المرأة المغربية ومساهمتها في القرار السياسي


شكل مجيء الإسلام إشراق عهد جديد، تمثل في انتشال المرأة من حياة الذل والمهانة، وأحاطها بالعز والكرامة، فحظيت في ظله بالعناية الفائقة، فنالت حقوقها المشروعة، واعتبرت شريكة للرجل في أحكام الشرع، وأن لا تفاضل بينها وبينه إلا بالتقوى والعمل الصالح، كما صرحت بذلك نصوص الشارع. قال تعالى : {يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباوقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير}(1)

وورد عنه صلى عليه وسلم انه قال :”النساء شقائق الرجال في الأحكام”

وهكذا كانت  المرأة في هذا العهد مشاركة للرجال أثمرت  ثمارها، وفي ذلك يقول عبد الحليم أبوشقة:”وقد كان السمت العام للمجتمع في العهد النبوي،  هومشاركة المرأة ولقاؤها الرجال في مختلف المجالات، دون ضرورة قاهرة بل وأحيانا دون حاجة. وكثيرا ما كان اللقاء يتم بصورة عفوية لا يقصد بها غير تيسير الحياة،  وقد يتحقق مع التيسير مصلحة تحسينية”(2)

غير انه بابتعاد الناس عن زمن النبوة، وانسلاخ المرأة والرجل عن تعاليم دينهما الحنيف، تغير الحال، فاسترجع الرجل غطرسته ونظرته التقليدية للمرأة، والتي تجلت في امتهانها، وصرفها عن كل الأدوار التي يمكن أن تحقق من خلالها ذاتها وكيانها، بما يمكن أن تبرزه من إبداع وابتكار،  وتم اختزال دورها كوعاء جنسي للرجل لا غير.

والذي يظهر أن المرأة قد استكانت لهذا الوضع واستمرأته لفترة طويلة من الزمن.

ومع تنامي النداءات لتحرير المرأة، وتصاعد الشعارات لرفع الحيف عنها، أصبحت قضية المرأة من اكثر المواضيع التي استرعت اهتمام الرأي العام بشكل كبير، فلا تكاد تخلومناسبة إلا  وموضوع المرأة حاضر بثقله.

وتحت حدة هذه النداءات والمطالبات بدأ بريق الأمل يلوح من بعيد، إيذانا بعودة المرأة إلى الحضور، وإن ظل هذا الحضور باهتا. لذا فإذا كنا ننشد تنمية حقيقية على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، فان الأمر يتطلب مشاركة كل القوى الحية لمجتمعنا المغربي، كل في نطاق اختصاصه وحقل اشتغاله.

وإن لمساهمة المرأة في هذه التنمية اثر بالغ بلا شك.

غير أن هذه المشاركة تبقى بعيدة عن كل ما ننتظره، وذلك للاكراهات والتحديات المطروحة،  والتي قد يرجعها البعض إلى عامل الأمية، الذي لا زال يعرف نسبة كبيرة في الوسط النسوي، رغم المجهودات المتواصلة من وزارة التربية والتعليم في أفق تشجيع التمدرس. وما من شك في أن عدم استفادة المرأة من التعليم، يجعلها في منأى عن أن تحقق الانخراط في سوق الشغل.

وقد يرجع البعض الآخر هذه الاكراهات إلى عامل الفقر، إذ أصبح رب الأسرة المعوز ينظر إلي الفتاة بحسب ما يمكن أن تذره من ربح عليه.

على أن تجاوز هذه التحديات لا يحقق التنمية المنشودة في غياب حرية الفرد أوفي ظهور استغلال الإنسان من حيث هوإنسان، “فالإنسان الذي يساق قسريا في المجتمع وتهدر إنسانيته وتطمس معالم شخصيته إنسان معطل القوى مزعزع الشخصية، قلق وخائف ولن يستطيع أن يشترك بقوة وأمان في بناء مجتمع الإنسان”(3)

فبتحقق شروط التنمية يمكن للمرأة أن تسهم بشكل كبير في مجالات مختلفة،  لعل اهمها :  المجال السياسي.

ففي ظل الشريعة الإسلامية لا مانع يمنع المرأة من مشاركتها في السياسة وإبداء الرأي سوى الجهل. لذلك عليها أن تكون متعلمة وفقيهة بأمور دينها وواقعها – فهناك فقه التدين وفقه الواقع –  حتى لا يكون رأيها مجانبا لمحددات الشرع، خاصة في المجالات المقطوع فيها بنص شرعي، إذ”لا اجتهاد في معرض النص”، أما المجالات التي يبقى للاجتهاد فيها مجال فينبغي أن يكون رأيها مستندا إلى نص شرعي، عملا بقوله تعالى :{فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر ذلك خير واحسن تأويلا}(4)

والرد كما هومعلوم يكون بعرض الأمر موضوع الاجتهاد على ضوء من الكتاب والسنة، بطريق من طرق الاجتهاد كالقياس وما يجري مجراه…

فبالعلم والتزام الأخلاق الإسلامية وتمثلها, والقدرة على التسيير يمكن للمرأة أن تنخرط في العمل السياسي، ويكون لعملها هذا أياد بيضاء.

وإن المرأة المغربية اليوم مدعوة اكثر من أي وقت مضى إلى المساهمة في الإصلاح التشريعي، بدءا من إبداء آرائها في كيفية عملية التصويت في الاستحقاقات المقبلة، ذلك أن قيام مؤسسات قوية، وإقرار دولة الحق والقانون ينطلق من نزاهة الانتخابات، تلك التي ستكون مؤشرا حقيقيا للتحول الديمقراطي.

ويعتبر حضور المرأة في الحقل السياسي ضرورة تفرضها الأوضاع العالمية الجديدة، ولذلك فان تجاوز الانزلاقات وخر وقات الماضي، لم يبق تغييره حكرا على الرجل، وإنما هي مسؤولية المرأة كذلك. ذلك أن وصولها لمراكز القرار لإسماع صوتها، لم يعد محكوما بمدى تمثيليتها في هذا الحزب أوذاك، وإنما أصبح مرتبطا بحجمها العددي، الذي من خلاله تستطيع عرض قضاياها الكثيرة، وليست المرتبطة بمدونة الأحوال الشخصية فقط مع ما ينتاب هذه الأخيرة من ثغرات. على أساس أن تكون مطالباتها مشروعة، ولا تتنافى مع مقتضيات الشرع، حتى لا يدخل المجتمع من جديد في حلقة مفرغة، تعيد لنا ذكرى خطة إدماج المرأة وما أثارته من استنكارات عريضة من طرف الغيورين على دينهم.

إن الوضع السياسي المغربي في الوقت الراهن اصبح ينذر بسخط لا نظير له، مما قد يتولد عنه عزوف شعبي عن الانتخابات. قد يكون له انعكاسات خطيرة على نسبة المشاركة،تلك التي لن تعكس بصدق تمثيلا حقيقيا بعد سحب المواطن ثقته في ممثليه، ورغبته في البقاء في الظل بعيدا عن دخوله في مخاض سياسي لا يحمل له سوى خيبة الأمل، لا نه لا يعدوأن يكونمجرد تعب ليس من ورائه  أرب.

وفي اعتقادي،  أن العقلانية في السياسة كما يقول رجالها :”تستلزم  أن نخرج رؤوسنا من الواقع، لا أن نخرج الواقع من رؤوسنا”. وفي هذا دعوة إلى التروي والتريث لاتخاذ القرار المناسب، بذل ترك الأوهام والظنون تسيطر على صاحبها.

فعلى عاتق المرأة والرجل على حد سواء تقع مسؤولية إرجاع الثقة للمواطن، وجعله بدوره ينخرط ويسهم في اختيار من يمثله، ممن تتوفر فيه مواصفات النائب عن الأمة، المتميز باستقامته، والمعروف بورعه. وهي مناسبة مواتية لتحسيس المواطن بأنه بدوره قد يمثل سلاحا ذوحدين، فقد يسهم في الفساد في الوقت الذي يبيع فيه ضميره، وينسى أن الصوت الذي يدلي به هوشهادة أمام الله تعالى، وقد يسهم في البناء وما يخدم مصلحة البلاد والعباد في الوقت الذي يعبر فيه عن جدارته، فيختار الإنسان الذي يراه مناسبا من دون أن تقود هذا الاختيار رغبات يرجى تحقيقها.

وعليه،  فان وعي المرأة بواجبها إذا انضاف إليه وعي الرجل بواجبه أيضا، هوالذي يمكن أن يفرز نتائج حقيقية تكون في مستوى ما ينشده المواطن.

إن تفعيل العمل السياسي من جانب المرأة  لتدعيم مسار الديموقراطية، يبقى مرتبطا بمدى وعيها بها، من حيث هي ثقافة وممارسة،”فالديموقراطية ليست مؤسسات ولكنها ثقافة أيضا، ما يحدث في العالم العربي هوأن خلق المؤسسات( الديموقراطية ) سبق نشر الفكر الديموقراطي، عكس ما حدث في الغرب حيث مهد فكر عصر النهضة والأنوار لتأسيس النظم الديموقراطية” (5)

فلتنتزع المرأة لنفسها مكانا تحت الشمس، وتثبت وجودها، عليها أن تعي انه بقدر ما تكون في مستوى المطالبة  حين تسترجع رشدها، وتعبر عن هويتها المغربية ومرجعيتها الإسلامية، بقدر ما تكون موفقة في تحقيق آمالها  وأحلامها.

ذ. حسن بلباكري

—————

(1) الحجرات، الآية : 13

(2) تحرير المرأة في عهد الرسالة : ج 4 / 127 – 128. ط : 1 / 1411هج ، دار القلم، الكويت.

(3) الإسلام والتنمية الاجتماعية للدكتور محسن عبد الحميد ص: 78. ط : 1 / 1409 هج، دار المنارة، السعودية.

(4) النساء، الآية : 59.

(5) الديموقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق لإبراهيم ابراش، منشورات الزمن، أكتوبر 2001.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *