هذه الأسرة المنحلة مشكلات من نوع جديد).

تيارات وأهواء

واليوم نجد أنفســنا بعد مــائة عــام مرت عــلى دعــوة قــاسم أمــين، ونصــف قـــرن مر على أفكار مالك بن نبي، ما نزال منقسمين إزاء وضع المرأة، ويقـف وراء ذلك ثلاثـة أسباب:

السبب الأول :  أن دعوة قاسم أمين فهمت أولاً فهمًا غير صحيح، لأن الناس في ذلك الوقت قرأوها بعين الركود الذي كانت تعاني منه المجتمعات الإسلامية في ذلك الحين، والذي شكّل فيه عزل المرأة عن المجتمع أحد أسبابه الأساسية.. ثم حاول المتغربون والمنادون بخروج المرأة المسلمة على طريقة المرأة الغربيةالاعتماد على دعوة قاسم أمين.. فأشاعوا عنه ما يريدون وحرفوا فيه وأضافوا عليه من أفكارهم واتجاهاتهم.. حتى إن كثيرًا من الإسلاميين عدّوه داعية لنشر الرذيلة وخروج المرأة وإسقاط حجابها.

وبعد ذلك، بدلاً من تصحيح النظرة إلى ما كتبه قاسم أمين نفاجأ ببعض المؤتمرات التي عقدت من قريب(3) حاول معظم المشاركين فيه أن يطرحوا رؤيتهم التغريبية أو التي لا تفهم معنى لحقوق المرأة إلا بإسقاط ما علم من دين الإسلام بالضرورة (!) تحت عنوان تحرير المرأة، الذي نادى به قاسم أمين، أو بمناسبة مرور قرن على هذه الدعوة.. لقد ربطت بعض الأوراق التي قدمت في المؤتمر المذكور مبادئ الإسلام بمهانة المرأة واستعبادها، ورأت أن سبيل نهضة المرأة إنما يكون بالتمسك بمواثيق الأمم المتحدة كمرجع بديل عن شريعة الإسلام! كما عدّت الحجاب نوعًا من التخلف! ويعنون به الحجاب مطلقًا.. علمًا بأن قاسم أمين طالب برفع الحجاب، الذي هو احتجاب المرأة في بيتها -لأن هذا من الأوضاع التي اختصت بها نساء النبي – كما طالب برفع الحجاب الذي ليس من فروض الإسلام، يقول : (ربما توهم ناظر أنني أرى الآن رفع الحجاب بالمــرة، لكن الحقيــقة غير ذلك، فإنني لا أزال أدافع عن الحجــاب وأعتبره أصلاً من أصول الآداب التي يلزم التمسك بها، غير أنني أطلب أن يكون منطبقًا على ما جاء في الشريعة الإسلامـــية، وهو على ما في تلك الشــريعة يخالف ما تعارفه النــاس عندنا، لما عرض عليهم من حب المغالاة في الاحتياط والمبالغة فيما يظنونه عملاً بالأحكام، حتى تجاوزوا حدود الشريعة وأضروا بمنافع الأمة. والذي أراه في هذا الموضوع : هو أن الغربيين قد غلوا في إباحة التكشف للنساء إلى درجة يصعب معها أن تتصون المرأة عن التعرض لمثارات الشهوة.. وقد تغالينا نحن في طلب التحجب والتحرج من ظهور النساء لأعين الرجال حتى صـيرنا المــرأةأداة من الأدوات أو متــاعًا من المقتنيات، وحرمناها من كل المزايا العـقلـية والأدبـية.. وبين هذين الطرفين وسط.. -هو الحجاب الشرعي- وهو الذي أدعو إليه).

السبب الثاني :  هذا التيار العلماني والتغريبي نفسه الذي يلقى الدعم والتأييد في كثير من الأحيان، والذي ما يزال أصحابه مصرّين على أن السبيل الوحيد لتحرير المرأة إنما يكون بإلحاقها بالمرأة الغربية في لباسها وزينتها، وفي اختلاطها وطبيعة سلوكها ومشاركاتها. ويستمر هذا الإصرار بعد تلك الأصوات الجادة والمسؤولة التي ارتفعت عبر قرن كامل، من محمد عبده وقاسم أمين ومالك بن نبي… إلى حسن الترابي وعبد الحليم أبو شقة ويوسف القرضاوي وغيرهم، وفي الوقت الذي بدأ فيه الغرب يحصد الثمار المرة لهذا الوضع للمرأة، ويلمس آثاره على المرأة نفسها وعلى كيان الأسرة النواة الأولى للمجتمع، وفي الـوقــت الـذي تـستـطيـع أحـكــام الـقرآن والـسـنـة -كما قدمنا – أن تتقدم للنهوض بالمرأة المسلمة في الشرق، وفي حل مشكلاتها ومشكلات الأسرة في الغرب. وإن من يطلع -على سبيل المثال – على كتاب الأستاذ محمد عبد الحليم أبو شقة الذي أسماه (تحرير المرأة في عصر الرسالة) وهو كتاب موسوعي شامل : يتأكد من صحة ما نقول.

هذا الكتاب يدعو إلى القضاء على ما أسماه شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي (بالآفة) التي ابتليت بها حياتنا الفكرية، تلك الآفة هي (الغــلو والتقصير)، فــإن تحقــق ذلك تحقــق الفكر من الوسطيــة، وهو الأمــر المطــلــوب لمصلحة المرأة والرجل على حد سواء.

السبب الثالث :  خطاب كثير من الإسلاميين الذي يتسم بالعموميات والوعظيات في بعض الأحيان، والذي يساير الأعراف والتقاليد التي تهمش المرأة وتعتدي على حريتها وتكاد تلغي كيانها.. في أحيان أخرى.

وقد يذكرنا هذا بما أشرنا إليه من تحليل مالك بن نبي.. وربما مثلت بعض الحركات اليوم أسوأ صور الفهم السقيم لوضع المرأة في الإسلام.. والتي قد قامت بمنع النساء من العمل والتعليم، منعًا للفساد والانحلال! وقد سمى بعض الكتاب هذا الوضع بالوأد التدريجي للنساء!

ويلحــق بهذه الحركات ويلتقي معها آخر الأمر بعـــض (الدعــاة) الذين يرون أن المرأة يكفيها أن تتقن القراءة والكتابة، فمالها وللشهادات المدرسية العالية والعلوم الجامعية الحديثة؟! وقد اقترح أمين عام بعض الجماعات الإسلامية في دولة خليجية عدة اقتراحات لمعالجة النقص في الميزانية العامة للدولة، منها اختصار فترة تعليم البنات، بحيث لا تتجاوز المرحلة الثانوية فقط، وذلك بهدف تربيتهن وإعدادهن ليكنّ ربات بيوت، قال : وفي حال إصرارهن على إكمال دراستهن فيجب أن يسمح لهن بالتخصص فقط في مجال التدريس والتمريض.

وقد يسمح لنا الموقف أن نشير إلى رفض البرلمان الكويتي منح المرأة حق الترشيح والانتخاب، وإصراره على منعها من ممارسة حقوقها السياسية.. وقد عدّ بعض الإسلاميين الذي تبنوا هذا المنع ذلك نصرًا للدين والشريعة.. وهذه هي المشكلة التي نعاني منها مرة أخرى، حين يظن بعض الإسلاميين أن ما أداهم إليه فهمهم واجتهادهم هو الإسلام.. وليس لنا من تعليق على ما قام به البرلمان الكويتي في بلد مارست الديموقراطية منذ وقت ليس بالقصير، سوى القول : إن هذه الديموقراطية ديموقراطية عرجاء.. وهي ديموقراطية استخدمت ضد الديموقراطية ذاتها!

يقول الدكتور حسن التــرابي : (إن الثــورة على الأوضاع النسوية التقليدية آتــية لا محالة، ولئن كان للإسلاميين داع من دينهم لإصلاح القديم ولطيِّ البعد القائم بين مقتضى الدين الأمثل في شأن المرأة وواقع المسلمين الحاضر; فإن اتجاهات التحول في ذلك الحاضر تدعو بوجه ملح إلى المبادرة والتعجل في الإصلاح الإسلامي، قبل أن ينفلت الأمر وتتفاقم الاتجاهات الجاهلية الحديثة.. وليحذر الإسلاميون من أن يوقعهم الفزع من الغزو الحضاري الغربي والتفسخ الجنسي المقتحم، في خطأ المحاولة لحفظ القديم وترميمه، بحسبانه أخف شرًا وضررًا، لأن المحافظة جهد بائس لا يجدي، والأوفق بالإسلاميين أن يقودوا هم النهضة بالمرأة من وحل الأوضاع التقليدية، لئلا يتركوا المجتمع نهبًا لكل داعية غربي النزعة يضل به عن سواء السبيل، مستظهرًا بتبرم الناس من جنوح أو ضاع المرأة، وباتجاهات الحياة الحديثة، فضلاً عن أن الدين يقتضيهم ابتداءً أن يكونوا أئمة هدى، ينقذون الناس من كل ضلال قديم ألفوا عليه آباءهم الأولين، ويعدلون به عن كل بدعة محدثة).

دة. عائشة يوسف المناعي

عن موقع كتاب الأمة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *