إقتصاد إسلامي : أثر الزكاة في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية(1)


إن الإسلام لم يفرض العبادات، من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيره لذاتها، وإنما فرضها لتحقق ثماراً وآثاراً في الفرد والمجتمع.

فإذا كان من ثمار الصلاة الانتهاء عن الفحشاء والمنكر لقوله تعالى : {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون}(العنكبوت : 45)، ومن ثمار الصيام التقوى لقوله تعالى : {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة : 183)، ومن ثمار الحج تحقيق منافع دينية و دنيوية لقوله تعالى : {وأذن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات}(الحج : 26)، فإن من ثمار الزكاة وآثارها حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

تعتبر الزكاة الأساس الذي ينبني عليه النظام الاقتصادي الإسلامي، وهي الأساس الذي يربط بين أفراد المجتمع المسلم الواحد، فهي تساعد في تحقيق التنمية الاقتصادية بطريقة واضحة ومؤثرة لما لها من آثار اقتصادية متنوعة في مجالات زيادة الإنتاج، واستثمار الأموال، وتوزيع الثروة، ومحاربة التضخم، ومحاربة الاكتناز.

فالزكاة تدفع مالك المال في المجتمع الإسلامي لاستثمار أمواله لأمرين :

الأول : من أجل أن يكون أكثر مشاركة في حمل أعباء التكافل الاجتماعي ومساعدة الآخرين بدفع الزكاة والإنفاق في سبيل الله حرصاً على الأجر العظيم الذي يناله المسلم في ذلك، وللرضا النفسي الذي يتكون لديه لمساعدته في تحقيق أهداف الزكاة وحِكَمها في المجتمع الإسلامي.

والثاني : حتى لا تأكل الزكاة رصيده المالي، وهذا أوضح ما يكون في زكاة النقود، فقد حرم الإسلام كنزها وحبسها عن التداول والتثمير وجاء في ذلك وعيد الله تعالى : {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}(التوبة : 34).

فإذا لم يكن هناك استثمار للمال تناقصت الثروة شيئا فشيئاً، وقد بين هذا بوضوح قوله  : >اتجروا في أموال اليتامى حتى لا تأكلها الزكاة<(أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، رقم الحديث 12)، لأن مال اليتيم يكون بيد الوصي وقد يهمل تثميره عمداً أو كسلا.

وتؤثر الزكاة على الاستثمار من ناحية أخرى؛ وهي أن دفع أموال الزكاة للفقراء والمساكين سيؤدي إلى أن ينفق هؤلاء هذه الأموال في حاجاتهم المتعددة، مما سيزيد الطلب الفعلي على السلع والخدمات، والذي يستتبع زيادة الإنتاج وأعمال الاستثمار.

ثم إن توجه المستفيدين سيكون للسلع والخدمات الضرورية مما يساعد في توجيه الموارد نحو إنتاج هذه السلع والخدمات، مما يجعل للزكاة أثراً واضحاً في تخصيص الموارد، بالإضافة إلى زيادة الإنتاج، وإيجاد فرص للعمل تبعاً لذلك.

هذا بالإضافة إلى أن ما يجب دفعه للفقير يجب أن يغنيه، ويمكنه من إقامة حياته وحده فينقله من الفقر إلى أدنى مراتب الغنى حتى لا يعود محتاجاً إلى الزكاة مرة أخرى، وهذا ما بينه  في حديث قَبِيصَة حين تحدث عن الحد الذي تحل إليه المسألة حيث قال : >حتى يصيب قواما من عيش<(1)، ويقول الماوردي موضحاً ذلك : >يدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة ما يخرج به من اسم الفقر والمسكنة  إلى أدنى مراتب الغنى<(2). وقد وضح الفقهاء أن تحقق ذلك يكون بأن يمكن الفقير من العمل والإنتاج والحصول على دخل يكفيه، وبهذا تشارك الزكاة مشاركة فعلية مباشرة في تحريك الإنتاج وزيادته في المجتمع الإسلامي.

وقد اختلف الفقهاء في الزكاة، هل هي وسيلة للمساعدة الموسمية، أم هي وسيلة من وسائل التنمية الاقتصادية؟

وهذا الاختلاف كان سبباً في الاختلاف في المقدار الذي ينبغي أن يعطى للمحتاج من أموال الزكاة.

فالاتجاه الذي يرى أن الزكاة مساعدة موسمية يمكن تلخيصه في ثلاثة آراء :

1- يرى المالكية وجمهورالحنابلة(3) : أن يعطى المحتاج كفاية سنة، سواءً أكانت أقل من النصاب أم أكثر منه، وذلك لأن الزكاة تقوم على وحدة زمنية، هي السنة، فيعطى المحتاج ما يكفيه حتى يأتي السنة اللاحقة.

2- يرى الحنفية(4) : أن يعطى المحتاج أقل من النصاب،و إذا بلغ العطاء النصاب أو جاوزه كان ذلك مكروها، قال ابن رشد : >وكره أبو حنيفة أن يُعطى أحد من المساكين مقدار نصاب من الصدقة<(5)، لأن وظيفة الصدقة هي المواساة، بالتخفيف من الحاجة، وليس الإغناء.

3- ويرى ابن العربي من المالكية(6) : أن يعطى المحتاج نصاباً، وإن كان في البلد زكاتان أو أكثر، لأن النصاب هو الذي يزيل الحاجة، فيصير به المحتاج غنياً، وحد الغنى، هو النصاب.

وحسب هذا الاتجاه فإن من سجل بقوائم الزكاة سيظل آخذاً منها كدخل سنوي دائم دون مراعاة لأن يحوله هذا الدخل إلى إنسان عامل يكتسب قوته بواسطة الزكاة، أوليس منها.

الاتجاه الثاني : وهو الذي يرى أن الزكاة وسيلة من وسائل التنمية.

هذا الاتجاه يقوم على أن الزكاة إغناء غير محدود بالنصاب وغير مرتبط بالوحدة الزمنية للزكاة لكفاية الحاجة فيها بصفة دائمة، أي طيلة العمر. قال عمر بن الخطاب ] : >إذا أعطيتم فأغنوا<(7)، وقال أيضا للسعاة : >كرروا عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل<(8)، فعمر ] كان يعمل على إغناء الفقير بالزكاة، لا مجرد سد جوعته بلقيمات أو إقامة عثرته بدريهمات.

وبناء على هذا الرأي يقول الدكتور يوسف القرضاوي :  >يمكن إنشاء مصانع وعقارات ومؤسسات تجارية ونحوها وتمليكُها للفقراء كلِّها أو بعضِها لتدر عليهم دخلاً يقوم بكفايتهم كاملة، ولا تجعل لهم الحق في بيعها ونقلِ ملكِيتها لتظل شبه موقوفة عليهم<(9).

وبعد عرض هذين الاتجاهين يمكن القول إن لكل اتجاه وجاهته، ذلك أن الفقراء والمساكين نوعان :

– نوع قادر علىالعمل، لكن تنقصه أدوات العمل فالواجب لمثل هذا، كما يقول د. يوسف القرضاوي : >أن يعطى من الزكاة ما يمكنه من اكتساب كفاية العمر، وعدم الاحتياج إلى الزكاة مرة أخرى بشراء ما يلزمه لمزاولة حرفته وتمليكه إياه ا ستقلالا أو اشتراكاً على قدر ما تسمح به حصيلة الزكاة<(10).

– أما النوع الثاني من المستحقين فهو من لا يقدر على العمل، لمرض، أو زمانة أو شيخوخة فهؤلاء يعطى الواحد منهم كفاية السنة.

كان هذا حديثاِ عن بعض المشاكل التي يمكن للزكاة أن تعالجها من الناحية الاقتصادية، فماذا إذن عن أثر الزكاة في حل المشاكل الاجتماعية؟ وهو ما سنتناوله في العدد القادم إن شاء الله.

<  ذ. عمر داود

 

————–

1- جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة، باب ” من تحل له المسألة”.

2- الأحكام السلطانية للماوردي، ص : 156.

3- شرح الخرشي : 215/2، والمغني لابن قدامة : 670/2.

4- بدائع الصنائع، للكاساني : 48/8.

5- بداية المجتهد : 411/1.

6- أحكام القرآن : 973/2.

7- الأموال لأبي عبيد، ص : 676.

8- المصدر نفسه.

9- فقه الزكاة : 567/2.

10- المصدر نفسه : 571/2.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *